ولد الهدى فالكائنات ضياء - ميلاد أحمد

 

من ذكريات شهر ربيع الأول
بقلم الدكتور : منير الغضبان
عضو رابطة العلماء السوريين
 
يوم ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإطلالته على البشرية ، يوم أغر في تاريخ هذه البشرية لا مثيل له . إنه يوم الاثنين لأنه كان بقدر الله كذلك يوم ميلاد بعثته عليه الصلاة والسلام .
فقد كان ميلاد الرسول والرسالة في يوم واحد . ولعظمة هذا اليوم لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون احتفاله فيه سنوياً أو شهرياً، بل أراده احتفالاً أسبوعياً يعيش فيه عظمة منَّة الله عليه في ولادته وبعثته ، وعظمة منَّة الله تعالى على الخلق كافة بذلك .
 
فمن حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه : (...وسئل صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين؟ قال : فذاك يوم ولدت فيه ، ويوم بعثت أو أنزل عليَّ فيه) . مسلم (1162).
وحين نحتفل كما يحتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المناسبة الأسبوعية الخالدة ، يجب أن لا تغيب عنا ونحن نصوم هذا اليوم من كل أسبوع هذه المعاني التي لم تغب لحظةً عن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 
الشكر لله العظيم ، والاحتفال العظيم بمولد الرسول ومولد الرسالة ، وأن تعمَّنا الفرحة ونحن نصوم لأن هذا الصيام سينتهي بفرحتين عند الإفطار. (للصائم فرحتان ، فرحة عند إفطاره ، وفرحة عند لقاء ربه) .
 
فهل يحيا يوم الاثنين في قلوبنا كما كان يحيا في قلب سيد الخلق عليه الصلاة والسلام شكراً لله رب العالمين الذي منَّ فيه على البشرية بميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وميلاد رسالته وبعثته .
 
 
2 ـ ويُعطي ابن عباس رضي الله عنهما ليوم الاثنين أبعاداً أكثر من ذلك إضافة إلى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ومولد رسالته . (ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ، واستنبئ يوم الاثنين ، وتوفي يوم الاثنين ، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين )أخرجه أحمد 1/277.
 
3 ـ وحين نعجز عن الاحتفال الأسبوعي بيوم الاثنين من خلال صيامه ، والحياة بمعانيه الآنفة الذكر ، فلا أقل من أن يبقى احتفالنا الشهري بيوم الاثنين من كل شهر ، حتى تبقى هذه المعاني حيَّة في أذهاننا : الولادة ، والبعثة ، والهجرة ، الوفاء ، رفع الحجر الأسود .
 
4 ـ وحين يفوتنا هذا الاحتفال الشهري ، فليكن الاحتفال السنوي فيه على أقل تقدير ، وقد قست قلوبنا وغابت هذه المعاني من حياتنا .
وإذا احتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيوم مولده وبعثته أسبوعياً فلا أقل من أن نحتفل نحن سنوياً بهذه المعاني.
 
1 ـ عام الفيل ، 2 ـ الثاني عشر من ربيع الأول ، 3ـ المعراج إلى السماء 4ـ الهجرة ،5ـ الوفاة .
(ومن حديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهما أنهما قالا : ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول ، وفيه عُرج به إلى السماء ، وفيه هاجر ، وفيه مات) .
هذا هو المشهور عند الجمهور، والله أعلم.
 
ففي ربيع الأول من كل عام تحتشد هذه الذكريات العظيمة الخالدة في تاريخ هذه الأمة.
 
1 ـ عام الفيل : وقد خلده الله تعالى بكتابه ، وجعله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة . في سورة خاصَّة به ، سورة الفيل : [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ(1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ(2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ(3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ(4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ(5) ]. {الفيل}. وفي سورة قريش: [لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ(1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ(2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ(3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ(4) ]. {قريش}. ..
 
وهل أعظم من هذه المنة ، حماية الكعبة من عدوِّ الله أبرهة ، ومقتل أعدائنا أعداء الله بلا استثناء ، واستمرار هذه المنة إلى اليوم ، الإطعام من الجوع ، والأمن من الخوف ، وهذا الذي نفتقده في عالمنا المعاصر حيث يعيش أكثر من ثلث أمتنا تحت خط الفقر ، وتعيش كل شعوبنا الرعب الدائم عوضاً عن الأمن ، خوفاً من الحكام المستبدِّين الذين يضعون رقابتهم على حلوقنا وعلى أنفاسنا.
 
2 ـ الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول : الولادة .
أوليس من حقنا أن نحتفل هذا الاحتفال السنوي فيما منَّ الله علينا وعلى البشرية بهذه الولادة ، التي ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسراراً من أسرارها العظمى .
(فمن حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال : قلت يا نبي الله ما كان أول بدء أمرك؟ قال : دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ، ورأت أمي نوراً أضاءت منه قصور الشام) أخرجه أحمد في المسند 5 : 262 ... وغيره .
فميلاده صلى الله عليه وسلم مع أبيه إبراهيم بعد أن أقام قواعد البيت :[رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ] {البقرة:129} .
 
وميلاده صلى الله عليه وسلم مع رسالته عيسى بن مريم :[وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ] {الصَّف:6} .
 
ورأت أمي نوراً أضاءت منه قصور الشام. فالنور إذن مع الميلاد الذي مضى إلى الشام ليخرجها من الظلمات إلى النور ، وذلك حيث تحوَّل هذا النور بعد إلى دخول الشام كلها في الإسلام.
 
3 ـ بل تمتد الآفاق والآماد أبعد وأبعد إذ كان ميلاده في أمِّ الكتاب قبل آدم كما في الحديث الآخر :عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إني عند الله في أم الكتاب لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وسأنبئكم بتأويل ذلك : دعوة أبي إبراهيم ، وبشارة عيسى قومه ، ورؤيا أمي التي رأت أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام ، وكذلك ترى أمهات النبيين). أخرجه أحمد 4/127 ، 128 (وينظر : صحيح السيرة النبوية ، ص25).
 
4 ـ وقد صاغ العباس رضي الله عنه هذه المعاني شعراً في غزوة تبوك ما أحرانا أن نعيشها على الأقل كل عام كما رواه الحافظ البيهقي عن حميد بن منهب قال : سمعت جدي خريج بن أوس يقول : هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك ، فسمعت العباس بن عبد المطلب يقول : يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل لا يفضض الله فاك
 
فقال :
 
       من قبلها طبتَ في الظلال            وفي مستودع حيث يُخصف الورق (في الجنة)
ثم هبطت البلاد لا بشر أنت           ولا مُضْغَةٌ ولا عَلَق ( في صلب آدم)
  بل نطفة تركب السفين وقد           ألجم نَسْراً وأهله الغرق( في صلب نوح)
               ووردت نار الخليل مُكتتماً               تجول فيها ولست تحترق ( في صلب إبراهيم)
                تنقَّل من صالب إلى رحم               إذا مضى عالم بدا طبق (وتقلبك في الساجدين).
وأنت لما وُلدتَ أشرقت الأر            ض وضَاءَت بنورك الأفق
ونحنًُ في ذلك الضياء وفي الن      ور وسُبْل الرشاد نخترق
 
(البداية والنهاية لابن كثير 3/25)
 
فنحن إذن نعيش في ذلك الضياء، وذلك النور منذ إطلال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الوجود ، ونخترق في سبل الرشاد التي جئتنا بها .
 
البعثة :
5ـ ونحن نحتفل بها كل عام فنصوم رمضان من كل سنة كاملاً شكراً لله عز وجل على ما أنزل فيه من الفرقان على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
 
[شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ....] {البقرة:185} .
 
الهجرة:
6ـ وقد تطابقت الهجرة والولادة في اليوم والشهر ، في يوم الاثنين ، وفي شهر ربيع الأول فهما حدثان ضخمان اختار المسلمون ثانيها ليكون بداية تاريخ هذه الأمة :[لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ] {التوبة:108} .
ولكننا نحتفل بالهجرة في المحرم الذي اختاره المسلمون ليعرفه الناس (منصرف الناس من الحج)، لكن الاحتفال الفعلي والهجرة الفعلية في شهر ربيع الأول.
 
الوفاة :
7ـ وفي ذكرى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تطابق اليوم والشهر كذلك كان أعظم حدثين في تاريخ هذه الأمة.
الأول : حفظُ الأمة عن الشرك إلى قيام الساعة : (إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم هذه ورضي ما تحتقرون به من أعمالكم).
 
وذلك عندما وقف الصديق رضي الله عنه يعلن للدنيا ألوهية رب العزة جل جلاله وعبودية سيد خلقه بقوله : (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ) .
 
والحدث ا لضخم الثاني هو وحدة الأمة على مرِّ العصور واقعاً أو أملاً ، فقد اختار المسلمون إجماعهم على خليفةٍ يجمعهم ، على تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثنا سعيد بن زيد عن الزهيري قال : قال عمرو بن حريق لسعيد بن زيد : أشهدت وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . قال : فمتى بويع أبو بكر ؟ قال : يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم : كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة ، قال : فخالف عليه أحد ؟ قال : لا إلا مرتد أو من قد كاد أن يرتد.
 
المعراج إلى السماء
8ـ وقد تواضع المسلمون أن يحتفلوا فيه في السابع والعشرين من رجب ، وهو أعظم ما كرم به مخلوق على وجه الأرض ، والذي حلُم به موسى عليه الصلاة والسلام ، وأُعطيه الرسول صلوات الله وسلامه عليه ، أن يرى ربه ، ويجوب آفاق الوجود كله بصحبة جبريل القوي الأمين.
 
رفع الحجر الأسود :
9ـ وهو الذي حفظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدة قريش .
ثم مضت هذه الوحدة لتشمل الأمة إلى يوم القيامة (الأئمة في قريش) ، لكن الثوب التي تجتمع الأمة به من كل أطرافها وأقطارها هو ـ ثوب الإسلام ـ وهو حبل الله : [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ] {آل عمران:103} .
 
وثلاث مناسبات عظمى بالتأكيد كُنَّ في يوم الاثنين ، وفي شهر ربيع الأول.
وهي : (المولد) : كما في حديث ابن عباس في (عام الفيل) يوم الاثنين من شهر ربيع الأول.
(الهجرة) : فعن الزهري قال : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، الطبري 2/6
 
(الوفاة) : وقال عروة بن الزبير في مغازيه ، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب الزهري :
لما اشتدَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، أرسلت عائشة إلى أبي بكر ، وأرسلت حفصة إلى عمر ، وأرسلت فاطمة إلى علي ، فلم يجتمعوا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في صدر عائشة وفي يومها ، يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال ربيع الأول ...
 
وقال البيهقي ... عن سليمان بن صرخان التيمي ... وكانت وفاته عليه السلام لليلتين خلتا من ربيع الأول ...
وقال محمد بن إسحاق : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول في اليوم الذي قدم فيه مهاجراً ، البداية والنهاية لابن كثير 5/224
فهل يتسع شهر ربيع الأول ربيع الوجود للمعيشة في هذه المعاني العظيمة الخالدة لهذه المناسبات الثلاث؟
 
قال السهيلي شارح السيرة النبوية:
 
يقول لنا لسانُ الحالِ فيــــــــــــه          وقولُ الحق يعذُب للسميع
فوجهي والزمان وشهر وضعي            ربيعٌ في ربيعٍ في ربيــــــــــعِ
 
سُبل الهدى والرشاد للصالحي 1/402.