-1-
1- (من الخطوط المزدوجة في كيان الإنسان: هذان الخطان المرتبطان المتناقضان: إحساس الإنسان بفرديَّته، وإحساسه بالميل إلى الاجتماع بالآخرين والحياة معهم كواحد منهم، وهذه الظاهرة ذات أثر بالغ في الحياة البشرية؛ لأنَّ كيانَ المجتمع كلّه قائمٌ على مُحاولة التوفيق بين هذين الخطين المتناقضين في الظاهر، ومدى النجاح في عمليَّة التوفيق.
وفي الوقت الذي اضطربت أكثر النظم والفلسفات بين هذه النزعة وتلك فوسَّع بعضها دائرة الفرديَّة حتى وصلت إلى الأنانيَّة المرذولة، وتفكيك روابط المجتمع وتشتيت طاقاته، ووسَّع بعضُها الآخر الدائرة الجماعيَّة حتى قضت على كيان الفرد، وكادت أن تلغي وجودَه إذ اعتبرته ذَرَّة ضئيلة تافهة لا يستمدُّ كيانه إلا بوصفه فرداً في القطيع!.
إنَّ الإسلام يُوفِّق بقدرٍ ما، في طاقة البشر بين هاتين النزعتين اللتين اعتبرهما أصليتين في النفس الإنسانيَّة، على ما يبدو بينهما من التناقض في الظاهر؛ لأن التناقض الذي يظهر لمن ينظر إلى الأمور من السطح، ولا ينفذ من ورائها إلى أعماق الفطرة، أو التناقض الذي يحدث في الباطن أو الأعماق بسبب زيادة النسبة المقرَّرة أو اللازمة لكل واحدة من هاتين النزعتين، فتنحرف إحداهما عن مسارها وتعتدي على مسار الأخرى وتشدُّها إليها، أما حين يأخذ كلٌّ منهما مَدَارَه الصحيح فلن يحدثَ التنافرُ بين الفرد والجماعة أو يحدث الشقاق!.
والإسلامُ دين الفطرة، وهذه هي فطرة الإنسان: فرد داخل في المجموع: أصيل الفردية، أصيل في الميل للمجموع، والإسلام يعالج كلتا النزعتين فيغذيهما معاً، ويجعلهما مُتساندتين بدلاً من أن تَكونا مُتنازعتين) ( ).
-2-
2 – والأمر الذي لا خِلاف عليه على كل حال بين جميع الأنظمة والفلسفات أنَّ الحياة الاجتماعيَّة أو الحياة في جماعة أمر لازم للإنسان، وأنه – أي هذا الإنسان – يتأثر ويخضع أيضاً للمظاهر الاجتماعيَّة السائدة، أو التي تحكم مُجتمعاً من المجتمعات. ومعنى ذلك أنَّ الإنسان المسلم في هذا العصر الذي يعيش في مُجتمعات جاهليَّة، أو مُجتمعات لا يمكن وصفها بالإسلاميَّة على كل حال؛ لأنَّها لا تدين بحكم الله تعالى، ولا تَخضع لشرعه، ولا تُراعي منهجَ الإسلام في العقيدة والتربية والاجتماع والسياسة والاقتصاد، ومن ثَمَّ فإنَّ هذه المجتمعات تحكمها وتسودُ فيها قيَم واعتبارات وتَصوُّرات وظواهر اجتماعيَّة جاهليَّة، أو غير إسلاميَّة، معنى ذلك: أنَّ هذا الإنسان الفرد المسلم، الذي يعلم من الفطرة الإسلامية أنَّ الفرديَّة والجماعيَّة خطان مُتلازمان أو ضروريان في كيانه، سيجد نفسه بعد أن يأخذها بأسباب الإعداد الفردي، والتأهيل الإسلامي الخاص في هذا الجانب، سيجد نفسه بعد ذلك خاضعاً في الجانب الاجتماعي إلى مفاهيم وضرورات المجتمع الجاهلي من حوله، وهو لن يستطيع التَّخلُّص أو الفكاك من ضغط هذه المفاهيم والضرورات ما لم يَعِشْ في مُجتمع مُسلم أو جماعة مُسلمة تعيش – كجماعة – في هذه المفاهيم والتصورات.
هذا بالإضافة إلى أنَّ طبيعة الإسلام ذاتها تَقْتضي وجود جماعة مُتكافلة تَقوم بالتكاليف الجماعيَّة، كما أنَّ التَّصوُّر الإسلامي والفضائل الإسلاميَّة تحتاج إلى وسط تحيا به وتنمو، وإذا كان من البديهي أنَّ الغرض لكل العاملين في الحقل الإسلامي إيجاد المجتمع المسلم، واستئناف حياة إسلامية صحيحة فإنَّ مما لا شك فيه أنَّ الأداة الموصلة إلى تثبيت المفاهيم الإسلامية عند هؤلاء العاملين، وتنشئة الأفراد عليها هي المجتمع الإسلامي نفسه، أو الجماعة الإسلامية التي تسعى إلى إقامته، وتمهِّد بعملها الجماعي لقيامه.
-----------------
(1) الفردية والجماعية، في (منهج التربية الإسلامية) للأستاذ محمد قطب.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


