#الصندوق_الأسود
التشتيت واستراتيجية الإفشال
نستكمل لكم في هذه المقالة شرح فلسفة ما قامت به أجهزة المخابرات السورية ومن يدعمها من قوى دولية من خلال عميلها أبو القعقاع، وأيضا من خلال المشاريع الأخرى المشابهة الحالية، والهدف الاستراتيجي لها هو إفشال الثورة السورية وعدم وصولها لأهدافها وتأديب الناس حتى لا يعودوا يفكروا بموضوع الثورة لعقود قادمة كما فعل حافظ الأسد سابقا، وهي استراتيجية بسيطة ولكنها فعالة جدا تتمحور حول التالي:
يوجد حراك مجتمعي يقوده شباب متحمس ومليء بالطاقة والحيوية، ومواجهة هذا الحراك يجب أن يكون على مستويات عديدة من أهمها تشتيت هذه الطاقة في مسارات خاطئة لا تؤدي للهدف المرجو منها، وإشغالهم في حروب وهمية تعتمد على ثغرات مدروسة في شخصيتهم، فمن كان يقدس الدين والإسلام والجهاد وعزة الأمة ونجاحها نخلق له أبو القعقاع وأبو بكر البغدادي، ومن كان يؤمن بالوحدة العربية والمقاومة والقضية الفلسطينية والقدس نسخره من خلال خطاب المقاومة والممانعة وهزيمة الصهيونية وكل هذه الشعارات.
ولكن الهدف الأساسي هو تشتيت جهود هؤلاء الناس حتى لا ينشغلوا في البناء الحضاري وإدراك حقيقة الإيمان والتوحيد والدين الذي جاءت به كل الأديان، لأن إدراكهم لهذه الأمور سيعني العمل بناء عليها وبالتالي التحرر والانتصار وتحقيق النتائج وزوال أنظمة الإجرام بشكل كامل وليس استبدالها وإعادة إنتاجها.
ولكن هذه الفلسفة الخبيثة مستمدة من أصل إلحادي عالمي فالتشتيت (Distraction) هو أحد أهم المشاكل التي تضرب الإنسان في هذا العصر وتُسخَّر لخدمتها وسائل عدة، من أهمها الإعلام بكافة أشكاله من سينما وتلفزيون ووسائل تواصل اجتماعي، وهذا يساهم في ترسيخ هذا المرض الفتاك والذي سماه أحد أكبر منتجي الأفلام في هوليود سلاح (التشتيت) والذي أسميه مرض فقدان المعنى والغاية والهدف.
ففي مؤتمر صحافي في «مهرجان كان» السينمائي عام 2015م تحدث المخرج والكاتب السينمائي المعروف وودي آلن عن السبب الفلسفي وراء إنتاج الكثير من أفلام هوليود بتكاليف خيالية ومليارات وجيوش من العاملين، وللتعريف بهذا الشخص أكثر، هو:
Woody Allen ولد عام 1935 في نيويورك، مخرج وممثل وكاتب سينمائي ومسرحي، ترتكز موضوعات أفلامه بعمق على الأدب، الجنس، الفلسفة، علم النفس، الهوية اليهودية وتاريخ السينما. رشح لجوائز الأوسكار إحدى وعشرين مرة، نال منها ثلاث.
يقول الباحث عبد الله الوهيبي معلقا عن هذا الموضوع ونقلته عنه بتصرف:
آلن اجتاز الثمانين من عمره، يقول حول فلسفته حول الحياة أن الإنسان يسير بالضرورة إلى مكان سيء، وسوف يصله يوماً ما وهو أن يشيخ ويضعف ويعاني ويموت، وأنه حتى الكون سيتوقف في وقت ما، وكل شيء سينتهي، وكل ما صنعناه في هذه الدنيا من منجزات وعلوم وفن وحضارة سينتهي ويتدمر، وأن دور الفنان والفلم يتمحور حول إقناع الناس أن الحياة تستحق أن تعاش وليست مجرد عبث ينتهي بالفناء، وهي مهمة صعبة بطبيعة الحال، ولذلك يقترح تقنية مهمة للتعامل مع هذا الأمر، وهي: "التشتيت".
يقول آلن: إن انشغالي بصناعة الأفلام مثلا، وبالتعامل مع المشاكل الفنية الصغيرة فيه، كالتفكير في كيفية إتقان شخصيات الفيلم لمشهد معين، وبرغم أنها مشاكل تافهة؛ فهي مفيدة كغيرها من الأمور في تشتيت النفس عن التفكير في المأزق الوجودي. صناعة الأفلام تشتيت رائع، كما يقول آلن.
ثم يواصل بسخرية مرّة: إن الأمر كذلك بالنسبة للممثلات في الفيلم، فهن منخرطات في أجواء العمل، وهذا الانغماس يكفل لهن تحقيق التشتيت، ولولا ذلك العمل لكنّ في منازلهن يتأملن: متى أموت؟ ولماذا؟ ماذا سأفعل إذا مات من أحبّ؟ هل سأصاب بالصلع؟!…الخ. ومن ثمّ يصبن بألوان الاكتئاب المضنية، وبالتالي أيضا سيكون التشتيت أيضا من نصيب المجهور ومن يتابع هذه الأعمال بكل إبهارها وجذبها ومواضيعها الخيالية والجنسية والترفيهية.
تمثل إجابة آلن نافذة مهمة لتأمل الموقف الوجودي من الحياة، وفقاً للرؤية اللادينية، وهي هنا رؤية ناضجة (بالمعنى الفني)، لا سيما أنها صدرت من شخصية معروفة باهتماماتها الفلسفية والسيكولوجية والوجودية منذ عدة عقود، كما يعبّر دوماً عنها آلن في أفلامه. ووصفتها بالنضج أيضاً لكونها صدرت من شخص مجرب يعيش في أواخر عمره، فهي تمثل خلاصة تنفيذية مهمة.
هكذا الأمر حين يغيب الله، والدين، ويبعد الوحي من الموقف إزاء الحياة، ليكون "التشتيت" الاستراتيجية المثلى للتعامل مع مأزق إيجاد المعنى.
ويبدو أن "التشتيت" موقف نفسي معتاد وشائع عند البشر، حين يفشل الإنسان في العثور على المعنى لوجوده، كما هو حال آلن.
بل حتى حين يعثر المرء على المعنى كما هو حال المؤمنين من كل الديانات، لكن يفشل في الاندماج معه، والانقياد لمتطلباته، والالتزام بمقتضياته، وحين يخفق في استيعاب مشاكله، ويجبن عن مواجهة تكاليف الوجود، وآصار الزمان. وهذا ما يفسر لك أحد مبررات تفاقم "قطاعات اللذة" -كما يعبّر المسيري- في العالم المعاصر المعلمن بحدّة، كالملاهي ومدن الألعاب الهائلة، والنوادي الليلية، والمراقص الإباحية، والحانات، وعوالم السينما، وكازينوهات القمار…الخ.
كل هذه القطاعات وغيرها تقوم بدور "تشتيت" الفرد عن واقعه بكفاءة معقولة، وتغييب إدراكاته للوجود، وإماتة توقه وشوقه للمعنى، أو حقنه بمعان مزيفة، بحيث يتراخى عن سبيل إدراك سرّ هذا العالم، والتفكر في المصير.
وإذا أردنا استعمال اللفظ الشرعي، سنقول أن التشتيت غفلة متعقلة، أو هو تغفيل للنفس مقصود ومنظّم، وهو في حقيقة الأمر ليس سوى تأجيل دوري وفرار مستمر وجبان من مواجهة الحقيقة. انتهى كلام الباحث عبد الله الوهيبي
وقد وضع الله تعالى لعباده استراتيجيات كثيرة لمواجهة موضوع التشتيت من أهمها الركن الأول والأساسي في الإسلام وهو الصلاة، فما هي الحكمة من فرض خمس صلوات في اليوم، تُؤدى بأي ظرف كان وتحت أي ضغوط ولو حتى في وسط الحرب، وموزعة بشكل متساوي على كل مفاصل اليوم الزمانية؟
فالهدف الأول هو منع تشتيتك وتذكريك بشكل دائم بالغاية والهدف، وأن الله تعالى هو الهدف الأول لكل أعمالك، واتباع دينه وأوامره هي الطريقة التي يجب أن تركز عليها، وتصحح من أجلها المسار بشكل دائم، وستعينك الصلوات الخمس على ذلك بشكل منتظم.
وأيضا هذا يعطينا فهما جديدا لقوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ
وأيضا فهما أعمق للحديث الشريف بمختلف رواياته: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَحُ بِذِكْرِ اللهِ فَهُوَ أَبْتَرُ أَقْطَعُ أبتر ممحوق من البركة).
فأي أمر لا يكون بدايته وهدفه هو الله تعالى واتباع أوامره سيكون مقطوع الفائدة ليس له هدف صحيح، وأبتر ممحوق البركة ولا يعين الناس على الوصول إلى السعادة في الدنيا والآخرة.
وأنا برأيي أن التشتيت يُمارس أيضا في قطاعات مختلفة غير موضوع الأفلام والمسلسلات والبرامج الترفيهية والمسابقات الغنائية، ولكن أيضا في قطاع الأخبار والحراك السياسي والاستعماري والتي تستخدم الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي بكفاءة لهذه المهمة.
والتشتيت يكون من خلال صياغة الأخبار وترتيبها بطريقة معينة تجعلها تُبعدك عن المشكلة الأساسية وما هو الحل الصحيح لها، والحجة لهم أن وسائل الإعلام هذه ليس من مهمتها شرح الحقائق للناس ولكن مجرد نقلها، ولكن ما يجري بالمحصلة هو التشتيت وجعل الشخص لا يعرف بالضبط ما هو المطلوب منه أن يقوم به ويركز عليه، مع أن المفروض أن تكون كل هذه الوسائل هي أمور تعين الإنسان على التركيز على أهدافه والمساعدة فيها وليس إحباطه وإفشاله وزرع الخوف والتشاؤم والضياع في حياته .
وهنا يبرز دور الفرد الواعي أن لا يقع فريسة التشتيت، وتصور معي شخصا يعرف تماما ما هي أهدافه ويركز وقته كاملا في الوصول إليها، ويستعمل كل ما هو متاح من وسائل لكي تساعده على هذا الأمر ؟ كيف سيكون مستوى إنجازه؟.
ومن القصص الطريفة التي سمعتها أن أحد العلماء العرب كان في زيارة لليابان والتقى مع أحد الأساتذة الكبار في علم الفيزياء فأحب أن يناقشه في موضوع سياسي ساخن في اليابان يطرح في وسائل الإعلام، فاستغرب أنه لا يعرف عنه شيئا، فقال له العالم الياباني مفسرا أنا أنسان أركز على ما أعمل وعندي جدول بحوث كبير ودقيق ولا تكفي 12 ساعة باليوم حتى أنجزه لأن عندي أهداف وطموحات كبيرة في هذا المجال، وانشغالي في متابعة دقائق مواضيع السياسة سيعني أنني سأتخلى عن ساعات لأمر لا يهمني ولست مختصا به وهناك من يقوم به في هذه البلد ويتكفل به.
ولو تأملت فلسفة هذا الرجل غير المسلم حتى ستجد أنها فلسفة الفطرة السليمة فهو قد فهم تماما ماذا يريد وخطط له ولا يمكن لأي شيء أن يشتته عن هدفه، بينما الأغلب من الشباب العربي مشغولين في ملاحقة الأخبار السياسية، والتي هي أساسا نصفها غير صحيح ولا دقيق وموجه لأجندات محددة مسبقا، وننسى كأفراد الأهداف التي يجب أن نعمل عليها، أو لا نعرف أساسا ماذا يجب أن نعمل، أو نعمل بطريقة خاطئة وباتباع شخصيات ومشاريع زائفة مثل أبو القعقاع وأمثاله.
ومثلا في قضية الربيع العربي والثورة السورية ضاعت الناس ولم تعد تعرف ما هي المشكلة الأصلية، هل هي الطائفية، أم الظلم، أم الحرية، أم الصراع السياسي العالمي، أو الصراع الديني والطائفي لدول في المنطقة، أم مؤامرة كونية لاحتلال جديد وتقسيم آخر، أم حكومات فاسدة، أم دول كافرة وعلمانية، وهل فعلا الناس تقتل بعضها بسبب الجهاد وإقامة الدين أم يتم تسخيرها لأهداف أخرى سياسية لا يعلمون عنها شيئا، وكثيرون أصبحوا يرون الصورة أناسا فقراء يقتلون أناسا فقراء مثلهم، والمستفيد مجموعة من الأغنياء يجلسون في قصورهم الموسرة وفي فنادقهم العامرة.
وفي وسط هذا كله المخرج أن يعرف الشخص ما هو الهدف والغاية من القتال والقتل والجهاد، وهل هذه الوسائل المشروعة والسامية تؤدي في حالتنا إلى نتيجة صحيحة أم تسخر لأهداف خبيثة؟ وهل الناس تضحي بأنفسها وتعمل بكامل طاقتها وتجمع تبرعات من أنفس أموالها بدون هدف واضح ولا خطة استراتيجية صحيحة، مع إقرارنا طبعا بأن نيات الأغلب منهم هي بريئة وصافية وخيرة كما كان أتباع أبو القعقاع كذلك.
التشتيت: هو أن تصرف جهدك ومالك ووقتك وحياتك بدون أن يصب ذلك كله في خطة واضحة مبنية على رؤية واضحة لك بنيتها على أساس متين هو:
من أنت؟ ماذا تريد؟ كيف تحقق ما تريد؟
وهذا الأمر هو مسؤوليتك أنت شخصيا فلا ترمي فشلك على نظرية المؤامرة أو مكر العدو أو إمكانيات الخصوم، فأخيرا أنت هو المحاسب عن يومك وساعاتك
قال تعالى: "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ".
الحلقة السابقة هنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


