آثار 11 أيلول: إلى أين يتجه العالم؟

آثار 11 أيلول: إلى أين يتجه العالم؟

التصنيف: ركن الشباب
الثلاثاء، ٢٨ ربيع الآخر ١٤٣٦ هـ - ١٧ شباط ٢٠١٥
1021

 

نعوم تشومسكي [•]

 

مقدمة المترجم:

لا شك أن 11 أيلول 2001م حدثٌٌ هزَّ العالم بقُطبيه، وارتجت له الأرضُ بطولها والعرض، ودبّ الرعبُ والفزع في جوانح جميع البشر. وعقب هذا الاعتداء الموجع، انطلقت الولايات المتحدة كالثور الثائر في أرجاء المعمورة، تبطش بعباد الله شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، ليس لها من رادع ولا زاجر، تسطو على من تريد، وتبغي على من تشاء، بحجة قويةٍ لا مردّ لها، ألا وهي مطاردة الإرهاب في كل مكان، الإرهابِ الذي ذاقت منه سوء العذاب، ومرّ العقاب.

 

كان للتفجيرات آثار سلبية عديدة: منها أنها مكنت الولايات المتحدة من حجة قوية للتدخل في الشؤون الدينية، والسياسية، والثقافية، والعسكرية للدول الأخرى. فوضعت خطةً أرادت حمْلَ العالم عليها عموماً، والعالم الإسلامي خصوصاً، وهي وجوب نشر الديمقراطية، وشيوعِ حرية الرأي والتعبير، والدفاعِ عن حقوق المرأة المهدورة، وما إلى ذلك. وفي اعتقادها أن غياب هذه المبادئ والحقوق هو وحده الذي قضى بولادة الإرهاب، ثم فشوّه وانتشاره.

 

ومنها أنْ صار الإسلام والمسلمون - في نظر سائر العالم - سدنة الإرهاب، وحاملي لوائه، والمدافعين عنه، والداعين إليه، حتى إن البعض حين يسأل عن ماهية المسلم، يجيب: مجرم، إرهابي، أصولي... وزادت الشتائم والقذائف الكلامية، والاعتداءات الجسدية على المسلمين والمسلمات الذين يعيشون في الغرب.

 

ومنها أنها دعمت مقولةَ صراع الحضارات، وروّتْها بماء الحياة. فتحولّت من مبدأٍ إلى تطبيق، ومن كلماتٍ ميتة إلى أفعالٍ تنبض بالحياة. وإذا بالأصواتِ التي كانت تخافت بها فيما مضى، صارت الآن لا ترضى بأقلَّ من النَّعيق والنهيق.

 

ومنها أيضاً ما يحدثنا عنه المفكر الحر نعوم تشومسكي في هذه المقالة المهمة من المآسي التي حلت بأفغانستان وأهلها بحجة القضاء على القاعدة.

وجُرْمٍ جَرَّهُ سفهاءُ قومٍ 
فحَلّ بغيرِ جَارِمه العذابُ

 

ثم يضرب تشومسكي أمثلة على تاريخ أمريكا الأسود في سياستها الخارجية حيث قتلت ودمرت وأقامت وأقعدت.. إلخ وما يذكره هنا غيض من فيض، فمظالم الولايات المتحدة لا تكد تحصى أو تعد.

 

يقول وليم بلم: "سعت الولايات المتحدة بين 1945م إلى نهاية القرن، إلى الإطاحة بأكثر من أربعين حكومة أجنبية، وسحقت أكثر من ثلاثين حركة، كانت في صراع مع نظم ظالمة. وسببت الولايات المتحدة في قتل عدة ملايين من البشر، وحكمت على ملايين أن يحيوا حياة الألم واليأس."[1] فكان مما تقتضيه بداهةُ العقول، وبداهة التاريخ أنْ يأتي يوم تلقى فيه الجزاء. فالظلم مَرْتعُ مبتغيهِ وَخيمُ.

 

ترجمة المقالة:

بدأت الألفية الجديدة بجريمتين فظيعتين: الاعتداءات الإرهابية في 11 أيلول، وردة الفعل عليها. وبالتأكيد قد حصدت الجريمة الثانية من الأبرياء ما يفوق الأولى بكثير.

 

إن وحشية 11 أيلول تعدّ حدثاً تاريخياً، وهذا صحيح من دون شك. لكن علينا أن نستبين بوضوح عن سبب كونه صحيحاً. ربما أدت هذه الجرائم "من فورها إلى تسجيل عدد كبير من الضحايا، الذين ماتوا خارج نطاق الحروب. وكلمة "من فورها" لا ينبغي غض الطرف عنها.

 

إنه لمن سوء الحظ، ولكنه صحيح، أن الجرائم أمر مألوف في تاريخ العنف الذي لا يدنو من مستوى الحرب. أما النتيجة فهي واحدة من أمثلة لا تحصَى. إن السبب في أن "العالم لن يكون نفسه" بعد 11 أيلول، يكمن في مكان آخر.

 

إن حجم الكارثة التي وقعت في أفغانستان وما تلاها، يمكن فقط الحدس به. لكننا نعلم التخمينات التي بنيت عليها القرارات السياسية، ومنها نستطيع أن نتبصر في سؤال: إلى أين يتجه العالم؟ والجواب أن العالم متجه إلى دروب مطروقة كثيراً.

 

حتى قبل 11 أيلول، كان الملايين من الأفغان بالكاد تدعمهم المعونة الغذائية الدولية. ذكرت نيويورك تايمز في 16 أيلول أن واشنطن طلبت من باكستان "إيقاف قوافل الشحن التي تزود الكثير من الطعام والتجهيزات الأخرى للمدنيين الأفغان.

 

لم يكن هناك ردة فعل ملحوظة في أمريكا أو أوروبا حول المطالبة في أن أعداداً ضخمة من الفقراء معرضون للمجاعة والموت البطيء. في الأسابيع اللاحقة، ذكرت الجريدة الرئيسية في العالم أن "تهديد الهجمات الجوية أجبر على رحيل عمال الإغاثة الدولية وإعاقة برامج المساعدات. "اللاجؤون الذي وصلوا إلى باكستان" بعد رحلات شاقة من أفغانستان يصفون مشاهد اليأس والخوف فيها لأن تهديد الهجمات العسكرية بقيادة أمريكا حولت بؤسهم الطويل الأمد إلى كارثة وشيكة الوقوع." "كانت البلد تعتمد على شريان الحياة" كما قال واحد من عمال الإغاثة الذين غادروها "ونحن قطعنا هذا الشريان".

 

استطاع برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة، وبرامج أخرى أن يسـتأنفوا بعض شحنات الغذاء في أوائل تشرين الأول، لكنهم أجبروا على إيقاف تسليمها وتوزيعها بعد القصف. ثم تابعوا عملهم لاحقاً وبمستوى من السرعة منخفضٍ. أما وكالات الإغاثة فقد وجهت إدانات شديدة للمساعدات الأمريكية المنزلة جواً بالمظلات التي هي في حقيقتها وسائل دعائية لأمريكا، وهذا أمر لا يكاد يخفى.

 

قالت نيويورك تايمز، من دون تعليق، بأن عدد الأفغان المحتاجين للمعونة الغذائية ازداد 50 بالمئة بسبب إلقاء القنابل، فقد وصل العدد إلى سبعة ملايين ونصف. بعبارة أخرى إن الحضارة الغربية تبني خططها على اعتقاد أنها ربما تؤدي إلى قتل عدة ملايين من المدنيين الأبرياء، ليس طالبان ولكن ضحاياها.

 

وفي نفس اليوم، كان زعيمُ الحضارة الغربية وللمرة الثانية قد رفض بزدراء عروضَ طالبان للتفاوض ومطالبتها بأدلة موثوقة لدعم المطالبة بالاستسلام. وقد اعتبر موقفه محقاً وعادلاً وربما بطولياً. الشخص الذي فوضته الأمم المتحدة بتقديم تقرير عن الحق في الحصول على الغذاء، ناشد الولايات المتحدة أن توقف هجماتها الجوية التي وضعت "حياة ملايين المدنيين في خطر". وهذه المناشدة تجديد لمناشدة المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وهي السيدة ماري روبنسون، التي حذرت من كارثة على غرار راوندة. كلتا المناشدتين رفضتا بل لم يتم الحديث عنهما مع العلم أنهما صادرتان من وكالات رئيسة تهتم بالإغاثة والمعونة.

 

وقد حذرت إدارة الزراعة والغذاء، في أواخر أيلول أن أكثر من سبعة ملايين شخصاً قد يواجهون مجاعة مالم يتم استئناف المساعدات بسرعة، وينتهي تهديد العمل العسكري. بعد أن بدأ القصف أصدرت الإدارةُ تحذيراتٍ أكثر خطورة حول كارثة إنسانية وذكرت أن القصف قد عطل زرع مناطق تزود ثمانين بالمئة من مخزون الحبوب في أفغانستان، لهذا فإن الآثار في العام القادم ستكون أكثر أدهى وأمرّ. جميع هذه التحذيرات لم يتم الحديث عنها وإشاعتها. وصدف أن هذه المناشدات المتجاهلة تزامنت مع يوم الغذاء العالمي، الذي أهمل الحديث عنه أيضاً، وكذلك أهمل اتهام المقرِّر المفوض من الأمم المتحدة في أن الأغنياء والأقوياء لديهم الوسائل ولكن ليس لديهم الإرادة للتغلب على هذه "الإبادة الجماعية الصامتة".

 

ذكرت الصحافة أن الهجمات الجوية قد حولت المدن إلى مدن أشباح مع تدمير الكهرباء وأنابيب المياه؛ إنه شكل من أشكال من الحرب البيولوجية. سبعون بالمئة من السكان فروا من قندهار وهرات إلى الريف، حيث كان يقتل -في الأحوال العادية- كل يوم ما يقرب من 10 إلى 20 شخصاً أو يصابون بإعاقة ما بسبب الألغام الأرضية. والآن هذه الظروف أسوأ بكثير، فقد أوقفت عمليات أزالة الألغام، بدعم من الأمم المتحدة، كما أن المعدات الحربية الأمريكية زادت المحنة خصوصاً القنابل الصغيرة القاتلة التي تنشرها القنابل العنقودية، والتي من الصعب إزالتها.

 

إن مصير هؤلاء الناس البائسين لن يعرف أو لن يتم البحث فيه إذا كانت الأحداث الماضية المشابهة كانت هي المرشد. التحقيق المتأني حول النتائج يتم حفظه بالنسبة للجرائم التي يمكن عزوها إلى أعداءٍ رسميين. في مثل هذه الحالات، يعتبر البحثُ صنفين من الضحايا: أولئك الذين قتلوا بصورة مباشرة، والأعداد الكبيرة من الذين يموتون بسبب السياسات المدانة.

 

أما بالنسبة لجرائمنا، إذا كان هناك أي بحث أو تحقيق، فالمعايير مختلفة تماماً. فآثار الأعمال الإجرامية هي محط تجاهل. في حالة أفغانستان، فإن الملوم -مهما حصل- هو إما القحط أو طالبان، وليس أولئك الذين عن عمد وإصرار نفذوا جرائم يتوقع أن تسبب مقتلة عظيمة للأبرياء.

 

إن الجاهلين تماماً بالتاريخ المعاصر هم الذين سيجدون هذا الأمر مفاجئاً. فالضحايا ما هم إلا "قبائل غير متحضرة." مثل إشارة ونستون تشرشل[2] الازدرائية للأفغان والأكراد عندما أصرَّ على استعمال الغاز السامّ لنشر "رعب حيٍّ" بينهم، منذ ثمانين عاماً. وفي هذه الحالة أيضاً سنعرف قليلاً عن عواقبها. فمنذ عشرة أعوام أسست بريطانيا مبادرة "حكومة مفتوحة" مهمتها الأولى أن تزيل من مكتب السجلات العام كل الملفات المتعلقة باستعمال الغاز السام ضد القبائل غير المتحضرة.

 

إذا كان من الضروري إبادة السكان الأصليين فليكن، كما صرح وزير الحرب الفرنسي حين أعلن أن العملية جارية في الجزائر في منتصف القرن التاسع عشر، وليس للمرة الأخيرة. ما يجري الآن للأفغان أمر عادي، وموضوع مركزي في التاريخ المعاصر، ولذا فمن الطبيعي أن يثير القليل من الاهتمام والعناية، وإصدار التقارير عنه أيضاً[3].

 

إن جريمة 11 أيلول نقطة تحول تاريخية، ليس بسبب حجمها بل بسبب اختيار الهدف. بالنسبة للولايات المتحدة هذه أول مرة تخضع فيها الأقاليم الوطنية للهجوم أو حتى التهديد منذ أحرقت بريطانيا واشنطن عام 1814. ليس هناك حاجة لمراجعة ما حصل لأولئك العصاة منذ ذلك الحين.

 

عدد الضحايا ضخم جداً. ولأول مرة وجهت البنادق في الاتجاه المعاكس، ذاك هو التغيير التاريخي. نفس الأمر ينطبق على أوروبا بصورة أكثر إثارة. فأوروبا عانت من دمار كبير بسبب الحروب الداخلية. احتلت القوى الأوروبية أكثر العالم بطريقة فظة. باستثناء حالات محدودة، لم تهاجَم أوروبا من قبل ضحاياها الأجانب. فالكونغو لم تهاجم بلجيكا وتدمرها، ولا جزر الهند الشرقية هاجمت هولندا، ولا الجزائر فرنسا. القائمة طويلة والجرائم في غاية الفظاعة. ولهذا فليس مفاجئاً أن تصعق أوروبا بجريمة 11 أيلول. ومع أن هذه الجريمة تشير إلى تغيير كبير في الشؤون العالمية إلا أن عواقبها لا تمثل أي تغيير البتة.

 

وقد أكد زعيم الولايات المتحدة وقادة عالميون أن مواجهة الوحش الإرهابي لن تكون مهمة قصيرة المدى، بل طويلة. ولذا علينا أن نفكر بحذر في المقاييس التي يمكن أخذها لتخفيف ما يسمى في بعض البلدان الراقية "بلاء الإرهاب الشرير" "الوباء الذي ينشره" "أعداء الحضارة الفاسدون" في "عودة إلى البربرية في الوقت المعاصر".

 

يجب علينا أن نبدأ بتحديد الوباء والعناصر الفاسدة التي عادت بالعالم إلى البربرية. اللعنة ليست جديدة. الكلمات التي أستشهد بها هي للرئيس رونالد ريغن ووزير خارجيته جورج شولتز. تسلمت إدارة ريغن الحكم منذ عشرين عاماً معلنة أن النضال ضد الإرهاب الدولي سيكون في صميم السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

 

وقد استجابت الإدارة للوباء عن طريق تنظيم حملات إرهاب دولي لا مثيل لها في المقدار والعنف، بل إنها قادت إلى إدانة محكمة العدل الدولية للولايات المتحدة التي استعملت القوة بطريقة غير مشروعة، وإلى قرار مجلس الأمن الداعي لجميع الدول أن تراعي القانون الدولي الذي صوتت ضده الولايات المتحدة، وأيضاَ صوتت هي مع إسرائيل (وفي حالة واحدة السلفادور) ضد قرارات مشابهة للجمعية العامة.

 

طلب محكمة العدل الدولية بإنهاء جريمة الإرهاب الدولي والقيام بإصلاحات جوهرية قوبل بازدراء على نطاق واسع. وبالكاد أشير إلى تصويت الأمم المتحدة، واستجابت واشنطن فوراً بتصعيد حربي الإرهاب والاقتصاد. ولم تكتف بهذا حتى أصدرت أوامر رسمية إلى جيش المرتزقة بمهاجمة "أهداف سهلةsoft targets أهداف مدنية غير محمية، وبتجنب القتال قدر المستطاع، وتم هذا بفضل تحكم الولايات المتحدة بالجو وبوسائل الاتصال المتطورة التي زودت بها قوى إرهابية تهاجم من دول الجوار.

 

هذه الأوامر اعتبرت مقبولة طالما أن المعايير النفعية تمت مراعاتها. مايكل كنزلي Michael Kinsely، معلق مشهور يعد الناطق الرسمي لليسار في النقاش السائد، ناقش بأنه لا ينبغي أن نرفض ببساطة تسويغات وزارة الخارجية للهجمات الإرهابية على أهداف سهلة. وكتب: "إن السياسة الحكيمة يجب عليها أن تحقق اختبار تحليل التكاليف مع الفائدة Cost-benefit analysis أي تحليل مقدار إراقة الدم والبؤس الحاصلين مع احتمال إقامة الديمقراطية في النهاية". الديمقراطية - كما تفهمها النخبة الغربية - تفسير واضح للغاية في المنطقة. ومن المسلم به أن من حقهم القيام بالتحليل ومتابعة المشروع إذا تجاوز هذا الاختبار.

 

وقد تجاوز الاختبار حقاً. فعندما خضعت نيكارغوا في النهاية للهجوم الذي قامت به الدولة العظمى، أثنى معلقون ذوو آراء محترمة على نجاح الطرق المتبناة "لتحطيم الاقتصاد ومواصلة حرب بالوكالة، طويلة الأمد ومهلكة حتى يُطيح السكانُ المنهكون بالحكومة المنبوذة"، مع الحرص على أن تدفع أمريكا أدنى التكاليف. وقد تركت هذه الحرب الضحايا  "وجسورهم مهدمة، ومحطات الكهرباء مخربة، والمزارع مدمرة"، وهذا الوضع زود مرشح الولايات المتحدة بـ "قضية رابحة" أنهت "فقر شعب نيكارغوا". (مجلة التايم).

 

وقالت نيويورك تايمز: "نحن متفقون في بهجتنا حول هذه النتيجة".  وكتبت التايمز بعنوان بارز "فخورون بنصر اللعبة العادلة التي قامت بها الولايات المتحدة". كان العالم المتحضر متفقاً في البهجة مرة ثانية منذ عدة أسابيع لأن مرشح الولايات المتحدة فاز في الانتخابات في نيكاراغوا بعد تحذيرات قوية من واشنطن من العواقب إن لم يكتب له الفوز.

 

بينت جريدة الواشنطن بوست أن المرشح المنتصر ركز "حملته على تذكير الناس بالصعوبات العسكرية والاقتصادية في زمن ساندنسترا[4]Sandinista أي الحرب الإرهابية والخنق الاقتصادي الذين مارستهما الولايات المتحدة والذين دمرا البلد. في هذه الأثناء أعلمنا الرئيس عن "القانون العالمي الواحد": جميع أنواع الإرهاب والقتل هي شر مالم نكن نحن طبعاً من يقوم بها.

 

إن المواقف الغربية السائدة حول الإرهاب تتضح تماماً مع ردة الفعل حول تعيين جون نيكروبونتي Negroponte سفيراً للولايات المتحدة ليقود الحرب ضد الإرهاب. من ضمن ما يحتوي عليه سجل نيكروبونتي عمله حاكماً على هندوراس في ثمانينات القرن العشرين، حيث كان المشرف المحلي على الحملة الإرهابية الدولية التي أدينت بسببها حكومته من قبل محكمة العدل الدولية ومجلس الأمن. لم تكن هناك ردة فعل ملحوظة، بل إن جوناثان سوفت[5] Jonathan Swift نفسه سيصبح معقودَ اللسان، صامتاً عن البيان.

 

وأنا أذكر هنا قضية نيكارغوا فقط لأنها قضية لا نزاع حولها، فقد أبان الحكمَ فيها أعلى السلطات الدولية. وهي قضية لا نزاع فيها بين أولئك الذين عندهم الحد الأدنى من الالتزام بحقوق الإنسان والقانون الدولي. يمكن للواحد أن يقدر حجم ذلك الصنف عن طريق تحديد كم مرة يتم ذكرهذه القضايا الأولية والحديث عنها. ومن هذه الممارسة وحدها يمكن للواحد أن يستنتج نتائج مروعة حول ما سيقع في المستقبل إذا بقيت على نهجها مراكزُ القوى والإيديولوجيا الحالية.

 

وقضية نيكارغوا ليست القضية الأخطر والأشد. ففي سنوات عهد ريغن وحده، خلف الإرهابيون الدوليون الذين دعمتهم الولايات المتحدة في أمريكا الوسطى[6] مئاتِ الآلاف من الجثث المشوهة، والملايين من المعوقين واليتامى، وأربعة بلدان مدمرة في أمريكا الوسطى.

 

وفي نفس السنوات، قتلت عملياتُ السلب والنهب في جنوب إفريقيا بمؤازرة من الغرب، مليوناً ونصف المليون من الناس وخربت ما قيمته ستون مليار دولار. لست بحاجة في أن أتحدث عن غرب وجنوب شرق آسيا، وأمريكا الجنوبية. وتلك السنوات العشر كانت عادية.

 

إنه خطأ تحليلي خطير أن نصف الإرهاب بأنه "سلاح الضعفاء" كما يُفعَل غالباً. من حيث الممارسة، الإرهاب هو العنف للذي يرتكبونه هم ضدنا، أيا كان المقصود بـ "نحن" من الصعب أن تجد استثناء تاريخياً، وبما أن الأقوياء يقررون ما يعتبر تاريخاً، فإن ما يمر من خلال الفلاتر (المصافي) هو إرهاب الضعفاء ضد الأقوياء وعملائهم.

 


[•] نعوم تشومسكي مفكر أمريكي عالمي غني عن التعريف. ومقالته هذه:
September 11 Aftermath:  Where is the World Heading?
منشورة في كتاب "ما بعد 11 أيلول: مجموعات مختارة ذات رأي مختلف"

Beyond September 11 An Anthology of Dissent

من الصحيفة 66 إلى 71. المحرر فِل سكراتُن. نشر بلوتو برس: لندن .2002 م.

للتوسع حول تدخلات الولايات المتحدة في العالم، تراجع هذه الكتب "الدولة الشريرة: إساءات السياسة الأمريكية لشعوب العالم"، وليم بلوم. ترجمة محمد صاصيلا. نشر دار الذاكرة: بيروت. 2006. (يراجع خصوصاً الفصل السابع عشر منه بعنوان "قصة موجزة لتدخلات الولايات المتحدة في العالم من عام 1945 وحتى اليوم" ص 195-251). و"قتل الأمل: تدخلات العسكريين الأمريكيين ووكالة المخابرات المركزية منذ الحرب العالمية الثانية"، وليم بلوم. ترجمة أسعد إلياس. نشر العبيكان: الرياض. 2006. و"الدولة المارقة: الأحادية الأمريكية وإخفاق النوايا الحسنة"، كلايد برستوفتز. ترجمة فاضل جتكر. نشر الحوار الثقافي: بيروت. 2003. وكتاب "الاعتداءات غير الشرعية للولايات المتحدة منذ الحرب العالية الثانية" لبول غرانيل، ترجمة محمد صباغ، نشر دار الفكر - دمشق 2006. وكتاب "القوة والإرهاب: جذورهما في عمق الثقافة الأمريكية" ترجمة إبراهيم الشهابي، دار الفكر أيضاً 2003.

[2] استخدمت القوات البريطانية الغاز السام ضد العرب والأكراد والأفغان عام 1919 بأمر من وزير الحربية البريطانية تشرشل، واستخدمته القوات الأميركية في فيتنام عامي 1961 و1962. راجع كتاب نعوم تشومسكي "الدولة المارقة: حكم القوة في الشؤون الدولية" دار الكتاب العربي ونينوى للدراسات والنشر. 2003.

[3] ليس هذا بغريب أو مستبعد فالعنصرية والتعالي والتكبّر هي من سمات الغرب. وترجع جذور هذه العنصرية إلى أمرين: الأول: تصنيفٌ لشعوب العالم مشتقٌّ من الفهم المسيحيّ للكتاب المقدس. فقد صنف العلماء المسيحيّون، مثل أوغسطين Augustine (354-430) القاراتِ الثلاثَ: آسيا وأوروبا وإفريقية، وشعوبها، تصنيفاً مرتبطاً بأبناء نوح، كما ورد في سفر التكوين عن الطوفان الكبير: أوروبا مرتبطة بيافث، أفضل أبناء نوح؛ وآسيا مع سام؛ وإفريقية مع حام. ويتضمن هذا التصور اعتقاداً بتفوّقٍ مسيحيّ أوروبيٍّ. وكثيراً ما اتُخذت هذه الرؤيةُ العنصرية على مرّ العصور ذريعةً لاستعباد الشعوب غير الأوروبية. (انظر كتاب "تاريخ الاستشراق وسياساته" لزكريا لقمان، ص 59-60.)

والثاني: اعتاد الإغريق القدماء من كتّاب وجغرافيين ومؤرخين أن يُنشِؤوا لأنفسهم صورة متباينة عن الآسيويين، بسبب الصراع الذي نشب بين الإغريق والفرس، فالدول الآسيوية، كالإمبراطورية الفارسية أو مصر الفرعونية، يحكمها طغاة مستبدّون، يسوسون عبيداً أذلاء. والمستبدّون الآسيويون قوم أجلاف، فاسدون، فاسقون. أما الإغريق فهو قوم فاضلون، متواضعون، أحرار، دولتهم دولة مدنيّة، ديمقراطية..إلخ. ("تاريخ الاستشراق وسياساته"، ص 51-52، و 144-161.) هذه التعارض الجليّ في الصورة بين الإغريق وأهل آسيا، تلقّفه بعد دهرٍ الأوروبيون، وتبنّوه تماماً في تقسيمهم الثنائيّ بين الشرق والغرب.

فالشرق متخلف، همجيّ، لاعقلانيّ، بدائيّ، غير أخلاقيّ، متعصّب، ضيّق الأفق، مستبدّ، ذو سلطة ذكورية، والمرأة الشرقية مرتعٌ خصب للشهوات الجنسية، فالشرق إذن مختلفٌ اختلافاً جوهرياً عن الغربِ، أرض العقلانية والحرّية والعزّة والديمقراطية والتقدم والعلم والمعرفة.. إلخ ومن رحم أسطورة التفوّق والتميز الأوروبي، نشأ ما يسمّى بـ"عبء الرجل الأبيض" The white man"s burden وهو أن الأوروبيين البيض مطلوبٌ منهم أن تكون لهم الوصايةُ المطلقة على سائر الشعوب.

[4] هي الثورة الاشتراكية في نيكارغوا التي أطاحت بحكومة الرئيس أنستاسيو سوموزا في 1979 وحاربت في الثمانينات حركات الكونترا التي تدعمها من الولايات المتحدة. وساندستا نسبة إلى "أوغستو ساندينو"، بطل قومي دافع عن بلده وساعد على إنهاء الاحتلال الأمريكي لبلده.

[5] كاتب وسياسي إنكليزي مشهور، في مؤلفاته أسلوب ساخر منتقد لمشاكل المجتمع وعيوبه. توفي 1745.

[6] منطقة تقع وسط الأمريكيتين، وهي الجزء الجنوبي من أمريكا الشمالية، تشمل غواتيمالا، وبليز، وهندوراس، والسلفادور، ونيكارغوا، وكوستاريكا، وباناما.



 

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

رمضان بين التضييع والاستثمار
الأربعاء، ٢٣ شعبان ١٤٣٩ هـ - ٩ أيار ٢٠١٨رمضان بين التضييع والاستثمار
 قال عليه وعلى آله الصلاة والسلام: «هذا رمضان قد جاءكم، تُفتح فيه أبوابُ الجنة...
أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
الأحد، ٣٠ شعبان ١٤٣٧ هـ - ٥ حزيران ٢٠١٦أحكام فقهية مهمة عن رمضان يجدر أن تتعلمها النساء
    1.     يجب تبييت النِّيَّة كل ليلة قبل طلوع الفجر عن كل يوم من ...
ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
الأربعاء، ١٢ شوال ١٤٣٠ هـ - ٣٠ أيلول ٢٠٠٩ترى كيف يتخاطب الإسلاميون بعضهم مع بعض - تقويم للخطاب الإسلامي الإسلامي...
بعد يوم مليء بالزيارات المتعددة لشتى التجمعات الإسلامية قررت أن أكتب هذه الخاطرة هدفها توص...