هناك تفسير للقرآن الكريم بالرأي محمود وهناك تفسير مذموم

البعض في كتاباته ينسب لعلماء الأمة وطلبة العلم أقوالًا مكذوبة ليس لها أي مرجع علمي معتمد ، بهدف الإساءة لهم وإظهار نفسه أنه يدعو لحرية الفكر والتجديد ، وأنه يفهم القرآن فهماً يساير كل المتغيرات حتى لو كانت تخالف عقائد الإسلام وثوابته ، وحتى لو خالفت المقطوع به من أحكام الشريعة الإسلامية الغراء ، فيردد على متابعيه كلاماً زائفاً لم يصدر من عالم موثوق بعلمه سواء كان من المتقدمين أو من المعاصرين فيقول لقرائه انظروا ماذا يقول هؤلاء الذين يمنعوننا من تفسير القرآن وفق فهمنا واجتهادنا : ( احذروا التفسير بالرأي، فهو خطير ومخيف ومرعب ، إن المفسرين بالرأي يعذبون في جهنم لقولهم على الله بغير علم ) .

ولو بحثت في جميع كتب علماء الإسلام فإنك لن تجد لهذا الكلام أي أثر ، وإنما هو تدليس عليهم وافتراء .

وقد بيّن العلماء الذين كتبوا في أصول التفسير وقواعده ، وكذلك في كتب علوم القرآن الكريم أنواع التفسير بالرأي ، ووضحوا ضوابطه وأنه منه ما هو تفسير محمود ، ومنه ما هو تفسير مذموم ، قال العلامة الزرقاني رحمه الله تعالى في كتابه " مناهل العرفان في علوم القرآن " :

( فالتفسير بالرأي الجائز يجب أن يلاحظ فيه الاعتماد على ما نقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه مما ينير السبيل للمفسر برأيه ، وأن يكون صاحبه عارفا بقوانين اللغة ، خبيرا بأساليبها ، وأن يكون بصيرا بقانون الشريعة ؛ حتى ينزل كلام الله على المعروف من تشريعه ) .

وأما الذي لا يجوز من ذلك ؛ فهو التفسير بالرأي المذموم ، وهذا عندما يفسر القرآن الكريم ممن لا تتوفر عنده المعرفة بالمعنى اللغوي ، ولا للمعنى الشرعي ، فإذا أراد أن يفسر آية من آيات القرآن فإنه بذلك يتقول على الله تعالى قولا بلا علم ، فيكون بذلك آثما ، لأن الله حرّم علينا أن نقول عليه ما لا نعلم قال الله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )[ الأعراف : 33 ] ، فأي إنسان يفسر القرآن بغير علم فإنه يقول على الله ما لا يعلم ، وهو مشمول بهذه الآية الكريمة.

ومن الأساليب الماكرة التي يغطون بها تفسيراتهم الباطلة ويخدعون بها الناس يقولون : إننا عندما نفسر القرآن حسب أفهامنا فإننا بذلك ننفذ أمر الله تعالى ، فقد أمرنا بتدبر القرآن وفهمه وهو القائل : ( كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ) ، وهذا قول حق أريد به باطل ، فتدبر القرآن مطلوب من كل مؤمن يقرأ كتاب الله تعالى ، ولكن هذا التدبر ينبغي أن يكون وفق أسس علمية ومنهج منضبط ، وبدون اتباع هذه الأسس فإنه سيؤدي الى فوضى هائلة ، لأن جميع العقلاء اتفقوا أن القرآن الكريم نص عربي بليغ ، ولابد أن تتوفر الآليات المناسبة لفهمه وأهمها إتقان اللغة العربية وأساليبها .

وهؤلاء يجيزون لأنفسهم تفسير القرآن وفق أهوائهم ومزاجهم وبما يخدم مشروعهم الفكري ويعتبرون ذلك حرية فكرية وتدبرًا مطلوباً : حتى ولو توصلوا إلى أحكام شاذة وتصورات ممجوجة ، ولو فعل غيرهم مثلما فعلوا وفسر القرآن حسب فهمه وتوصل إلى تصورات خاطئة مثل وجوب قتل الكفار أينما كانوا ، وفي أي حال سواء كانوا مسالمين أو معتدين انطلاقًا من فهمه لقول الله تعالى : ( فَٱقْتُلُواْ ٱلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَٱحْصُرُوهُمْ وَٱقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍۢ ) لوصفوه بالإرهاب وأنه يحمل فكراً تكفيرياً متشددًا ، مع أنه استعمل نفس الطريقة التي اتبعوها في تفسير القرآن وتدبره كما يزعمون ، وهذا أكبر دليل على بطلان هذه الدعاوى التي يحاولون ترويجها لتمرير أفكارهم التغريبية المستوردة.