حارب النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته العرب المشركين وانتصر عليهم، فلم يلتحق بالرفيق الأعلى إلا وكانت شبه الجزيرة العربية موحدة تحت لواء الإسلام.
كان جنود النبي صلى الله عليه وسلم من العرب المسلمين، قليلي العدد، فقراء بالسلاح والقضايا الإدارية.
وكان أعداء الإسلام من العرب المشركين كثيري العدد، أغنياء بالسلاح والقضايا الإدارية.
كان التفوق العَددي والعُددي مع العرب المشركين على العرب المسلمين، ولكن الفئة القليلة من العرب المسلمين، غلبت الفئة الكثيرة من العرب غير المسلمين بإذن الله تعالى.
وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم، حارب العرب المسلمون الغساسنة في معركة اليرموك الحاسمة التي فتحت أبواب أرض الشام للمسلمين، وحاربوا المناذرة في معركة القادسية الحاسمة التي فتحت أبواب أرض العراق للمسلمين، وكان الغساسنة والمناذرة من العرب الأقحاح، وكانوا أعرق مدنية وأكثر حضارة، وأغنى مالاً وسلاحاً، وأعرف بأساليب القتال، وأقرب إلى قواعدهم من أولئك العرب المسلمين القادمين من قلب الجزيرة العربية.
وانتصر العرب المسلمون على العرب غير المسلمين، وعلى غير العرب من اليهود والروم والفرس والبربر في أيام الفتح الإسلامي العظيم، لا لأنهم عرب وكفى، بل لأنهم عرب مسلمون.
لقد كان انتصار العرب المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام الفتح الإسلامي العظيم انتصار عقيدة لا مراء.
فما أثر العقيدة الإسلامية في إحراز النصر؟
كان العرب في الجاهلية متخلفين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعسكرياً، فرفع الإسلام مكانتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.
كان الفرس والروم سادتهم، وحتى الأحباش كانت لهم صولة وجولة ومكانة في اليمن، فأصبح العرب بالإسلام سادة الفرس والروم والأحباش والبربر وسادة أمم أخرى لا تعد ولا تحصى من الصين شرقاً إلى قلب فرنسا غرباً، ومن سيبيريا شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً.
وكان العرب أقل حضارة ومدنية من الفرس والروم خاصَّة، فأصبحوا بعد الإسلام قادة ا لحضارة العالمية ورواد المدنية في الدنيا.
وكانوا فقراء معدمين يسكنون الخيام في الصحراء، فأصبحوا بعد الإسلام أغنياء مترفين يسكنون القصور والبيوت في الحواضر على ضفاف الأنهار.
وكانوا من الناحية العسكرية لا يطمعون أن يحموا أرضهم من الفرس والروم وحتى من الأحباش، فأصبحوا بعد الإسلام لا يطمع أحد في حماية أرضه من قوتهم القاهرة التي ملأت الأرض سماحة وعدلاً.
إذن كان للإسلام أثر أيُّ أثر على العرب، بدَّلهم من حال إلى حال، وجعل منهم أمَّة لها مكانتها ولها اعتبارها ولها تأثيرها على سير الأحداث الكبرى، ولها كلمتها المسموعة بين الأمم.
ولعل الباحثين المنصفين من المسلمين وغير المسلمين، يستطيعون أن يقولوا كثيراً عن أثر الإسلام في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية في العرب.
ولكنني سأقتصر هنا على اثر الإسلام في العرب من الناحية العسكرية فقط، مذكراً أن العرب لو لم ينتصروا في الحروب، ولو ترفرف راياتهم شرقاً وغرباً، لما كانت لهم مكانة بين الأمم في النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لذلك يمكن القول بأن أثر الإسلام عسكرياً على العرب هو الأساس الأول لمكانتهم السامية بين الأمم ذلك لأن الدول لا تحترم غير الأقوياء، وأن القوي وحده هو الذي يستطيع أن يؤثر في سير الأحداث العالمية، سواء أكان هذا التأثير هدفه الخير للعالم، أم هدفه الشر والخراب والدمار.
كان في العرب أيام الجاهلية مزايا متميزة: الذكاء الفطري، وحب الحرية والمساواة، والشجاعة والإقدام، والكرم والسخاء، فعمل الإسلام على تطوير هذه المزايا وصقلها وأفاد منها، ونجح في مسعاه أعظم النجاح.
وكان في العرب أيام الجاهلية صفات رديئة: تفرق كلمتهم، وفقدان الضبط والنظام بينهم، وعبادة الأوثان والأصنام، وسيطرة روح القبيلة عليهم، فعلم الإسلام على محاربتها والقضاء عليها، وانتصر عليها انتصاراً باهراً.
وصدق الله العظيم:[وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا] {آل عمران:103}.
وكان العرب قبل الإسلام، ماهرين في حروب العصابات، وفي استعمال السلاح، وفي الفروسية، وكانت لهم قابلية عظيمة على الحركة من مكان إلى آخر بسهولة ويسر، وبأقل وقت ممكن، وأقل تكاليف إدارية، و لكنهم كانوا متفرقين، بأسهم بينهم شديد:
وأحياناً على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
لهذا كانت خبرتهم الحربية وشجاعتهم الفطرية، تذهب عبثاً في المناوشات المحلية بين القبائل.
فلما جاء الإسلام، وحد عقائدهم، ووحد أعمالهم، ووحد صفوفهم، ونظمهم وعرس فيهم روح الضبط والطاعة، وطهر نفوسهم، ونقى أرواحهم، وخلق فيهم انسجاماً مادياً ومعنوياً فأصبحت ـ لذلك كله وبذلك كله ـ قوتهم المبعثرة، وجهودهم المضاعة، تعمل بنظام وضبط، بقيادة واحدة، لهدف واحد، وأصبح المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها أخوة، يتحابون بنور الله تعالى بينهم، وهم أمَّة واحدة، تحيتها السلام، ودينها الإسلام.
لقد كان الرسول صل يؤم ألفين في عمرة القضاء، ومائة ألف في حجة الوداع، يسيرون كلهم في نظام أدق نظام: هرولة، ومشياً واستلاما للركن والحجر الأسود ـ هذا النظام المتصل بروح الإسلام، سبب من أسباب القوة، بل هو مصدرها ن وملاكها، وهذه الأمامة يقوم بها رجل مطهر يؤمن أصحابه بصدقه، هي روح هذه القوة وقوامها.
وفرضت الصلاة على المسلمين، ثم قامت صلاة الجماعة التي أداها المسلمون وراء إمام واحد، ومن يرى المسلمين وهم مجتمعون صفوفاً للصلاة، يؤدون ركعاتها وسجداتها في تناسق مدهش وفي نظام ووقار ن لا يمكن أن يغفل لما لهذه الصلاة المنظمة من قيمة تربوية في نفوس المسلمين.
إن العرب أباة لا يخضعون لمشيئة خارجية، ولكنهم كانوا يفتقرون إلى الشعور التام بالطاعة والنظام، فكانت لهذه الصلاة أهمية بالغة في إيقاظ روح النظام في نفوس العرب المسلمين، لذلك غدا مكان الصلاة أول ميدان حقيقي للتدريب على النظام عند المسلمين.
ثم إن انتظام المسلمين في الصلاة، شجع روح الوحدة بينهم، وخلق بينهم شعوراً بالمساواة التي كانت أفكاراً جديدة على بلاد العرب، إذ كانت الوحدة الموجودة حتى ذلك الوقت هي رابطة الدم، فأصبحت الوحدة السائدة هي وحدة العقيدة.
لقد وجد الإسلام بتعاليمه التي تغرس الضبط والنظام في النفوس، وتدعو إلى توحيد الله وتوحيد الصفوف، أرضاً خصبة في العرب الذين كانت لهم خبرة طويلة في الحروب، والذين لا يهابون الموت ويتعشقون الحرية، فكان من فضل الإسلام على العرب، إنه جمع شملهم، ووحد قلوبهم، وأشاع فيهم النظام والضبط، وبذلك أصبحوا قوة هائلة و جدت لها متنفساً، في توحيد شبه الجزيرة العربية أولاً، وفي الفتح الإسلامي ثانياً.
والمعروف أن الجندي لا يمكن أن يقاتل في الحروب قتالاً مستميتاً، ويضحي بروحه مقبلاً غير مدبر إلا إذا كان يؤمن بعقيدة تدفعه إلى التضحية والفداء، وتجعله صابراً في البأساء والضراء وحين البأس.
والجندي الذي يقاتل بغير عقيدة، لا يمكن أن يصمد في الميدان أبداً.
وما يقال عن الجندي، يقال عن الجيش، ويقال عن الشعب أيضاً، فليس الجيش إلا مجموعة من الجنود، وليس الجيش إلا جزءاً من الشعب.
فما أثر تعاليم الإسلام على العرب؟
لاشك أن هذه التعاليم، رفعت المستوى العقلي للعرب إلى درجة كبرى، فهذه الصفات التي وصف الإسلام بها الله سبحانه وتعالى، نقلتهم من عبادة أوثان وما يقتضيه ذلك من انحطاط في النظر وإسفاف في الفكر ـ إلى عبادة إله وراء المادة.[لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ] {الأنعام:103}.
كان الإله عند أكثرهم إله قبيلة، وإن اتسع سلطانه فإله قبائل أو إله العرب، فأبانه الإسلام إله العالمين، ومدبِّر الكون وبيده كل شيء وعالماً بكل شيء، فاستطاع العربي بهذه التعاليم أن يرقى إلى فهم إله لا مادة له، واسع السلطان، واسع العلم، وأفهمهم الإسلام أن دينهم خير الأديان، وأن العالم حولهم في ضلال، وأن نبيهم نبي الناس جميعاً، و أنهم ورثته في حمل دعوته إلى الأمم، فكان ذلك من البواعث على غزو هذه الأمم يدعونهم إلى دينهم ويبشرونهم به، فمن دخل فيه كان كأحدهم، له ما لهم، وعليه ما عليهم.
وكان لعقيدة اليوم الآخر ودار الجزاء والجنة والنار، أثر عظيم في بيع كثير منهم نفوسهم في سبيل نشر الدعوة: [إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] {التوبة:111}.
وكان للإسلام أثر كبير في تغيير قيمة الأشياء والأخلاق في نظر العرب، فارتفعت قيمة أشياء، وانخفضت قيمة أخرى، وأصبحت مقومات الحياة في نظرهم غيرها بالأمس.
إن الإسلام رسم للحياة مثلاً أعلى غير المثل الأعلى للحياة في الجاهلية، وهذا المثلان لا يتشابهان وكثيراً ما يتناقضان فالشجاعة الشخصية، والشهامة التي لا حد لها، والكرم إلى حد الإسراف، والإخلاص التام للقبيلة، و القسوة في الانتقام والأخذ بالثأر ممن اعتدى عليه أو على قريب له أو على قبيلته ـ بقول أو فعل ـ هذه المثل التي كانت أصول الفضائل عند العرب الوثنيين، اصبحت في الإسلام الخضوع لله والانقياد لأوامره والصبر وإخضاع منافع الشخص ومنافع قبيلته لأوامر الدين، والقناعة وعدم التفاخر والتكاثر وتجنب الكبر والعظمة ـ هي المثل العليا للمسلم في الحياة ـ فجر الإسلام أحمد أمين ـ
إن الإسلام صهرنفسية العربي، ونفى عنها الخبث، فأصبح العربي المسلم لا يكذب، ولا يسرق، ولا يزني، ولا يخون، ولا يغش، ولا يتجسس، يخلص لعقيدته أكثر مما يخلص لنفسه، ويطيع أوامر الله ورسوله وأولي الأمر، وبذلك أصب فردا مفيداً باع نفسه لله إخلاصاً لعقيدته.
هذا العربي المسلم، بهذه المزايا النادرة، اصبح بدون شك، عنصراً مفيداً كل الفائدة لتكوين أمة صالحة: تعبد رباً واحداً، وتعمل بانسجام وتعاون ونكران ذات، لتحقيق هدف واحد، هو أن تكون كلمة الله هي العليا.
لقد تصرف العربي المسلم فرداً تصرفاً لا يزال يعتبر من الأعمال الفذة النادرة في حياة البشر، تحمل التعذيب والموت صابراً راضياً مطمئناً، وترك أهله وماله مهاجراً إلى الله ورسوله، وضرب بمصلحة أهله الأقربين وعشيرته وقبيلته عرض الحائط حين وجدها تعارض مصلحة عقيدته العليا.
وتصرف العربي المسلم ضمن المجموع من أمته تصرفاً لا يزال يعتبر حتى اليوم مفخرة من المفاخر: اندفع يجاهد في سبيل نشر عقيدته وحمايته، فخرجت القوة المؤمنة التي اختزنتها الصحراء عبر الأجيال، تحمل راية الله سبحانه وتعالى وبلغ عن أمره، فتتابعت انتصاراتها الباهرة، فلم يشهد التاريخ في أحقابه المديد انتصارات مظفرة وفتحاً ( مستداماً) مثلما شهد انتصارات الفتح الإسلام، تلك هي العقيدة التي جعلت العربي المسلم يقاتل قتالاً مستميتاً، و يضحي بروحه من أجلها.
وهذه العقيدة هي التي دفعت العربي المسلم إلى التضحية والفداء، وجعلته صابراً في البأساء والضراء وحين البأس، وهذه العقيدة هي التي قادته من نصر إلى نصر ما دام متمسكاً بها، فلما أعرض عنها لم ير النصر بعينه أبداً.
فكيف يربي الإسلام ملكة الجندية الحقة في المسلم فرداً وفي المسلمين جيوشاً وأمة.
هناك صفات خالدة للجندي الحق هي التي تميز الجندي الأمين عن الجندي المزيف الذي لا قيمة عسكرية له.
هنا لابدَّ لي من أن أذكر، بأنه ليس كل من ارتدى البزة العسكرية وقضى ردحاً من الزمن في الجيش أصبح جندياً حقاً.
بل لابدَّ أن تتوفر في الجندي صفات معينة، ليكون جندياً يفيد ولا يضر ويبني ولا يهدم ويقاتل ولا يفر.
من هذه الصفات الطاعة، والطاعة هي ما نطلق عليه في المصطلحات العسكرية الحديثة تعبير الضبط.
والضبط: معناه إطاعة الأوامر وتنفيذها نصاً وروحاً بدون ت ردد وعن طيب خاطر وبحرص وأمانة وإخلاص.
لقد وردت كلمة (طاع) ومشتقاتها في تسع وعشرين ومائة آية من آيات القرآن الكريم، قال تعالى:[مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ] {النساء:80}.وقال تعالى:[وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا] {النور:47}.وقال تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ] {النساء:59}.
والفرق الكبير بين الجندي الجيد والجندي الرديء، هو: أن الأول مطيع والثاني غير مطيع، أي أن الأول يتحلى بالضبط المتين، والثاني: قليل الضبط، كما يعبر عن ذلك العسكريون المحدثون.
وقد ضر ب السلف الصالح أورع الأمثال بالطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر، وتاريخ الصدر الأول من الإسلام مليء بأمثلة الطاعة التي أدت بالكثير من المسلمين إلى التضحية بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله.
كما أن الفرق الكبير بين الجيش والمدنيين، هو أن الجيش يتحلى بالضبط المتين، ولا جيش بدون ضبط، ولا ينتصر جيش في الحرب بدون ضبط مهما يكن حسن التنظيم كامل التجهيز جيد التدريب قوي القيادة.
ومن صفات الجندي الخالدة: الصبر على المشقات العسكرية وفي الميدان.
وقد ورد كلمة (صبر) ومشتقاتها في ثلاث ومائة آية من آيات القرآن الكريم، قال تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] {آل عمران:200}. وقال تعالى:[رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا] {البقرة:250}. وقال تعالى:[ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ] {النحل:126}. وقال تعالى:[ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ] {النحل:110}.
والثبات له معنيان: الأول: الصمود إلى آخر طلقة وآخر رمق، فليس جندياً من يفر أو يستسلم للعدو ومعه سلاح وعتاد، حتى يتحطم سلاحه وينفذ عتاده.
والثاني: الشجاعة في مجابهة العدو والقتال بتصميم وعناد.
وقد وردت (ثبت) ومشتقاتها في ثماني عشرة آية من آيات الذكر الحكيم، قال تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا] {الأنفال:45}.وقال تعالى:[ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ] {الأنفال:11}.وقال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ] {محمد:7}.
وقال تعالى:[رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا] {البقرة:250}. وقال تعالى: [رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا] {آل عمران:147}. وقال تعالى:[إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى المَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا] {الأنفال:12}.
أما الشجاعة وهي: من أهم صفات الجندي، فيكفي أن نذكر أن المسلم لا يجبن أبداً، وإن التولي يوم الزحف بالنسبة للمسلم من الكبائر، قال تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ] {الأنفال:16}.
وجعل التولي يوم الزحف من صفات الكفار والمنافقين، قال تعالى:[وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا] {الفتح:22}. وقال تعالى:[لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ] {الحشر:12}. وقال تعالى:[لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ] {آل عمران:111}. وقال تعالى:[وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا] {الأحزاب:15}.
ولست أعرف عقيدة سماوية ولا أرضية حثت على الشجاعة حثاً حاسماً جازماً كما فعلت العقيدة الإسلامية، ويكفي أنها أخرجت الجبناء من حظيرة المؤمنين، فالجبن والإسلام على طرفي نقيض هما ضدان لا يجتمعان.
وإذا كانت الشجاعة هي التي تؤدي إلى إحراز النصر، أو هي من أهم عوامل النصر على الإطلاق، فإن الشجاعة في العقيدة الإسلامية هي مزية من مزايا المسلم الذي لا يكون مسلماً بدونها.
قال تعالى:[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ] {النساء:71}. وقال تعالى:[فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ] {النساء:102}. وهي صلاة الخوف كما يعبر عنها الفقهاء.
وإذا كان الجندي حذراً يقظاً، صعب على عدوه أن ينال منه أو أن يباغته ليقضي عليه، والمباغتة مبدأ من أهم مبادئ الحرب.
وليس جندياً حقاً من ينام عن عدوه، لأن المبدأ السليم في الحرب هو إدخال أسوأ الاحتمالات في الحساب.
وتطبيقاً لمبدأ الحذر واليقظة، كان المسلمون الأولون في الحرب لا ينامون ولا ينيمون...
وما أصدق المثل العربي القائل: (إذا كان عدوك نملة، فلا تنم له).
والاستهانة بالعدو اعتماداً على الكثرة الكاثرة والعدد العديد، يؤدي إلى الكوارث في الحرب، وقد علمنا الله سبحانه وتعالى درساً عسكرياً سجله القرآن الكريم فقال تعالى:[ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ] {التوبة:25}.
إن الاستهانة بالعدو تؤدي إلى الهزيمة، ومن حق المنتصر أن يستهين بعدوه بعد إحراز النصر عليه، أما قبل المعركة فلابد أن يدخل في حسابه عن عدوه أسوأ الاحتمالات.
من تلك الصفات الخالدة للجندي الحق، أن يجاهد بماله ونفسه في سبيل مثله العليا.
وقد وردت كلمة (جهد) ومشتقاتها في إحدى وأربعين آية من آيات الذكر الحكيم، قال تعالى:[تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ] {الصَّف:11}.وقال تعالى:[الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً] {التوبة:20}. وقال تعالى:[وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ] {التوبة:41}.وقال تعالى:[وَفَضَّلَ اللهُ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا] {النساء:95}.
وقد فرض الإسلام على المتخلف عن الجهاد عقاباً نفسياً في الدنيا، إذ يهجر المتخلف أهله حتى زوجه، كما يهجره المسلمون جميعاً ويقاطعونه، وينظر إليه المجتمع الإسلامي نظرة احتقار وازدراء قال تعالى:[وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا] {التوبة:118}.
إن عقاب المتخلف عن الجهاد في الإسلام يقتصر عليه فقط ولا يشمل أهله وعشيرته، ولا سكان قريته، كما حدث في القرن العشرين عند بعض الدول إذ نزل العقاب الصارم بأهل المتخلف وعشيرته وحتى بأهل قريته في بعض الأحيان.
ويهمنا أن نعرف أن كثيراً من عوائل المتخلفين أبيدت عن بكرة أبيهم في الدول التي طبقت الحرب الاجماعية خلال الحرب العالمية الثانية في القرن العشرين.
أما في الإسلام، فقد عاقب المتخلف وحده عقاباً نفسياً صارماً، فأين هذا العقاب الذي طبقته المسلمون على المتخلف في القرن الأول الهجري من هذا العقاب الذي طبقته أرقى الدول في القرن الرابع عشر الهجري؟
لقد سبق الإسلام الأمم بتعاليمه العسكرية قروناً طويلة، ولكن يا ليت قومي يعلمون!
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: مجلة الوعي الإسلامي محرم 1388، العدد 37.
بقلم اللواء الركن: محمود شيت خطاب
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


