-9-
9- والعمل الجماعي الذي يُمثِّل الدعوة التي أكَّدها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو يأمر بلزوم الجماعة، لا يمكن أن يكون في معزل عما أثبتناه من مَلامح المنهج القرآني في التربية والإعداد.
ولابد أن نُدرِّب الناس منذ البداية، ونضع أمامهم صورة واضحة للمُتطلَّبات النفسيَّة والشعوريَّة والفكريَّة والعمليَّة للعمل الجماعي، ولو كان هذا العمل لم يصلْ إلى حدِّ النضج والاكتمال، أو كان هذا العمل في صورته الراهنة لا يستدعي مثل هذا الحَشْد من المُتَطلبات والمقدِّمات؛ لأنَّ الحكمة تلزمنا بعد إدراكنا لمنهج القرآن الكريم في التربية بأن نهتمَّ بمتطلبات العمل الجماعي ومُستلزماته، على كل صعيد ومجال، وفي وقت مُبَكِّر ؛ لتظلَّ النفس تَعيش مع هذه المتطلبات، حتى إذا جاءَ وقتُ التنفيذ العملي لم يكن في النفس أي مُمانعة مُستحدثة تجعلها في جُبْنٍ عن خوض المواقف العمليَّة الجديدة بفعاليَّة واقتدار، أو تجعلها في دهشة تعتريها إزاء مَواقف ومُتطلَّبات لم تكن في الحُسبان!.
وسنذكرُ فيما يلي طرفاً من المتطلبات النفسيَّة والفكريَّة والعمليَّة التي تجعل الفردَ أهلاً للعمل الجماعي الإسلامي عسى أن يكون في ذلك إعدادٌ كافٍ للعاملين يجعلهم أقربَ إلى الصورة التي رَسَمَها القرآن الكريم للتجمُّع الإسلامي: (صورة البنيان المرصوص).
أولاً: إنَّ أول مُتطلبات العمل الجماعي: (الامتثال للقيادة والإمارة، والطاعة المخلصة لها فيما أحبَّ المرءُ المسلم أو كَرِه، وفيما أدركَ حِكْمَته وأهميَّته وفيما لم يدرك، إلى جانب تفاعله وتعامله مع كل من يَرتبط به في العمل الجماعي من حيث ما يُمثِّله في مُهمَّته أو وظيفته دون النظر إلى صفاته الشخصية التي قد تروقُ له أو لا تروق، أو قد يَنسجم مَعها أو لا ينسجم)؛ إذ لا مَعنى لأيِّ عَمَل جَمَاعي لا تتوحَّد فيه جهودُ العاملين على كلمة جَامعة يعبر عنها القائد أو الأمير، وإنَّ أيَّ مَجموعة من الرجال دون قائد مُطاع مجموعة فاشلة لا تستطيع أن تنجزَ عملاً من الأعمال وبخاصَّة إذا كانت هذه المجموعة مُؤلَّفة من عناصر مُمتازة ذات مواهب.
وقد يُسلِّم المرءُ بهذه الفكرة ويطمئنُّ إلى صحَّتِها من الناحية النظريَّة، ولكننا إذا أردنا أن يستمرَّ هذا الاطمئنان وهذا التَّسليم فلابد من الوقوف على مُتطلباته النفسيَّة، حرصاً على دوام فكرة الطاعة وعدم تعرضها للضعف والتقلبات.
1 - وإنَّ من أهمِّ هذه المتطلبات: القدرة على التكيُّف مع ما يُمثِّله الفرد في البنيان الجماعي بغضِّ النظر عن الصفات الشخصيَّة والجسميَّة التي قد تُعجب الفرد أو لا تعجبه، فإنَّ الكثيرين ممَّن يَبْدون في عطالة ظاهرة عن العمل الجماعي يحتجُّ لتلك العطالة بأنَّه يَتَضايق من فلان أو لا يستطيع أن ينسجم مع فلان أو أنه لا تعجبه ولا ترضيه طريقة فلان في التَّحدُّث، أو مُعَالجة الأمور... إلى غير ذلك من المشاعر تجاه الأشخاص.
من هنا كان حرص النبيِّ صلى الله عليه وسلم على تهيئة الصحابة رضوان الله عليهم، وإعدادهم لتقبُّل هذا الأمر، فعندما بَايعهم على السمع والطاعة فيما أحبوا وكَرِهوا فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» [أخرجه البخاري]. وكأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُريد أن يدرِّبَ أمَّتَه على امتلاك هذه الصفة النفسيَّة الضرورية لحفظ وحدتها وجمع كلمتها عندما كان يرسلُ السرايا والبعوث وربما أمَّرَ عليها بعضَ الشباب وفي القوم فُضَلاء الصحابة.
2 – وإنَّ من أهمِّ هذه المتطلبات: امتلاك المقدرات النفسيَّة التي تؤهِّل الأخ لأن يَحتمل مُخالفة آرائه الشخصيَّة ورغباته وأهوائه دون أن يسبِّبَ له ذلك شعوراً بخيبة الأمل أو انزعاجاً ينأى به عن الفعاليَّة والإيجابيَّة.
إنَّ كثيرين ممن تَتَسلَّط عليهم بعضُ الأفكار الجزئيَّة في الإصلاح أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر، يُغالون في الاندفاع وراء أفكارهم الجزئيَّة، وخاصَّة إذا كانت تشغل حيِّزاً من نفوسهم، ومُطالعاتهم واهتماماتهم حتى يخرجهم ذلك من دائر ة الطاعة والالتزام وهم يحسبون أنَّهم يُحسنون صنعاً، فتراهم يتحدَّثون في أي مَجَال يكونون فيه عن أفكارهم ونظراتهم، ولا يتحرَّجون من اتِّهام مَن لا يشاركهم في تقييمهم لأفكارهم ونظراتهم بالقصور والجهل والجمود والتَّحجُّر، ويظلون على هذه الحال حتى يخرجهم ذلك عن فكرة الطاعة والالتزام.
إنَّ أمثال هؤلاء يجب أن يتأمَّلوا بعمق خطبة سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عندما قال: (يا أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمَرَ به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفُرقة).
إنَّ أمثالَ هؤلاء يجب أن يَعْلموا أنَّ من واجبهم عندما يرون بُعداً عن الحق والصواب، أو قصوراً عن الاهتمام ببعض الأمور التي يرون أهميتها: أن يصدعوا بالحق كما عرفوه ويؤدُّوا واجبَهم في النصيحة والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر كل ذلك بآدابه وشروطه، حتى إذا انطلقوا للعمل كانت تصرُّفاتهم دليلاً واضحاً على أنَّ كلامهم ونصحهم ما كان ليؤثِّر في شدَّة إيمانهم بالعمل الجماعي، وبالحرص الشديد على تقديم مُتطلباته على أي اعتبار آخر.
الحلقة السابقة هنا
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


