العقيدة والقوة التي تمنحك إياها
والفرق بين التصورين أن المسلم يستمد قوته من الله تعالى مباشرة، لأنه يقوم بكل عمل في سبيله وحده سبحانه وبالتالي سيلتزم بالقيم والأوامر التي أنزلها الله تعالى للبشر في كتبه، بينما يعتقد التصور العلماني أنني أقوم بأي عمل في سبيل نفسي ومتعتي وذاتي فقط، وكل سلوك أو عمل أو خلق لا يوافق هذه الغاية فأنا غير مطالب بالالتزام به
فحتى لو أعطيت فقيرا المال فهو لأن هذا يشعرني بالسعادة والرضا في داخلي وإرضاء لذاتي وحاجتها للشعور بالعطاء والتفوق،
ولكن في التصور الإسلامي أنا أعطي المال لوجه الله وحده خالصا والذي سيمدني حقيقة بأكثر مما أتخليه وأطلبه من رضا وسعادة وتوفيق جزاء لعملي
وفي التصور العلماني أنا لو عملت يجب أن أتقن، ولكن لأن هذا يفيد عملي ونجاحي ويحميني من طردي من عملي لأني سأخالف القانون حينها، ولكن سيبقى هدفي الأساسي هو زيادة واستمرار راتبي وبالتالي قدرتي على شراء ما أريد من ملذات، ولو كان عدم الاتقان لن يرتب علي أي تبعات فساعتها سأوفر الجهد على نفسي ولن أتقن عملي، وكذلك النظرة للسرقة والغش والظلم والتعامل الجيد مع الناس وكل هذه القيم.
بينما التصور الإسلامي أنا أتقن عملي أو لا أظلم الناس أو لا أسرق أحدا، لأن الله تعالى هو من أمرني بهذه الأفعال وهو ربي وولي أمري ونعمتي وهدفي الأول هو رضاه، قال رسول الله: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه)
وتحصيل رضا الله وحبه هو ما سيجعلني أنجح وأتفوق في الأعمال والدنيا وأحقق الغاية من خلقي وهي العبادة وعمارة الأرض والاستخلاف فيها، وحينها سأستحق جنته ونعيمه في الدنيا والآخرة، وهذا الالتزام بأوامر الله هو ما يمدني بالقوة والحماية من أي شيء في هذه الدنيا.
ولك أن تتخيل الفرق بين التصورين، بين أن تستمد قوتك من قوة الله ومدده لأنك تعمل إرضاء له وإخلاصا لعبادته وحده، وبين أن تستمد القوة من ذات الإنسان ومنفعته الذاتية فقط ، وسأروي لك حديثا قدسيا يعطيك لمحة عن المزايا التي يمكنك الحصول عليها في حال اتباعك للمصدر الحقيقي للطاقات وهو رب العزة والجلال
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب? وما تقَّرب إلي عبدي بشي ٍء أحب إلي مما افترضته علي? وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به? وبصره الذي يبصر به? ويده التي يبطش بها? ورجله التي يمشي بها ?ولئن سألني أعطيته ولئن استعاذني لأعيذنه).
فكل ما هو مطلوب منك أيها العبد أن تقوم بالفرائض وهذه بداية حصول الرضا منه سبحانه، ولكن عندما تزيد في العمل الصالح والنوافل وهي كل الأعمال المفيدة للبشر (وليست فقط نوافل العبادات) سيزداد قربك من الله وحبه لك، قال رسول الله: الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
وفي حال وصلت لمرحلة متقدمة من حب الله لك، ستكون من أوليائه الذين يعلن حمايته لهم والحرب على من يعاديهم، ويعلن أنهم يستمدون طاقتهم من الله سبحانه مباشرة، فيكون يدهم اي قوتهم، ورجلهم أي تحركاتهم، وبصرهم أي رؤيتهم للأمور، ولو سألوه فهو سيجيب طلباتهم كاملة كما حصل مع جيل الصحابة وأجيال أخرى لاحقة حققت الانجازات الهائلة في فترة قصيرة وبنوا حضارة قوية نافعة لكل البشرية بعلومها وعدلها.
وتصور الهوية والذات عند الإنسان قد يظنه البعض أمرا ثانويا، بينما هو حقيقة ما يشكل الحضارات ويوجه مسارها، فهناك فرق بين أن تكون كل اختراعاتك وانتاجاتك تستهدف رضا الله ونفع البشر كما كان المسلمين في الماضي، فقد اخترعوا العلوم وطوروا الطب والهندسة والرياضيات والفلك، ونشروا هذه العلوم في كل الدنيا.
وبين حضارات الغرب والشرق اليوم والتي تخترع القنابل لقتل البشر والنووي لتدميرهم تماما، وتلعب في الجينات الوراثية للأكل والغذاء لتحتكره وحتى الفائض منه ترميه في البحر، ولا تستخدمه لإطعام البشرية الجائعة، ونراهم يخترعون الأدوية للربح التجاري، وليس لإنقاذ ملايين الأطفال الفقراء الذي يموتون سنويا لأنهم لا يملكون حبة دواء لا تكلف شيئا بالنسبة للدول الكبرى هذه، وتستنزف صناعاتهم البيئة ومواردها من أجل مزيد من الثراء والرفاهية الزائدة، وهكذا كل اختراع وانتاج بشري يتحدد مدى الاستفادة منه وتجنب مضاره من خلال معرفة الغاية منه والهدف هل هو رضا الله أم إرضاء النفس ونزواتها.
ونحن في عالم اليوم يستخدم الإنسان الاختراعات بعكس المرجو منها فيستخدم المال للربا الفاحش والسلاح لإذلال البشر وقتلهم، والتطور التكنلوجي والإعلامي للتحكم بالناس وعقولهم، وهذا لا ينفي حصول النفع في البشرية من بعض هذه المخترعات، ولكن المشكلة هي في ضياع البوصلة في كثير من الأحيان عن الهدف من هذه الأعمال هل هو المنفعة الشخصية الذاتية، أم هو رضا الله والإخلاص له سبحانه ونفع عباده، وهذه هي حقيقة التوحيد ودين الله الذي جاء به الإسلام وكذلك كل الأديان الأخرى التي نزلت عبر العصور.
ولو استطعنا أن نوصل حقيقة التوحيد وتعريف الهوية للشباب المسلم فهذا سيكون بداية انقلاب كبير في الأفعال والتصرفات وحتى ردود الأفعال لهم، وسيعرفون بشكل واضح ماذا يريدون من هذه الحياة، وما بعد الحياة وهي الحياة الحقيقية والأبدية، وما هي الطريقة الصحيحة للوصول إليه وما هي القيم والأخلاق التي تحكم هذه الأمور.
وحتى نفهم الصورة واضحة وماذا حصل في عالم اليوم فلقد تم استغلال نفس هذه المفاهيم الكبرى للتوحيد والطاقة الهائلة الناتجة عنها، ولكن ليس لتعريف الإنسان بمن هو وما هو هدفه ومشروعه الحضاري في الحياة، ولكن لإدخاله إما في مشاريع تخريب وتطرف أو مشاريع انحراف أخلاقي وميوعة في الدين والأخلاق وهذا ما أدى ببعض الشباب لتضييع دينه وعقيدته وثقافته فوصلت الشعوب العربية والمسلمة لتخلف حضاري ومالي وانتاجي كبير، وهذا كله بسبب تشوه نظرة الإسلام للحياة عند الشباب والتي تقول أن البناء والعلم والاختراعات هي ما تبني الحضارة، والبعد عن أوامر الله ورضاه هو ما يجلب الخراب والدمار والتخلف للبشر وخسارة الدنيا والدين معا.
ولو أردنا بناء فكر جديد يجب أن ننظف عقولنا من المفاهيم السابقة المغلوطة والدخيلة على الإسلام، وهذه مهمة شاقة وخطيرة ولكن لا مفر منها وخصوصا أننا كمسلمين وعرب في حقبة مفصلية من التاريخ إما أن ننهض أو ستدخل كل بلادنا في صراعات تدميرية وخراب اقتصادي وتهدم ما بقي من الحضارة.
وللحديث بقية والقادم أهم، وعندي منهج متكامل من 28 ساعة تدريب، يشرح الأفكار الأساسية في هوية المسلم ويوضحها للشباب، وان شاء الله لو قدرني سبحانه سأشرحها كاملا في أجزاء متتالية في هذه السلسة
والله من وراء القصد.
الحلقة السابقة هنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


