أزمة فكر

أزمة فكر

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الثلاثاء، ٧ ذو القعدة ١٤٣٧ هـ - ٩ آب ٢٠١٦
857

 

إن المتأمل بعين البصيرة إلى أزمات الثورة السورية المباركة يجدهاا لا تخرج عن أربع أزمات رئيسية 

أزمة_قيادة تهميش الحفيظ العليم والقوي الامين وتقليد الرويبضة

أزمة_فكر انحراف الغالين تأويل الجاهلين انتحال المبطلين محاربة الاعتدال

‏أزمة_إدارة في الملف العسكري والاعلامي والمنطقة المحررة والملف السياسي 

أزمة_أخلاق تغليف حظوظ النفس بمبررات شرعية

واليوم سنضيء على الأزمة الفكرية 

يكاد يجمع أغلب المفكرين العرب والمسلمين أن أزمة العالم الاسلامي والعربي بالخصوص هي أزمة إنتاج فكرية بامتياز وليست أزمة قيم، فالقيم محفوظة بالكتاب والسنة الصحيحة وتكمن أزمتها في التحلل منها فقط ؛ ولكننا بحاجة لأطر فكرية  مبدعة و تنزيل تلك القيم على واقع الأمة،  . وهذا ما نلاحظه في ثورتنا اليوم  مع أن الكثير من المفكرين قول إن الأفكار لا تنحرف ولكن عندما تنحرف النفوس إلى الشهوات فإنها تتبنى وتبحث من الأفكار عن ما يوافق شهوتها .

إن جميع الإنحرافات التي وقعت في أمتنا عبر التاريخ لا تخرج عن أحد هذين الانحرافين 

1- شبهات في الفكر منشؤها الجهل وشفاؤها العلم (والراسخون في العلم يقولون أمنا به كل من عند ربنا وما يذكر الاأولو الألباب )

2- شهوات منشؤها النفس الأمارة بالسوء وشفاؤها التقوى والخشية (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى) 

لا شك أن دوافع السلوك للإنسان تتكون من الدوافع الفكرية والوجدانية لذلك يخطئ كثير من المصلحين الذين يتجهون لإصلاح السلوك دون تصويب للعواطف والأفكار ولا شك أن الأثر الذي تحدثه الموعظة قوي ولكنه سريع الإنقضاء قصير المفعول بينما التغيير الفكري بطيء لكنه مديد المفعول .

إن أزمتنا الفكرية ? تتمثل اليوم كما حددها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم 

انحراف الغالين (انحراف علوي) ،تأويل الجاهلين (انحراف منحدر) ،انتحال المبطلين (إنحراف متجانب) هذه الانحرافات الثالثة الناتجة عن خلل في فهم وتدبر النص والوحي فقد وقعت في الأمة نظرتان متباينتان في الإجتهاد المنحرف

1- النظرة الظاهرية في النص التي تبطل مسلك التعليل فتودي بصاحبها إلى فكر الخوارج 

2- النظرة الباطنية للنص التي تقفز على مقتضى اللغة فتودي بصاحبها إلى الزندقة .

?ونحن اليوم واقعين بين تيارين يشكلان طرفي نقيض 

1- إتجاه الأصالة :

فلايزال العقل العربي الطاغي على المسلمين ذو النزعة الأصالية يبحث عن أجوبة مطلقة لحقائق نسبية ويبحث عن حكم واحد لمفاهيم مركبة ويطلب قواعد ثابتة لقضايا متغيرة. ويريد أن يلبس ذلك للإسلام.

2- اتجاه الحداثة :

ولايزال العقل الاستغرابي ذو النزعة العصرانية ينحو إلى أجوبة نسبية عن المفاهيم المطلقة ويبحث عن حكم متعدد لحقائق أحادية ويطالب بقواعد متغيرة لحقائق ثابتة. كذلك هو الأخر يريد أن يلصق ما يشتهي لإسلام.

والحقيقة أن  الاسلام ليس مذهبا حداثيا يقول بنسبية الأفكار والقيم 

وليس الاسلام مذهباً أصالياً يقول بمطلقية الأفكار والقيم 

إنما هو منهج رباني يجمع بين الثبات والمرونة  بين ثبات المقاصد ومرونة الوسائل وبين الخاص والعام وبين المطلق والمقيد.

نحن المسلمون خيارتنا دائما ثنائية نرى الأمور إما خير مطلق أو شر مطلق ولا نرى النسب المتفاوتة في دائرة الخير نفسها ولا النسب المتفاوتة في دائرة الشر نفسها حتى نستطيع تحديد الخيارات ضمن المتاح بناء على فقه الموازنات خارج الحصر في  الخيارات الثنائيات المطلقة بما يشبه عمى الألون الذي لايرى الواقع إلا أسود أو أبيض ويعمى عن ألون الطيف الأخرى 

في قوله تعالى ?اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم? 

دلالة ان العاقل ليس الذي يعرف الخير من الشر بل العاقل من يعرف خير الخيرين وشر الشرين 

من هذه الاية استنبط أئمتنا الكبار أصل ومصدر من مصادر الشريعة وهو الاستحسان 

فالله عز وجل لم يأمرنا باتباع ما انزل إلينا بالمطلق وانما جاء ( بأحسن) اسم تفضيل ) حتى يلفت نظرنا الى التفضيل بين الحسنات نفسها ولا نبقى أثيرين للنظرة الحدية العدمية فالعدل في ذاته حسن ولكن الإحسان أحسن منه .

أبتليت ثورتنا بمرض التمنهج وهو جعل اجتهادات منظري الجماعة بمثابة القواعد القطعية في رسم استراتيجية العمل الحركي للجماعة فتصبح بمثابة الهوية التعريفية للتيار وبجعلها قطعية وهي اجتهادات بشرية تدخل الجماعة بالتصلب الفكري التي تنظر لكل مراجعة على انها انحراف عن المعلوم من الدين بالضرورة وقد انعكس هذا الوباء على عقلية الجماعات الإسلامية والفصائل في الثورة السورية التي تعاني من فرط القياس مع الفارق من منطلق نفسي 

فجماعة تقيس على التجربة الطالبانية التي كانت في زمن الاستقطاب العالمي

وجماعة تقيس على الدولة الإسلامية في المدينة التي كانت في زمن غفلة من النظام العالمي 

وجماعة تقيس على التجربة التركية التي تبغي التغيير من داخل المنظومة الدولية 

كل ذلك بدون فهم للتاريخ ولا البصيرة بالواقع  مما يعدم الحلول الإبداعية التي تراعي الخصوصية الظرفية للثورة السورية .

من هنا لا بد من تعزيز العقلية الفروقية التي تلحظ نقاط الافتراق في القضايا والمسائل  لتخرج بحلول إبداعية ولا تقع في فخ القياس بين المختلفين  فإن شريعتنا عادلة لا تفرق بين متشابهين في الحكم  ولا تجمع بين مختلفين في حكم واحد .

 لازلنا لم نحسن فض الاشتباك بين إن ما يسوغ فيه النظر وما يكفي فيه الاتباع المحض فالأصل في أمور الدين الاتباع المحض والأصل في امور الدنيا الابتداع المحض لكننا أمة نبتدع في الدين ونتبع الغرب في الدنيا حذو النعل بالنعل بسبب جعل ماهو وسائل غايات وماهو غاية من الوسائل فنعيب على العلمانية فصل الدين عن الحياة ونمارس ذلك نحن عملاً  فحرمنا كثيرا من الوسائل والمصالح السياسية بناء على جعلنا لأحداث وقعت في تاريخنا السياسي مصدراً للتشريع وهذا من الخطا بمكان عندما نخلط بين الفقه السياسي الإسلامي وبين التاريخ السياسي للإسلام 

إن فقه المنهج الرباني ليس عسيراً على الفهم ولكن العسير على الغالب هو فقه الحركة به بين النظرية والتطبيق ضل الكثير وتاهوا ،بين فقه النص وفقه الواقع زلت الاقدام وضلت الأفهام.

 وبطغيان هذه الأزمة الفكرية حتى على من يفتي في مسائل الثورة السورية التي تعقدت فيها المناطات السياسية إلى حدٍ كبير فالكثير منهم يحرر الفتيا  بعيداً عن النظر في المآلات أو النظر في فقه الأولولويات أو في فقه الموازنات أو فقه الواقع فشكلة هذه الفتاوى صارت  أزمة بحد ذاته لعدم أخذها بهذه المعطيات الخطيرة في التخريج .

كثير من أزمتنا الفكرية راجع إلى الإختلافات اللفظية فالتعبيرعن الحقيقة الواحدة بألفاظ متعددة قد يودي الى اختلاف كبير عند أصحاب المعرفة الضحلة وقد يدخلون الاختلاف اللفظي أحياناً في باب الإعتقاد 

هذا ما فطن له أبو الحسن الأشعري في مرض وفاته كما نقل عنه الإمام الذهبي 

اشهدوا علي أنني لا اكفر أحد من أهل القبلة إنما هو اختلاف ألفاظ 

هل من الممكن أن نكتشف أننا متفقين مع كثير ممن نختلف معهم في تفسير المصطلحات السياسية الوافدة ولكن المشكلة غشاء اختلاف الألفاظ تمنعنا من الالتقاء

وتحريرموضع النزاع فإذا بنا نكتشف أنه لا نزاع إلا على المسميات ولا مشاحة في الاصطلاح.

كما أن نسف القاعدة بالمثال الشاذ(الطعن في الجهاد لوجود مجاهدين سيئين). كما إقامة القاعدة على مثال شاذ (الخوارج على حق لأنهم يخشعون في صلاتهم أو لأنهم شجعان في قتالهم). كانت من أخطر الانحرافات في آليات التفكير لدينا.

عندما نتكلم عن التفكر كفريضة غائبة في حياة المسلمين علينا ان نحدد أن غيابها يكون بأجراء الوظيفة في غير محلها او بغير ادواتها 

الفكر المنفصل عن ثوابت الوحي مقتلة لصاحبه ( إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر)

والفكر المهتدي بالوحي نجاة لصاحبه في الأخرة ورشد له في الدنيا

( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك )

لا بد أن نحدد المسائل التي لا يمكن ان نصل اليها بالعقل والتفكير مثل قضية الوجود والغاية منه ومابعد الموت والذات الالهية وكل القضايا الغيبية فإن إدراك هذه المسائل من شان الخبر الصاق الذي يأتي به الوحي حتى لا يسبح العقل في غير مضماره فيزداد ضلال.

إن منهج البحث العلمي في القضايا التي غابت ذواتها وظهرت أثارها هو العقل الصريح والذي يعمل ضمن ثلاث مبادئ

1- مبدأ الغائية لا يقبل العقل شيء بلا غاية (الانسان مخلوق لغاية العبادة)

2- مبدأ السببية لا يقبل العقل شيء بلا سبب ( الإنسان مخلوق له خالق )

3- مبدأ عدم التناقض لا يقبل العقل بقبول الشيء وضده (الإنسان ليس خالق نفسه)

لا بد للامة من انهاء المعارك المفتعلة بين النقل والعقل  وبين العلم والدين 

فلا يمكن أن يتعارض العقل مع النقل إلا إذا كان النقل غير صحيح أو اذا كان العقل غير صريح

وقد بين ذلك شيخ الاسلام إبن تيمية في كتابه درء تعارض العقل مع النقل.

للأسف لا يزال جل نشاطنا الفكري عند الكثير من الباحثين هو إجترار المعارك الفكرية التي وقعت في حقب تاريخنا السالف 

ولا يزال البعض يفتعل معارك فكرية في ساحة لا عدو فيها يرد على الجهمية والمعتزلة والحلولية 

وينسحب من المعارك المحتدمة مع الشيوعويين والعلمانيين والخوارج والعصرانيين والحداثيين مما يخل بأولوية المواجهة الفكرية .

لا بد أن ينطلق إصلاحنا الفكري من إعادة النظر في مناهج التفكير وضوابطه  لأنها الأساس التي تحدد مخرجات هذا التفكير وقد وقعت الامة بالمأزق الخطير لما ضيعت المنهج التجريبي لابن حيان والرازي وابن الهيثم والبحث الاستقصائي لإبن خلدون في علم الإجتماع  الذي هو أساس النهضة الحضارية واستعاضت عنه بالمنهج الفلسفي الاغريقي والمنطق الأروسطي الذي قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية لا ينتفع به الغبي ولا يحتاجه الذكي بينما استطاع الغرب أن يلتقف المنهج التجريبي ويبني عليه حضارته الحديثة ونحن لا نزال نسير في ركب التخلف .

 وإن العلوم التجريبية وحدها لا تكفي لنهضتنا فقد دلت الشواهد الحضارية للأمم الناهضة أن حجر الاساس في نهضتها إنما قام على العلوم الإنسانية ولازالنا نحن العرب نرعي الإهتمام للعلوم المادية التطبيقية من طب وهندسة وكيمياء ونرسل متوسطي الذكاء لدراسة العلوم الانسانية مع أن هذه العلوم هي التي تؤهل أصحابها للقيادة الفكرية للمجتمع وهي التي تقود مسيرة النهضة والتغيير .

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...