أخلاقنا وأخلاقهم

أخلاقنا وأخلاقهم

التصنيف: ركن العلماء والمناشط الإسلامية
الأربعاء، ١٠ جمادى الآخرة ١٤٤٦ هـ - ١١ كانون الأول ٢٠٢٤
393

في كل مرة تتمكن الطوائف الباطنية من الحكم تمعن في ظلم المسلمين وقهرهم والتنكيل بهم، وقد تكرر هذا مرارًا في التاريخ؛ وذلك أن التنكيل بالمسلمين، والتشفي بظلمهم عقيدة راسخة متوارثة، تتناقلها الأجيال الباطنية لا أنها تجاوزات فردية ! وفي كل دور من أدوار التاريخ يتكرر المسلك العام لأهل السنة معهم في العدل وكف الأذى وتغليب الصفح، وذم التجاري في سفك الدماء، ونهب الأموال، وهتك الأعراض.


وما وقع مِن تجاوز في حقب متفاوتة لا صلة له بأصول أهل السنة وإنما هي أخطاء من بعض الغلاة، ناشئة عن فهمهم أو عن طبائعهم، كما حصل في القرن الثاني عشر الهجري، و تكرر بعد ذلك في مجازر (إخوان من طاع الله) في مناطق عدة من الجزيرة العربية وأطرافها، مما بلغته سيوفهم، ثم تكرر ذلك في زمن خليفتي جماعة إخوان من طاع الله وهما (داعش) و(القاعدة) !


وعلماء أهل السنة والجماعة ينكرون على من فعل تلك المجازر المروعة، فليس لأحد حجة على أهل السنة والجماعة بتلك الممارسات الشاذة عن نهجهم، وقد أطبق علماء أهل السنة على إنكار ما وقع في نجد في القرن النصف الثاني من القرن الثاني عشر الهجري وما بعده مِن سفك للدماء ونهب للأموال، وترويع للخلق، ولا يُعلم من أهل السنة من المذاهب الأربعة جميعها مَن أقر تلك الفظائع عدا مَن تورط فيها، وفي إنكار تلك الفظائع قال الإمام الصنعاني قصيدته الشهيرة التي يقول فيها مخاطبًا مَن كفر المسلمين واستحل دماءهم واموالهم بغيا وظلما بتأويلات فاسدة :


وقـد جـاءنا من أرضـه الشيخ (مربد) *** فحقـق مـن أحـواله كــل مـا يبـدي
وقـد جاء مـن تأليفـه برســائل *** يكفــر أهـــل الأرض علــى عمـد
ولفـّـق في تكفيــرهم كل حجـــة *** تراهـا كبيـت العنكبــوت لـذي النقـد
تجـارى علـى إجـرا دما كل مسلم *** مُصَـلٍّ مُـزَكٍّ لا يحــول عن العهــد
وقـد جـاءنا عـن ربنــا في براءة *** براءتهــم عن كـل كفــر وعـن جحـد
وإخواننا سمـاهم اللّه فاستمـــــع *** لقـول الإِلـه الواحــد الصمــد الفـرد
وقـد قـال خيـر المرسلين نُهيت عن *** فمــا باله لــم ينتـه الرجـل النجـدي
وقال لهـم لا مـا أقامـوا الصلاة في *** أناس أتـوا كـل القبائــح عـن قصــد
أبِن أبِـن لي لِـمْ سفكــت دمـاءهم *** ولمْ ذا نهبـت المــال قصـداً على عمـد
وقــد عصمــوا هذا وهـذا بقول لا *** إله سـوى اللّه المهيـمن ذي المجـــد
وقــال ثـلاث لا يحـل بغيــــرها *** دم المسلـم المعصـوم فـي الحل والعقـد
فمـا لك في سفـك الدمـا قـط حجـة *** خَـفِ اللّه واحـذر ما تُسِــرُّ ومـا تُبْدِي
وعامـل عبـاد اللّـه باللطـف وادعهم *** إلى فعـل ما يهــدي إلــى جنـة الخلد
ولا تحسبـوا أني رجعـت عــن الذي *** تضمنـه نظمـي القديـم إلى نجـد
بلـى كـل ما فيـه هو الحـق إنمــا *** تحـرّيك في سفـك الدمـا ليس من قصدي
و تكفيــر أهــل الأرض لسـت أقوله *** كمـا قلتَـه لا عـن دليـل بـه تهــدي
و هـا أنـا أبْرَا مـن فعالك فـي الورى *** فما أنـت فـي هـذا مصيب و لا مهـــدي
و دونكهــا منـي نصيحــة مشفــق *** عليـك عسـى تهـدي بهـذا و تستهـدي
و تغلـق أبـواب الغلــو جميعــــه *** و تأتـي الأمـور الصـالحات علـى قصد
وهـذا نظـامي جـاء واللّـه حجـــة *** عليـك فقابـل بالقبـول الـذي أهــدي


وإنما سقنا هذه الأبيات لبيان موقف أهل السنة والجماعة من تكفير المسلمين والتجاري في الدماء، وأن نسبة ذلك لأهل السنة من البغي، وأن علماء السنة ينكرون تلك الأفعال ويعاتبون مرتكبيها بأشد العتاب، بيانا للحق وتنقية للشريعة من الاجتهادات الشاذة، والتأولات البعيدة، ولولا تسلل بقايا من ورثة ذلك الغلو لما ذكرنا ذلك، فكلنا يعلم أن لداعش بقايا في الشام تحركها أياد خفية، ووقودها شباب متحمسون لا يدرون إلى أن يساقون، فيُخشى أن يثيروا القلاقل في الشام كما فعلوا من قبل فيها وفي بقاع أخرى.
وقد وفق الله المجاهدين الفاتحين إلى الاعتدال واستفادوا من التجارب الماضية، وتكشفت لهم حقائق ربما لم تكن واضحة في أذهانهم أول ثورتهم، وهذا من فضل الله عليهم، ولطفه بهم، وإبراء لساحتهم من التكفير والغلو ودفعا للتهمة عنهم.


وفي زماننا أطبق علماء السنة على إنكار مجازر داعش والقاعدة، وبينوا ضلال مرتكبيها، وقلة علمهم وسوء فهمم، وتنكبهم سبيل أهل السنة والجماعة.


هذا هو المسلك العام لأهل السنة والجماعة، على مدى تاريخ الإسلام، في نبذهم الظلم والعدوان، وسفك الدماء بغير حق، وما عدا ذلك فاجتهادات لطوائف أخطأت الطريق، وإن انتسبت لأهل السنة والجماعة بالجملة، أما الطوائف الباطنية فالظلم والعدوان أصل من أصولها، ومسلك مطّرد متوارَث كلما حانت فرصة، وقامت لهم دولة.


وعندما نقرر هذه الحقائق، فلا يُفهم منها الدعوة إلى الانتقام من الطوائف الباطنية وغيرها عند التمكن منهم كما هو واقع اليوم بعد إعادة فتح سوريا، وتخليصها من قبضة الطغيان الطائفي البغيض، فالواجب على أهل السنة والجماعة التزام أصولهم في العدل مع العدو والصديق، وقصر العقوبة على مستحقيها ممن ثبت إجرامهم وبغيهم، أما مَن عداهم مِن طائفتهم وغيرها فإنه يسعهم عدل الإسلام و سماحته، كما وسعهم طوال مئات السنين التي عاشوا فيها بين المسلمين آمنين على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، مع ضرورة الاهتمام بدعوتهم وبيان حقائق الإيمان لهم والحرص على هدايتهم واستنقاذهم من معتقدات الكفر والضلال، واستلال سخائم الصدور التي رانت عليها وتوارثتها الأجيال، والجمع بين الحلم والحزم، وبين العفو وإقامة العدل.


هذه أخلاقنا التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وسلم، وليس لنا أن نتخلق بغيرها، وتلك أخلاقهم التي توارثوها، وواجبنا إعانتهم على التخلص منها، بتأليف قلوبهم، وبيان عظمة الإسلام وسماحته.


مَلكْنا فكان العَفْو منَّا سَجيَّةً *** فلمَّا ملكْتُمْ سالَ بالدَّمِ أبْطَحُ
وحَلَّلْتُمُ قتلَ الأسارى وطالَما *** غَدوْنا عن الأسْرى نَعفُّ ونصفَح
فحسْبُكُمُ هذا التَّفاوتُ بيْنَنا *** وكلُّ إِناءٍ بالذي فيهِ يَنْضَحُ


اللهم أصلح أهل الشام، وأصلح بهم أمة الإسلام، واجمع كلمتهم على الحق واحلل السكينة والأمن والرخاء على تلك الربوع الطيبة المباركة


عبد الرحمن البكري

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، ٢٩ ربيع الأول ١٤٣٤ هـ - ٩ شباط ٢٠١٣بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...