آداب النظر في الإسلام

آداب النظر في الإسلام

التصنيف: ركن الشباب
الاثنين، ٩ جمادى الأولى ١٤٣٨ هـ - ٦ شباط ٢٠١٧
5465

 

لا شكَّ أنَّ النظر من أجلِّ نِعَم الله تعالى على خلقه، وقد حثَّنا جلَّ جلاله على الإفادة من هذه النعمة الكبرى بإمعان النظر فيما حولنا من مَعَالم الحياة وأحداثها، لاستنباط مدلولاتها النافعة، واستخلاص العبر النافعة منها، فيقول سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ] {الأنعام:11}. ويقول في سورة العنكبوت: [قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآَخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ] {العنكبوت:20}. ويقول في سورة فاطر: [أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا] {فاطر:44}.

وبينما يُشَجِّع الإسلام – بتلك الآيات وغيرها – النظرة الواعية الداعية إلى التذكُّر والاعتبار، فهو ينهى عن النظرة الفاسقة، التي تُثير الغرائز، وتطلق عِنان الشهوات، كما ينهى عن النظرة المتطَفِّلة التي تَقْتحم على الناس أسرارهم، والنظرة الحاسدة الحاقدة، التي تَستكثر نعم الله تعالى على عباده.

ففي النهي عن النظرة الفاسقة، يقول تعالى في سورة النور: [قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ] {النور:30-31} إلى آخر الآية.

وهذه دعوة إلى كفِّ النظر إلى ما يحرم النظر إليه، والغضُّ: إطباق الجفن على الجفن بحيث يَمْنع الرؤية.

ويقول الإمام الغزالي في كتابه: (منهاج العابدين) أنَّ قوله تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} ينطبق على معنيين: الأول: ذلك أطهر لقلوبهم، والزكاة الطهارة، والتزكية والتطهير. والثاني: ذلك أنمى لخيرهم وأكثر، والزكاة في الأصل النمو، أي: في غض البصر تطهير القلب وتكثير الطاعة والخير.

ولما نزل قوله تعالى في سورة طه: [وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ] {طه:131} أمر النبي صلى الله عليه وسلم مُنادياً يُنادي: (من لم يتأدَّب بآداب الله تقطَّعت نفسه على الدنيا حسرات).

ومما رواه ابن هُذيل من الحِكَم الإسلاميَّة المأثورة في كتابه: (عين الأدب والسياسة): (إدمان النظر أحد الفسقين) و (أسباب الفتن ثلاثة: عين ناظرة، وصورة باهرة، وشهوة قادرة).

كما قيل: (الخير كله في ثلاثة: السكوت، والكلام، والنظر، فكل سكوت لا يكون فكرة فهو سهو، وكل كلام لا يكون حكمة فهو لغو، وكل نظر لا يكون عبرة فهو لهو).

ويقصد الإمام الغزالي المؤمن أن ينظر إلى كل عضو من أعضائه ويتأمل فيما خُلِقَ له، وأن يعمل على صونه في ضوء ذلك، ويقول: (فالرِّجْل للمشي في رياض الجنة وقصورها، واليد لكأس الشراب، وتناول الثمار – يقصد شراب الجنة وثمارها – والعين إنَّما هي للنظر إلى رب العالمين سبحانه، وليس في الدارين كرامة أجلَّ وأكبر من ذلك... فحقيق بشيء ينتظر ويرجى له مثل هذه الكرامة أن يُصان ويُحفظ ويُعَزَّ ويكرم).

ويروى أنَّ امرأةً جاءت إلى الجنيد فقالت له: (زوجي يُريد أن يتزوج علي) فقال لها: (إن لم يكن له أربع جاز له أن يتزوج) قالت: (لو جاز النظر إلى الأجانب لكشفت لك عن وجهي حتى تنظر إليَّ فتعرف أن من له زوجة مثلي، لا ينبغي له أن يتزوج غيري).

فوقع الجنيد مَغْشياً عليه، ولما أفاق سُئل في ذلك، فقال: (كأنَّ الحق سبحانه وتعالى يقول: لو جاز لأحد النظر إليَّ لكشفت له الحجاب عن وجهه، حتى ينظر إليَّ فيعرف أنَّ من له مثلي لا ينبغي أن يكون في قلبه سواي).

ورأى الخوَّاص رجلاً تحت شجرة قد أشرف على الموت من العطش فقال: (يا إلهي...أنهارك في الأرض جارية، وبحارك في أقطارها طامية، وهذا المحب يموت عطشاً)، ففتح عينيه وقال: (يا خوَّاص لو سقاني بحار المشارق والمغارب ما رويت إلا بالنظر إلى وجهه الكريم).

فمن حرص ألا يُدَنِّس عَينيه بالنظر إلى المحرَّمات في الدنيا جاز له أن يَنْعم برؤية نور الله يوم الدين.

وخير ما يجزى به المؤمن في دنياه عن كفِّه حواسَّه عن الحرمات، صيانة الله لهذه الحواس من عَوادي الزمن، وقد قيل للقاضي أبي الطيب: (كيف كبرت سنك ولم تتغيَّر أعضاؤك؟ فقال: حفظتها في صغري فحفظها الله في كبري).

وفي النهي عن النظرة المتطفِّلة، يقول جلَّ جلاله في سورة الحجرات: [ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا] {الحجرات:12}.

ولذلك قالوا في آداب الحسبة إنه: (ليس للمحتسب أن يتعرَّض لمن أغلق باب داره واستتر بحوائطها، إلا أن يظهر من الدار من الأمارات والآثار ما يدلُّ ظاهراً على حدوث المنكر بها، كأصوات استغاثة أو أصوات مُنكرة للسكارى بالكلمات المألوفة بينهم، بحيث يسمعها المارَّة فإن ذلك يعدُّ ظهوراً للمنكر يستوجب تدخل المحتسب لإزالته ومنعه). 

ومن الأدعية المأثورة ما رواه عكرمة عن بن عباس قال كان من دعاء داود النبي عليه السلام: (اللهم إني أعوذ بك من مال يكون عليَّ فتنة، ومن ولد يكون عليَّ كلاً، ومن حليلة تُقرِّب الشيب، ومن جارٍ تراني عيناه وترعاني أذناه، إن رأى خيراً أخفاه، وإن سمع شراً طار به). أخرجه الطبراني في [الأوسط].

ولقد أفتي بأنَّ البالغ أو المراهق إذا نظر من نافذة أو ثقب باب عمداً ولم يكن له في الدار زوجة أو محرم فرمي بحصاة أو نحوها فعمي أو مات فدمُه هدر، ولا يقبل قوله (لم أتعمَّد النظر) أما إذا نظر من نافذة واسعة أو باب مفتوح فلا يجوز رميُه.

ويقول بعض الحكماء: (من غضَّ بصره عن عيوب الناس، غَضُّوا أبصارَهم عنه) كما قيل: (استر عورة أخيك بما تعلم فيك) كما قال الشاعر: 

لا تلمس من مساوئ الناس ما فيكا = فيكشف الله شراً من مساويكا

واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا = ولا تعب أحداً منهم بما فيكا

وفي النهي عن النظرة الحاسدة: 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا نظرَ أحدكم إلى من فُضِّل عليه في المال والخَلْق بفتح الخاء وسكون اللام – فلينظر إلى من هو أسفل منه) رواه البخاري.

قال ابن بطَّال: (هذا الحديث جامع لمعاني الخير؛ لأنَّ المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهداً فيها إلا وجد من هو فوقه، فإذا طلبت نفسه اللحاق به فيكون أبداً في زيادة تُقَرِّب من ربِّه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا إلا وجد من أهلها من هو أسوأ حالاً منه، فإذا تفكَّر في ذلك علم أنَّ نعمة الله تعالى وصلت إليه دون من فضِّل هو عليه بذلك من غير أمر أو جبه، فيلزم نفسه الشكر فيعظم اغتباطه بذلك في معاده).

وروى الترمذي عن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنه: (خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكراً صابراً: من نظر في دينه إلى من هو فوقه، فاقتدى به. ونظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على فضله به عليه، كتبه الله شاكراً وصابراً، ومن نظر في دينه إلى من هو دونه ونظر في دنياه إلى من هو فوقه فأسف على ما فاته منه لم يكتبه الله شاكراً ولا صابراً).

وفي البخاري أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعوِّذ الحسن والحسين بقوله: (أعيذكما بكلمات الله التامَّة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عينٍ لامَّة) أي: صائبة.

وقيل: إنَّما قال يعقوب عليه السلام لأولاده: [لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ] {يوسف:67}. خوفاً من شَرِّ العَيْن.

وقال القرطبي في سورة يوسف: (واجب على كل مسلم أعجبه شيء أن يقول: تبارك الله أحسنُ الخالقين اللهم بارك فيه).

وفي شرح المُهَذَّب: (يستحبُّ إذا رأى شيئاً أعجبه أن يدعوَ بالبركة، وإذا رأى شيئاً يكرهه يقول: (اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يَذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم).

وفي الأذكار: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى ما يحب قال: (الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال) رواه ابن ماجه.

آداب النظر إلى النفس:

قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نظر في المرآة قال: أحسنت خَلْقي فأحسن خُلُقي) رواه أحمد.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما تركتُها منذ سمعتها منه صلى الله عليه وسلم) وكان يقول: (لا يمس وجه من قالها سوءٌ أبداً).

ويقال: أنَّه يستحب أن يُديم المصلي النظر إلى موضع سجوده إلا عند الكعبة فينظر إليها، كما جزم به الماوردي والروياني.

وفي التتارخانية للحنفية: (ينظر المصلي إلى موقع سجوده، وفي ركوعه إلى موقع رجليه، وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره).

وقال آخرون: (يندب للمصلي أن يَنظر إلى إصبعه المسبِّحة).

وفي شرح المهذب عن البغوي: (أنَّه ينظر في سجوده إلى الله تعالى، أي: يستحضر جلاله).

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

 

المصدر: (مجلة الوعي الإسلامي، جمادى الأولى 1402 - العدد 209).

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...