أصحاب الأخدود... عبر ودروس -11- والأخيرة

أصحاب الأخدود... عبر ودروس -11- والأخيرة

التصنيف: فقه الدعوة
الاثنين، ٣٠ رجب ١٤٣٦ هـ - ١٨ أيار ٢٠١٥
1124


 الشهداء بروج هادية



مركز نون للدراسات القرآنية/ فلسطين
تتحدث سورة البروج عن ظروف صعبة عاشها دعاة التوحيد، في مكة زمن الرسول عليه الصلاة والسلام، وأصحابه رضي الله عنهم، ومن قبلهم المؤمنون السابقون أصحاب قصة الأخدود.. إنها حالة ظلمة حالكة في ليل بهيم، لا يكاد الواحد يرى موضع قدمه، حيث يشتد الأذى بالمسلمين حتى نشروا بالمناشير، وحرّقوا في الأخاديد. 

وحيث يعم الظلم والظلام، ويلف النفوسَ المؤمنة والمستضعفة مشاعر الحزن والكآبة، حزناً على الذين دفنوا تحت التراب من حملة مشاعل الإيمان، وخوفاً على النفس، وقلقاً على مصير دين الله، مما يلاقيه أتباعه على أيدي أعدائه، فإن السورة تدعو المؤمنين كي ترتفع أبصارهم وقلوبهم إلى السماء ذات البروج ولا تظل منكسة باتجاه الأخاديد والقبور، فإن الشهداء هناك في عليين وهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهم نجوم هادية وليسوا مجرد قتلى تحت التراب، ولا رماداً في الأخاديد.

عند ذلك كله يقسم الله تعالى بالسماء ذات البروج، مطمئناً المؤمنين أن دين الله في سماء عالية ذات بروج حصينة، وأن الكفرة من أعداء الدين، ليسوا أكثر من أقزام ينفخون على الشمس ليطفئوها، أو يصعدون "السلالم" لينزلوها. ولهذا يأتي ختام السورة مطمئناً المؤمنين أن هذا القرآن في مأمن، من أن تصل إليه أي يد بإحراق أو إلغاء أو إنقاص، فإنه (قرآن مجيد في لوح محفوظ). 
وتبرز هذه السورة عظمة الجريمة بتحريق المؤمنين، وتكشف عن سببها "وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد" . فالكفار لغبائهم يتحرشون بالذين آمنوا بالله (العزيز) الذي تأبى عزته أن يترك عباده لأعدائه، وإن كان يمهلهم أن يتوبوا حتى بعد أن فتنوا المؤمنين والمؤمنات... فيبشر المؤمنين بجنته، وينذر الكفار ناره وبطشته. 

ولعل في لفت الأنظار إلى السماء ذات البروج في جو الظلام البهيم، ما يرقى بأبصار المؤمنين إلى السماء لترى البروج الجميلة، فتزول عنها مشاعر الكآبة والحزن والانكسار، كيف لا وقد قال رب العزة "ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين" إن هذه البروج زينة وبهجة للنفوس، وسعادة للقلوب وشرح للصدور، ولكن شريطة أن تجد لها جماعة من الناظرين. فتنشط نفوسهم من جديد لعمل الخير والقيام بأمر الدين. 

ويبدو أن هنالك تشبيهاً للشهداء بالبروج، وكأن الآيات تقول للمؤمنين لا تظنوا أن هؤلاء قد غيبهم الثرى وطوتهم القبور، بل هم نجوم وبروج مضيئة ومُثُل عُليا، تستدعي منكـم أن تشخصوا بأبصاركم إلى عليائهم، وتتابعوا مسيرهم. وهو ما رأيناه في قصة أصحاب الأخدود الواردة في الحديث حيث كان استشهاد حمَلة الدين دافعاً إلى الإيمان الجماعي.

الحلقة السابقة اضغط هنا


 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...