آداب العمل الجماعي وشروطه -11-

آداب العمل الجماعي وشروطه -11-

التصنيف: فقه الدعوة
الأربعاء، ١٤ صفر ١٤٣٧ هـ - ٢٥ تشرين الثاني ٢٠١٥
1052

 

-15-

 

وخلاصة القول: أنَّ القاعدة الذهبية في التعامل مع الناس تكمن في حرص الفرد على أن لا يضع بين الحق وبين الناس عقباتٍ وعَراقيل كان بإمكانه أن يَتَفاداها فيقلِّل بذلك من تحسُّس الناس وإثارة مشاعرهم. 

وإنَّ خير ما نستطيع أن نتملَّى من خلاله هذه القاعدة الذهبيَّة قول الله تعالى في وجوب العدل مع المشركين: [وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا] {المائدة:8}. إنَّ المشرك الذي تخلَّى عن أهمِّ ما يُميِّز إنسانيَّته من الفكر والنظر والاعتبار- وإن كان لا يستحقُّ أيَّ احترام، وكان كذلك يمثِّل الرجس والنجس كما نصَّ عليه القرآن الكريم- من واجب المؤمن الواعي أن يَحْرص على أن يَبقي طريق عودةِ هذا المشرك وأمثاله من الضَّالِّين مَفْتوحاً ليس فيه أي عَقَبة تحجزه عن الالتحاق بركب الإيمان متى أراد.

وإنَّ الظلمَ والحَيْف يقع على المشرك يُقيم من العداوات الشخصيَّة والحواجز النفسيَّة ما يَصعب معه أن يترك دينَه ويقلع عن ضلالاته، ويلتحق بركبِ الإيمان ولو تَوصَّل إلى القناعة الذهنيَّة والاطمئنان العقلي.

إنَّ العدلَ الذي رفع لواءه الفاتحون المسلمون من الجيل الأول هو الذي ساهم في نشر الإسلام في الأرض وفتح له القلوب، وهو الذي جعل أهلَ حمص يقولون عن رضى وقناعة: (لأنتم أحب إلينا من الروم ولو كانوا على ديننا)!.

ولقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّم أصحابه مُراعاة مشاعر الناس وعدم إيحاشهم وتنفيرهم حتى يقبلوا على هذا الدين لا يَصُدُّهم عنه شيء كان من الممكن تفاديه.

فعند فتح مكة وبعد أن أسلمت أم حكيم بنت الحارث، استأمنت النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها عكرمة بن أبي جهل فأمَّنَه، وانطلقت على إثره حتى عادت معه إلى مكة، ولما دَنَا عكرمة من مكَّة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: يأتيكم عِكرمةُ بن أبي جهل مؤمناً مُهَاجراً فلا تسبُّوا أباه، فإنَّ سبَّ الميت يُؤذي الحي ولا يبلغ الميت. [أخرجه الحاكمُ في مُستدركه].

وكذلك بعد أن استأمن عبد الله بن سهيل لأبيه سهيل بن عمرو بعد فتح مكة، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ حَوْلَهُ: «مَنْ لَقِيَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَلَا يَشُدَّ إِلَيْهِ(أي: النظر)، فَلَعَمْرِي إِنَّ سُهَيْلًا لَهُ عَقْلٌ وَشَرَفٌ، وَمَا مِثْلُ سُهَيْلٍ جَهِلَ الْإِسْلَامَ» [أخرجه الحاكم في مُستدركه].

إنَّ مثل هذه الإشارات دَلالة واضحة على وجوب حرص المسلم على أن لا يكون سبباً في صدِّ الناس عن الحق نتيجة أي تصرُّف ولو كان كلمة أو نظرة!

إنَّ المؤمن- كما وَصَفه النبيُّ صلى الله عليه وسلم -:"هَيِّنٌ لَيِّنٌ يَألف ويُؤلف"، وإنَّ الإنسان لا يَصل إلى مَرْتبة يَألفه فيها الناس إلا عندما يكون هؤلاء في مأمن ممَّا يُثير مَشَاعرهم، وهم يَأنسون بصحبته في لين ورفق وهُدوء!

وقد قَالَ عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاَقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ، وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيَامَةِ: الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالمُتَشَدِّقُونَ فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: الْمُتَكَبِّرُونَ". أخرجه الترمذي.

وفي رواية أخرى: قال عليه الصلاة والسلام: (خياركم أحسنكم أخلاقاً، الموطَّؤون أكنافاً، الذين يألفون ويُؤْلفون). 

وروى الحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْلَفُ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ». قال الحاكم: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ".

وبعد: 

فإنَّ هذا الذي ذكرناه عن آداب العمل الجماعي وشروطه لا يعني أكثر من التنبيه على أهمِّ الشروط والمعاني التي يَجب على الفرد أن يَتَأمَّلها بعمق ويَتَفاعل معها بإيجابِيَّة حتى يكون فَعَّالاً مُتحرِّكاً في جميعِ ظُروف العمل وأحواله المُختلفة، ودون أن يؤثِّر ذلك على رَهَافَةِ حسِّه نحو مُلاحظة الخطأ، وإبداء الصحيح، مُحتفظاً بوعيه لأهداف اشتراكه في العمل الجماعي بحيث يختار أخفَّ الضررين عندما ينطلق للعمل بخطَّة يَرَى فيها بعضَ الخطأ والقصور إن أدَّى إلى وقوعه في خطأ أكبر، والنبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الْإِنْسَانِ كَذِئْبِ الْغَنَمِ يَأْخُذُ الشَّاةَ الْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ وَالْمَسْجِدِ» ". قال الهيثمي في المجمع: رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ الْعَلَاءَ بْنَ زِيَادٍ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ مُعَاذٍ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

المصدر: (مجلة حضارة الإسلام) (العددان 8-9)، (شوال- ذو القعدة 1398هـ الموافق تشرين أول – تشرين ثاني 1978م، من السنة التاسعة عشرة).

للاطلاع على الحلقة السابقة هنا

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

من مواعظ الإمام سفيان الثوري
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠من مواعظ الإمام سفيان الثوري
اختيار الشيح  صالح الشامي 1- أصلحْ سَرِيْرَتَك يصلح اللهُ علانيتَك، وأصلح فيما...
واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠واقع الأمة وحتمية الدعوة إلى الله تعالى
 بقلم: د/ عامر حسين أبو سلامةإن الناظر في واقع هذه الأُمة، يجدها منفصلةـ في كثير من ا...
الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الاثنين، ١ ربيع الأول ١٤٣١ هـ - ١٥ شباط ٢٠١٠الكلام الطيب طريق الدعاة إلى القلوب
الأستاذ : أبو معاذ جاهوش أفضل سبيل لتحقيق هدف المتكلم - متحدثاً كان ، أو محاضراً ، خط...