?#الصندوق_الأسود
كيف تجمع أتباعا مطيعين من الرجال وكثيرا جدا من المال ؟
تحدثت في الحلقة السابقة عن نظرية "عش الدبابير" وشرحت لكم كيف هي طريقة ذكية للمخابرات العالمية والمحلية لجمع الأعداء المحتملين لأي نظام حكم واجتذابهم للعش للتخلص منهم، أو استثمارهم بالطريقة التي تجعلهم مجرد جنود ينفذون المهمات بدون حتى أن يشعروا بذلك.
ولكن حتى يكون هذا العش جاذبا لهؤلاء الجنود لا بد من الاستعانة بعلم النفس وعلم الاجتماع وعلوم الدين والكثير من علوم القيادة والتأثير
وهنا بدأت قصة أبو القعقاع واكتشاف موهبته من قبل أجهزة الأمن وحسب أغلب الروايات أن هذا بدأ من فترة خلال التحاقه بالجيش أو في كلية الشريعة في دمشق فقد لفت نظر أحد أفرع الأمن قوة شخصية هذا الرجل وفصاحة خطابته وقوة تأثيره مع أنه كردي الأصل، فولدت فكرة الاستعانة به تماما كما حدث مع ابن عشيرته (ولو من بعيد) عبد الله أوجلان الكردي العلوي المشهور والذي احتضنه حافظ الأسد مدة من الزمن قبل أن يبيعه إلى المخابرات الدولية.
وقد قال لي أحد أقارب زوجة أبو القعقاع (وهو تزوج من نساء وجنسيات كثر) وأيضا أحد أصدقائه أنه منذ التحق بالجامعة تم تجنيده لدى المخابرات السورية وكان يحمل كرت التعريف من الفرع الأمني في جيبه، وأما لقائي أنا به فكان في عام 1996 فقد دعاني أحد أصدقائي في المدرسة الشرعية التي أدرس بها إلى حضور خطبة شيخ جديد لا يعرفه أحد ولكنه استثنائي في جرأته وفي خطابته، وكعادتي في حب الاطلاع على كل جديد توجهت مع صديقي أسعد إلى مسجد في منطقة الخالدية لم يكتمل بناؤه وكان الناس تصلي في قبو المسجد ووجدت المكان ممتلأ تماما وبعد أن حان موعد الصلاة لم يحضر الخطيب وضج الناس ومضت أكثر من عشرين دقيقة حتى ظهر شيخ بلحية كبيرة ومظهر مهيب يحمل عصا غليظة يتكأ عليها وحوله عدد من الشباب يحيطون به في حالة من القداسة غريبة علينا، فصعد المنبر وبدأ خطبة عصماء، بلغة بليغة وصوت جهوري.
ولكن ما أن بدأ يتكلم حتى تكشفت لي الحقيقة كاملة فقد وقع في خطأ قاتل يكتشفه أي شاب بسيط ممن خبرت عائلته أجهزة المخابرات السورية وعقليتها وسجونها وترهيبها للناس.
لقد كان أبو القعقاع شابا في بداية تدريبه لذلك لجأ في خطبته للمبالغات الزائدة لقلة خبرته، فكان مما قاله أنه تأخر على الخطبة بسبب أن أجهزة الأمن كانت تحقق معه ولكنه وقف أمامهم كالأسد الهصور ورد على أسئلتهم بلا خوف فهو يثق أن الله معه وأنه صاحب قضية، وأمثال هذا الكلام المضحك وخصوصا في مكان مثل مسجد في وسط حلب المغضوب عليها والموسومة بأنها البيئة الحاضنة للإسلاميين أعداء النظام، وفي زمان مثل عام 1996 تحت حكم حافظ الأسد المجرم الذي يقتل لمجرد التسلية، والذي سجن وعذب أحد معارفي سنوات وعمره 16 سنة لأنه كان يحوز بضعة منشورات لا تثمن ولا تغني من جوع.
انتهت الخطبة وتجمع الشباب حول أبو القعقاع معجبين بهذا الشيخ الشجاع والخطيب المفوه، وسحبت أنا يد صديقي أسعد والذي استشهد بعد ذلك في العراق كأحد ضحايا هذا المجرم، وقلت له يا أسعد يا صديقي أنا لك ناصح: ما قاله هذا الرجل مستحيل يقوله في مسجد تحت حكم حافظ الأسد إلا رجلين : مجنون أو عميل للمخابرات. ولا أظن أن وزارة الأوقاف تمنح المجانين ترخيص في الخطابة، ولا أظن أني بحاجة لأكون تلميذا عند المخابرات السورية، ومن يومها بدأ تتبعي لهذا الرجل ومراقبة رحلة صعوده الأسطوري.
وهنا نعود لشرح طبيعة الفخ المنصوب والذي يجمع الدبابير حوله وأسميه أنا استراتيجية: خطاب المقاومة والممانعة، وهو خطاب ظاهره الرحمة وباطنه العذاب.
فقد درست المخابرات نفسية الشباب السوري والعربي بشكل عام وبحثت عن نقاط الضعف في هذه الشخصية وما هي النقاط التي يمكن من خلالها تنويم هذا الشخص مغناطسيا فيسخر ماله ونفسه وحتى روحه لصالح عش الدبابير هذا، فوجدوا عدة ثغرات أهمها التالي:
الحاجة لشعور القوة والعزة،
الحاجة لشعور النصرة للدين ودخول الجنة،
الحاجة للشعور بكونك من الصفوة والمميزين.
فكان تركيز أبو القعقاع في كل خطابه وتصرفاته مع أتباعه وبطريقة محترفة لتعزيز هذه الثغرات وراجع خطبه لترى ذلك (طبعا قبل أن يتخلى عن هذا الخطاب في الفترة الأخيرة من حياته) فستراه خطابا مليئا بالقوة والعزة وأننا نحن الأقوياء والمسيطرون ونحن من قهرنا الغرب والشرق ونحن ونحن ... حتى يعوض الشباب عن شعورهم بالنقص وهم يتعرضون للإذلال اليومي في الشارع والمدرسة والمخبز وفي كل مخفر وفي عيني أصغر شرطي أو رجل أمن.
وكان يركز على الخطاب الإسلامي من نصرة الإسلام وأهله ودعوته التي تتعرض لهجوم عالمي وأن هذا طريق بلوغ الجنة ونعيمها وذلك حتى يعوض الشباب عن عقدة رؤيتهم للمسلمين الملتزمين من حولهم وهم يتعرضون لكل أنواع التمييز والمضايقات والتحقير والملاحقة في كل مكان.
وكان يركز على خطاب الصفوة والتميز وهو يقول لتلاميذه أنكم أنتم الخلاص للإسلام وأنتم الصفوة المميزة التي اصطفاها الله لإنقاذ المسلمين وأنكم ضد الأنظمة المتخاذلة وقادرون على هزيمتهم، وقد أظهرت ذلك حلقة الجزيرة بشكل جيد من خلال قصة رواها أحد الشهود كيف جمع أبو القعقاع لمهرجان خطابي كبير في مسجده، وأوحى للناس أن الأمن غير راضي على هذا التجمع وعندما جاءت سيارات الأمن استطاع الشباب بالعصي تخويفهم وردهم عن فض المهجران.
مع أن أبسط شخص تعامل مع أجهزة الأمن في حلب يعلم أنهم مستعدين لارتكاب مجزرة فورية في حال احساسهم بفقد السيطرة على أي مكان وهذا ما فعلوه مع الأكراد مثلا أكثر من مرة عندما حاولوا التجمع من أجل مشكلة بسيطة رياضية فتم حصد العشرات منهم بالرشاشات، وطبعا لا اريد أن أحدثكم عما حدث في الثورة السورية فقد ظهر واضحا من هي عائلة الأسد ومن هي أجهزتهم الأمنية وأبسط قصة تم توثيقها بشكل قانوني واضح مثل الشمس هي تسريب 11 الف صورة ل 11 ألف انسان قتل في داخل السجون وهم عزل مسيطر عليهم تماما ولا يمكن أن يصدر عنهم أي خطر أمني ... فقط لمجرد ممارسة التعذيب والتشفي تم قتل 11 الف إنسان بأبشع الطرق التي عرفت في العالم.
وحتى لا أطيل عليكم حتى نستطيع تحصين الشباب وكشف النسخ الجديدة من أبو القعقاع والتي تربت على أفكاره وتأثيره النفسي وسحب الشباب من مشاريعهم الوهمية، وايقاف تسخير أهلنا كأكباش محرقة بدون هدف أو غاية ...
يحتاج هذا أن نكسب الشباب مهارة التفريق بين المشروع الحقيقي وبين عش الدبابير، وهذا موضوع شائك جدا وحساس ويحتاج تناولا مطولا وهذا هدفي من كل هذه السلسلة.
وللعلم هناك أيضا خطاب مختلف موجه للشباب غير المتدين لإيقاعه بنفس الفخ، وسأروي لكم قريبا قصة بشار الأسد مع أحد رموز الفن في سورية وكيف فاجأه يوما بزيارة شخصية لوضع خطة معه لنشر خطاب المقاومة والممانعة وكيف دعمه بالغطاء السياسي وبعشرات الملايين لهذه الغاية.
وفي النهاية: إياك أخي المتدين وغير المتدين أن تسلم عقلك وجسدك ووقتك ومالك لكل ناعق يقول أنه يجاهد في سبيل الله أو يقاوم ويمانع القوى العالمية أو يناهض الظلم أو يصنع مجد الأمة فكثير من هؤلاء مجرد أناس كذابين مدعين، وأنت بنظرهم مجرد دبور في عش الدبابير يتم استخدامك لغاياتهم ومخططاتهم التي لا تمت بأي صلة لهذه الأهداف العظيمة والشريفة، ولو أردت أن تكتشف كذبهم فهذا يحتاج منك أن تمتلك عدة مهارات لتواجه هذه الأجهزة الأمنية عالية الأداء والاحترافية.
من أهم هذه المهارات أن تمتلك شخصية مستقلة فتعرف من أنت؟ وماذا تريد؟ وكيف تحقق ماذا تريد؟ وتعرف ما هو الإسلام ورسالته وما هي حقيقته؟ وأخيرا معرفة علم التخطيط الاستراتيجي، والذي يكشف لك كذب أي مشروع وهل هو خيالي ومجرد غطاء لمصالح مخابراتية.
وهذا العلم رائع جدا وسأضرب لك مثالا عليه: فلو قال لك أحدهم أنا أريد أبني ناطحة سحاب وأريد وقتك ومالك ونفسك معي في هذا المشروع
طبعا المنتج النهائي والذي هو ناطحة السحاب أمر متخيل وما زال مجرد فكرة فكيف ستعرف أن هذا الشخص فعلا صادق وليس كذابا يريد استغلالك وهو لا يريد أن يبني ولا يعمر بل هو غطاء لمشروع وهمي للنصب والاحتيال.
هنا يأتي علم التخطيط والذي يعلمك كيف تسأل صاحب المشروع عددا معينا من الأسئلة وتدخله في عدد من الاختبارات، وحينها ستكشف صدقه أو كذبه بدرجة من الدقة مذهلة
وكذلك يمكنك اكتشاف أي مشروع سياسي عسكري ديني، لو قال لك شخص مثلا: أنا أريد أن أحرر سورية أو أبني دولة إسلامية أو أنفذ عملية عسكرية أو أبني مؤسسة اغاثية وأي مشروع في الدنيا يمكنك معرفة هل هو مشروع وهمي وأنت تسخر مالك ونفسك له بدون أن تدري أنك مجرد دبور في عش الدبابير تخدم أنظمة المخابرات الدولية وتجارتها.
فهل جاءت لحظة الصحوة لشبابنا حتى نكتشف أبو القعقاع الجديد والذي يسخرنا لأهداف أسياده ؟؟
نعم جاءت ساعة الحقيقة بعد كل ما عانيناه في السنوات السابقة وأنا مثلكم فقد ضيعت كثيرا من وقتي وجهدي في مشاريع وهمية فاشلة حتى تعلمت،
ولكني لن أسهل لك الموضوع وأقول لك الأسماء (أو ربما أقول)، ولكني أريد أن أخدمك أكثر وأعطيك الأدوات التي تمكنك من اكتشافه والبصق في وجهه والرجوع إلى عقلك ودينك حرا أبيا تعمل حقيقة لخيرك وخيرك بلدك ودينك ومشروعك الناجح .
الحلقة السابقة هنا
أسامة الخراط
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


