أبو القعقاع -12-

أبو القعقاع -12-

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ١٥ ربيع الآخر ١٤٣٧ هـ - ٢٥ كانون الثاني ٢٠١٦
972

 

علم العقيدة والحاجة لفهم جديد

من أنت ؟

من أهم أسباب الفشل التي تواجه الشباب في حياته والجذر الأساسي لكل مشاكله الحياتية والسلوكية هو عدم وضوح الهوية أو العقيدة في عقله وقلبه 

ولهذه العقيدة فوائد هائلة للإنسان من أهمها أنها هي من تحركه للعمل، وثانيا أنها هي من تجعله محصنا من الوقوع في الأفخاخ المنصوبة حوله في الحياة، والتي تسعى بكل طرق الإغواء لكي تسرق منه وقته وماله وشبابه وحتى حياته، لتمضي السنوات ضائعة وهو يرى أن حياته بلا فاعلية ولا إنتاجية حقيقية، وكما أصبحنا نرى اليوم شباب في الثلاثين من العمر وهو لا يتقن أي شيء يهيم على وجهه بدون عمل، أو يعمل ولكن بدون أي انتاجية ويصنف أنه بطالة مقنعة، ولذلك دخلت بلادنا في أزمات أخلاقية ومالية فالدولة التي تحتاج مئة مليار دولار مصروف سنوي مثلا، وأفرادها لا ينتجون إلا خمسين مليار، هي دولة دائنة وخلال فترة ستكون فاشلة، وقد خلصت دراسةٌ أجراها اتحاد تنمية الموارد البشرية في مصر إلى أنّ معدل إنتاجية الفرد العربي تتراوح بين (20) إلى (30) دقيقة يومياً بينما المفروض أن يكون معدل الانتاجية من 6 الى 8 ساعات حتى تستطيع الدولة أن تتقدم وتؤمن حاجياتها.

فلماذا يجلس الشباب بدون عمل، أو في عمل مع مستوى منخفض في الانتاجية، أو التطرف والانضمام لجماعات تجر الخراب والترويع وتهدم ولا تبني، أو الانحلال الأخلاقي والإفساد في البلاد والعباد، ولا شك أن مرد هذا كله لأمر مهم يسمى العقيدة أو الهوية. 

والعقائد في الدنيا متنوعة ولكن ما يناسب الشاب المسلم منها هي العقيدة الإسلامية الصافية، لأنها تعبر عن نشأته وبيئته ولأنها تعطيه هوية وشخصية مستقلة ومميزة عن كل البشر، وهذا لا يعني أن عقائد الأمم الأخرى كلها فساد ولا تؤدي لنتائج مهمة ولكنها عقائد فيها نقص روحي لأنها لا ترتبط بالله، ولا تناسب الشاب المسلم بل تشوش عليه عقله وقلبه، بينما المفروض من العقيدة أو الهوية هي أن تحصنه عن الانجرار وراء كل داع سيء أو فكرة خاطئة، والعقيدة الخاطئة هي التي تنتج سلوكيات خاطئا في حياة البشر مثل: الكسل وعدم الاتقان، والخوف من الإقدام والمبادرة، والتطرف والعنف، أو الإسراف والتشاؤم وعدم المسؤولية وغيرها من المشاكل الأخلاقية.

ولو أردنا أن نقول أن هذا الشاب يملك الهوية أو العقيدة الواضحة فهذا يقتضي منه معرفة إجابة الأسئلة الثلاثة التي تُعرِّف الإنسان بنفسه ودوره في الحياة وهي : 

من أنت ؟ ماذا تريد ؟ كيف تحقق ما تريد ؟.

ولنبدأ بسؤال من أنت ؟

وهو السؤال الأهم والمفصلي في حياة البشر

وأول سؤال في تعريف هويتك هو أن تعرف ما هي الغاية من وجودك في هذه الدنيا، ومن أوجدك فيها أصلا؟ ولماذا فعل هذا الأمر؟ وبالتالي ما هي الطاقة أو القوة التي تستمد منها قوتك حتى تقوم بكل ما يجب أن تقوم به من أعمال وواجبات ؟

فهل سألت نفسك يا أخي هذا السؤال يوما ؟

وفي إجابة هذا السؤال يظهر التمايز بين المعتقدات والأديان والبشر، فنحن كمسلمين من أعظم نعم الله تعالى علينا أن بين لنا سبحانه في كتابه المنزل إلينا والذي ليس عندنا شك نهائيا أنه كلام الله تعالى الذي أوصله لنا سيدنا محمد قبل 1400 سنة، والذي نملك دلائل تاريخية ولغوية وعلمية قاطعة على صحته، وهذا الكتاب بيَّن لنا الغاية من خلقنا وعملنا وموتنا، وبالتالي دلنا على مصدر الطاقة التي نستمد منه حياتنا وقوتنا واندفاعنا وهو الله تعالى خالق الكون بما فيه .

بينما الكثير من الأديان والمعتقدات في الغرب والشرق تختلف في فهم ما هي الغاية من الحياة والخلق، والمنتشر في عالم اليوم هو تأثير الفكر الغربي العلماني الذي لا يعترف بوجود الله، ويرى أن الكون نشأ بالتطور وليس له رب خلقه وصوره ووضع القوانين والأنظمة التي تحكمه، وهذا المذهب انتشر بقوة في كل العالم اليوم بدعم العالم الغربي وعبر مختلف الوسائل مثل الإعلام والأفلام والكتب والأفكار والتي تسعى لما يسمى العولمة وهي أن يكون البشر كلهم يفكرون بنفس التفكير ويحملون نفس القيم وحتى يأكلون ويلبسون ويشربون بنفس الطريقة، وكل هذا بهدف السيادة والسيطرة على كل العالم وربطه بالعالم الغربي نفسيا وماليا وتجاريا.

وهذا التيار بدأ يؤثر فينا نحن المسلمين بحكم أننا نتعرض من الطفولة وفي كل مراحل العمر لكثير من منتجات الفكر والحضارية العلمانية السائدة، وهي ثقافة بعيدة عن التصور الإسلامي وهذا لا ينفي أنها قد تتقاطع معه ببعض الأمور، فقيمة المحاسبة مثلا هي قيمة مشتركة وهي تقول: أن كل من عمل شيئا خاطئا فيجب أن يتحاسب عليه ويتحمل مسؤوليته، ولكن المنطلق لهذه القيمة مختلف عندنا فنحن نقول أن الله تعالى هو من يجب أن نخاف منه لأنه يراقبنا ويحاسبنا على كل أفعالنا، بينما التفكير الغربي يقول أن القانون هو من يفرض المحاسبة ومخالفته تستوجب العقوبة وهذا مهم لمصلحة البشر ولصلاح العيش فيما بينهم، وهنا تأتي ميزة العقيدة الإسلامية التوحيدية فنحن نعتقد أن الله وحده هو من يرانا في كل لحظة وكل حال وملائكته تسجل وهذه رقابة دائمة ذاتية تمنعنا عن فعل الأخطاء حتى لو غابت رقابة القانون، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"

بينما التفكير الغربي لو غابت قوة القانون ورقابته أو حُرِّفت ووضعت قوانين فاسدة، فقد يتساهل الفرد في موضوع المحاسبة ويفعل ما يريد من الأخطاء والإفساد في الأرض.

والمشكلة اليوم عندنا نحن المسلمين أنه قد أصبح موضوع العقيدة والتوحيد لله تعالى أمرا سطحيا جدا وغير فعال ومؤثر في تصرفاتنا، فحين يفقد المسلم عقيدة: أن الله يراك ويراقبك، ساعتها فقد فقد الميزة الأساسية عنده، ولو فقدنا فوق ذلك القانون الذي سيراقب ويحاسب، ساعتها سيكون وضعنا سيئا جدا وفي فوضى عارمة وفساد كبير كما يحصل اليوم في دولنا، فلا أنت اكتسبت عقيدة الإسلام ولا أنت طبقت عقيدة الغرب بشكل صحيح وأصبحت حينها ضائعا بلا هوية.

وهنا مكمن الخلل والثغرة التي تدخل منها كل الشرور فأنت عندما لا تعرف ما هي هويتك ومن أنت، لا تستطيع أن تعرف ماذا تريد من هذه الدنيا وبالتالي كيف تصل لأهدافك وما هي الطريقة والقيم التي تحكم أعمالك وتصرفاتك.

وأول شيء في تعريف من أنت؟ هو معرفة ما هو الهدف من وجودك في هذه الحياة  ؟ ومن أوجدك ؟ ويشرح القرآن الكريم الغاية من خلق الكائنات العاقلة التي تملك حق الاختيار في قوله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون  * ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون)

والعبادة مفهوم شامل يعني كل عمل يقوم به الإنسان ويقصد منه ابتغاء وجه الله تعالى وحده، بالتالي هذا يشمل صلاتك أو عملك الذي تكسب منه رزقك، أو تبرعك للمال أو حتى مجرد اهتمامك بأي أمر واعطائه من وقتك، وأي تصرف صغير أو كبير في يومك وليلتك بينما الفكر العلماني الغربي فيقول لك أن الهدف من أي عمل تقوم به هو نفسك و ذاتك ومتعتك وسعادتك الشخصية فالغاية هي أنت كفرد وهذا هو مذهب الفردية المنتشر

وفي المقالة التالية سنوضح الفرق بين التصورين وما هي الطاقة التي تمدك بها العقيدة وتجعلك تقوم بأشياء هائلة ولو حتى كنت لا تملك إلا الإمكانيات البسيطة، كما حدث في صدر الإسلام وتاريخه الطويل الذي حصلت فيه إنجازات كبيرة حضارية وعلمية وعسكرية.

الحلقة السابقة هنا

 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...