#الصندوق_الأسود
سؤال طالما بحثت عن إجابته ... أين اختفت جماعة غرباء الشام ؟.
بعد أن قام الأستاذ فيصل القاسم بمشاركة منشور قصة أبو القعقاع على صفحته العامرة بالملايين ازداد الزخم حول الموضوع ووصلتني المزيد من الشهادات لما جرى، في قصة ابتدأت في عام 1996 ولكنها ما زالت حتى هذه اللحظة تتفاعل وأبطالها هم جزء من المشهد في الثورة السورية.
وللعودة إلى سؤال أين ذهب أتباع وطلاب أبو القعقاع وهنا سمعت العجيب من القصص والتي وثقها أصحابها بطرق مختلفة
ولنبدأ بالدائرة الضيقة حوله والتي تعرفت على عدد منهم واستقصيت عنهم لأجد أنهم منقسمون كالتالي:
1- عدد منهم اتجه للعمل مع النظام الأسدي وأصبحوا جزءا من منظومته الإعلامية والترويجية وأكيد جزءا من الجهاز الاستخباراتي، وعلى سبيل المثال الرجل الذي كان مسؤولا عن المركز الإعلامي الخاص بأبو القعقاع والذي كان قويا جدا فقد استطاع بتمويل ضخم طباعة وتوزيع عشرات ملايين الأشرطة والأقراص المضغوطة لخطبه ودروسه، ومن المؤكد أن من أشرف على التوزيع هي الأجهزة الأمنية بشكل مباشر بدليل أن مراكز توزيعها كانت علنية .. في ظل دولة سجنت لسنوات أحد الأشخاص الذي أعرفهم جيدا بتهمة هي بالحرف: (نشاط ديني زائد) لأنه كان يرعى حلقات تحفيظ قرآن في ريف دير الزور ولا تشرف عليها الأجهزة الأمنية .
2- واتجه جزء من أتباع أبو القعقاع نحو داعش ومنهم رجل كان يعد من رجال أبو القعقاع الأوائل وهو اليوم أحد رجال داعش في ريف حلب الشرقي وقد تم أسره من قبل الثوار ولكن داعش أصرت على إطلاق سراحه مقابل صفقة تبادل وهذا يدل على أهميته عندها وهذا لا يعني أن أتباع أبو القعقاع كلهم دواعش ولكن الخطاب والأفكار التي زرعها تبني بيئة خصبة جدا يمكن لداعش استثمارها وخصوصا نقطتين مهمتين: (تقديس القائد القوي المسيطر الغني البطاش والذي يهابه الكل، احتقار المجتمع باعتباره مجتمع ضال ومضيع للدين بينما هم الجماعة الصافية الصادقة المجاهدة المتضامنة فيما بينها وهذه النقطتين ما تلعب عليهم داعش نفسيا بشكل أساسي لتجنيد الشباب المغرر بهم بما يسمى نفسيا "استراتيجية العزل داخل الفقاعة").
3- واتجه جزء من أتباع أبو القعقاع إلى الجيش الحر والثوار ويوجد اليوم من تلاميذه بعض القادة في الصف الأول في كل التنظيمات من الجيش الحر والكتائب الإسلامية (مع تحفظي على المسمى) ولكن الأغلب منهم يحاول التنصل من شخصية أبو القعقاع ويرى أنه خدعهم وهم كانوا في درجة من الوعي لم تؤهلهم لاكتشاف الحقيقة، ومن الطرائف أنني كنت في سيارة أحدهم فوجدته يسمع لخطب أبو القعقاع فسألته مستغربا بعد كل هذه السنوات وموت الرجل وانكشافه وأنت تسمع له ؟ قال لي انا لا شك عندي أنه عميل ولكني أطرب جدا لسماع خطبه وأحس أنني رجل قوي بقوى خارقة ... وهذه النقطة بالضبط هي أصعب نقطة في كل القصة وهي كيف يمكن لنا تفكيك خطاب أبو القعقاع والفخ المنصوب من خلاله، يقول الله تعالى عن هذا الخطاب : "وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ .. وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ" .
4- أما البقية من أتباع أبو القعقاع فمنهم ما يزال في سجون بشار يقاسي أشد أنواع التعذيب، أو تركوا كل سورية وكل هذه التجربة واتجهوا للعمل في الخليج وغيره، وما يزال كثير منهم حتى اليوم مسحورا بشخصية هذا الرجل يدافع عنه ويبرر له مع أنه توفرت مئات من الأدلة والشهادات من أناس عاديين وضباط سابقين وضباط مأسورين عن تفاصيل طويلة عن نشاطات أبو القعقاع، والذي كان يصر بشكل غريب على تسجيل كل أنشطته بالفيديو حتى تأخذ منها الأجهزة الأمنية صورا لكل من كان من أتباعه، وعموما الأجهزة الأمنية في سورية تملك ملفات كاملة عن كل العوائل التي يُعرف أن لأبنائها أي اتجاه ديني أو سياسي وهناك تصنيف دقيق لهذه العائلات ونشاط كل ابن فيها واحتمالية حتى أن يقوم بأي عمل أو تحرك، والمصدر الأساسي لهذه المعلومات هم بعض المشايخ وأئمة المساجد الذين تجندهم الأجهزة الأمنية لهذا الغرض وهناك إدارة كاملة في الفروع الأمنية تقوم بتنسيق هذه الجهود وتنظيمها.
ما أريد قوله أخيرا أننا كشعب مسلم تم التلاعب بمشاعرنا وآمالنا وآلامنا من قبل الأجهزة الأمنية بحجة المقاومة والممانعة والجهاد وقضية فلسطين وقتال الطاغوت الأكبر والصليبيين وانتصار الإسلام وعزته والعودة به لأمجاد الماضي، وقد استغلت بذلك الأنظمة الإجرامية الاندفاع الإيماني والشعوري الصادق لتقلبه لصالحها من خلال توجيهه إلى حروب مصالح وتقاسم للمال والنفوذ والغنائم فيما بينها، ولو أردت صورة مصغرة جدا فستراها في أبو القعقاع رجل القدس والجهاد ضد الاستكبار الدولي، والذي هو نفسه أصبح رجل المال والأعمال والمحلات التجارية، وكثير من شباب اتبعه وأحبه أصبح قتيلا في العراق أو معذبا في سجن صيد نايا أو عميلا للمخابرات أو تائه مخدوعا يحس بالكره لكل هذا المجتمع والنظام الذي يلعب به ويتاجر بمشاعره.
ولكن هذه اللعبة لم تنتهي حتى اليوم والقصة مستمرة وهناك من يلعب دور أبو القعقاع بأشكال أخرى، ولكن آن الأوان أن تنكشف كل هذه اللعبة القاتلة لشبابنا وأخوتنا.
للاطلاع على الحلقة السابقة هنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


