نصائحُ للكُتَّاب

لا شكّ أن الكتابة فنٌ قائم بذاته، ولا شكّ أيضاً أنه ما كل أحد رام خَوْضَ غمار هذا الفن أنجح مسعاه وتحقق مأربُه، إذ بعضُ مَن تقحّمه لم يستجمع مقوّماتِ نجاحه، ويمتلك أدواته الضرورية. وأخطر ما ينطوي عليه فنّ الكتابة والإنشاء هو أن الكاتب، فيما يكتب، إنما يعرض قطعةً من عقله على الملأ، قائلاً لهم: اُحْكموا على عقلي. وقديماً، أشار عدد من الكتّاب والمؤلفين إلى هذه القضية في فن الكتابة. يقول يحيى بن خالد: "لا يزال الرجل في فُسحة من عقله ما لم يقل شعراً أو يصنّف كتاباً."(1) وبعبارة أخرى أوضح: "لا يزال المرء مستوراً، وفي مندوحة ما لم يصنع شعراً أو يؤلف كتاباً؛ لأن شعره تَرجُمانُ علمه، وتأليفَه عنوانُ عقله." (2)

ويقول الخطيب البغدادي: "من صنّف فقد جعل عقلَه على طبق يعرضه على الناس." (3)وقيل: "من صنّف كتاباً فقد استهدف؛ فإن أحسن فقد استعطف، وإن أساء فقد استقذف." (4) و"عقول الرجال في أطراف أقلامها."(5.)

وقيل للشعبيّ: أيّ شيء تعرف به عقلَ الرجل؟ قال: إذا كتب فأجاد.(6)

تجمع هذه المقالة أهم الشروط المطلوبة في نجاح الكتابة، لمن رغب أن يحذو حذو الكُتّاب الأفذاذ والمتميّزين.

أولاً: الإلمام بعلوم الآلة والاطّلاع على أدب العربية

ينبغي للكاتب، أيّاً كان الموضوع الذي يتناوله، أن يأخذ نفسه بقسط من علوم النحو والصرف واللغة بالمقدار الذي يؤهله أن يكتب كتابة سليمة لغوياً ونحوياً وصرفياً. وإذا جمع إلى هذا، اهتماماً- ولو قليلاً- بقراءة الأدب العربي: شعره ونشره، يزين به كلامه، ويهذب به ألفاظه، فبها ونعمت.

يقول ابن عبد ربه في كتابه (العقد الفريد): " فإنْ كان لا بُدّ لك من طَلَب أدوات الكِتابَة فتَصفّح من رسائل المُتقدّمين ما يُعتمد عليه، ومن رسائل المُتأخّرين ما يُرْجَع إليه، ومن نوادر الكلام ما تَستعين به، ومن الأشعار والأخبار والسِّير والأسمار ما يَتَّسع به مَنْطِقُك، ويطولُ به قَلَمك، وانظر في كتب المقامات والخُطب، ومُجاوبة العَرَب، ومعاني العجم، وحُدود المَنْطق، وأمْثال الفُرس ورسائلهم وعُهودهم وسَيرهم ووقائعهم ومَكايدهم في حُروبهم، والوَثائق والصُّور وكُتب السجلاّت والأمانات، وقَرْض الشِّعر الجَيِّد، وعِلْم العروض، بعد أن تكون مُتوسِّطاً في، علم النَّحو والغَريب، لتكون ماهراً تنتزعُ آيَ القرآن في مواضعها، والأمثالَ في أماكنها، فإنّ تَضْمين المَثل السائر، والبَيْت الغابر البارع، مما يزين كتابك.(7)"

و يقول أيضاً في موضع آخر: " فتخَيَّرْ من الألفاظ أرْجحَها لفظاً، وأجْزَلها معنى، وأشرفَها جوهراً، وأكرَمَها حسباً، وأليقها في مكانها، وأشكَلها في موضعها؛ فإن حاولت صَنعة رسالة فزِن اللَّفظة قبل أن تُخرجها بميزانِ التِّصريف إذا عَرضتْ، وعايرِ الكلمةَ بمعيارها إذا سنَحتْ، فإنه ربما مَرّ بك موضعٌ يكون مخرج الكلام إذا كتبتَ: ‹أنا فاعل› أحسنَ من أن تكتب: ‹أنا أفعل›، وموضع آخرُ يكون فيه: ‹استفعلت›، أحلى من: ‹فعلت›. فأدِرِ الكلامَ على أماكنه، وقلِّبه على جميع وُجوهه، فأيّ لَفظة رأيتَها أخفَّ في المكان الذي ندبتها إليه، وأنزعَ إلى الموضع الذي راودتها عليه، فأوْقِعْها فيه، ولا تجعل اللَفظة قَلِقةً في موضعها، نافرةً عن مكانها، فإنك متى فعلت هجّنت الموضعَ الذي حاولت تَحسينه، وأفسدتَ المكان الذي أردت إصلاحه؛ فإنَّ وضْعَ الألفاظ في غير أماكنها، وقَصْدَك بها إلى غير مصابها، وإنما هو كتَرْقيع الثوب الذي لم تتشابه رقاعُه، ولم تتقارب أجزاؤه، فخرج من حَدّ الجدّة، وتغيّر حُسْنُه، كما قال الشاعر:

إنّ الجديدَ إذا ما زيد في خَلَقٍ... تَبَيَّنَ الناسُ أنّ الثوبَ مَرْقوعُ

وكذلك كلما احلولى الكلامُ وعَذُب وراق وسَهُلت مخارجه كان أسهلَ وُلوجاً في الأسماع، وأشدّ اتصالاً بالقُلوب، وأخفّ على الأفواه؛ لا سيّما إذا كان المعنى البديع مُترجَماً بلفظ مِونِق شريف، ومُعايَراً بكلامٍ عَذْب لم يَسِمْه التكليف بميسمه، ولم يُفسده التّعقيد باستغلاقه." (8)

ويقول الجاحظ: "ينبغي للكاتب أن يكون رقيق حواشي اللسان، عذب ينابيع البيان، إذا حاور سدَّدَ سهْمَ الصواب إلى غرض المعنى، لا يكلّم العامّةَ بكلام الخاصّة، ولا الخاصّةَ بكلام العامّة." (9)

وإن لم يكن الكاتب ممن يحسنون هذا الشرط-وما أكثرهم في هذا الزمان- فأضعفُ الإيمان أن يعهد بالكتاب بعد الفراغ منه إلى خبير باللغة العربية للتقويم والتصحيح والتحرير، قبل الانتقال إلى المرحلة اللاحقة وهي الإخراج ثم الطباعة.

ثانياً التنقيح والدّقة والإتقان

ورد في حديث شريف: «إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» (10) ويقول فرانسيس بيكون: قمْ بأداء عملك بذكاء وعلى نحو رائع وستصبح من الصفوة التي تتربع على القمّة.

لا أعتقد أن أحداً يمكن أن يناقش في صواب هذا الشرط وأهميته الكبرى في أي عمل يقوم به مهما كان هذا العمل قليل الشأن، ضئيل المنزلة. وهو في الكتابة أعظم خطراً وأعلى شأناً. لأن الكتاب هو قطعة من المؤلف انفصلت عنه، وأصبحت متاحة لكل البشر، في كل مكان. والكتاب يعكس صورة صادقة عن نفسية وفكر وعقل مؤلفه، كما أشرنا سابقاً. وبمقدار ما يستفرغ فيه المؤلفُ طاقتَه وجهده ليكون أتقن وأدقّ ما يمكن، يتضح هذا الجهد للقارىء.

ويحدثنا الجاحظ عن سبيل إتقان الكتاب حديثاً ماتعاً، فيقول: " وينبغي لمن كَتبَ كتاباً ألا يكتُبَه إلاّ على أَنَّ النَّاس كلُّهم له أعداء، وكلّهم عالمٌ بالأمور، وكلُّهم متفرِّغ له، ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه غُفْلاً، ولا يرضى بالرأي الفطير، فإنَّ لابتداءِ الكتابِ فتنةً وعُجباً، فإذا سكنت الطبيعةُ وهدأت الحركة، وتراجَعَتِ الأخلاطُ، وعادت النفسُ وافرةً، أعاد النَّظر فيه، فَيَتَوَقَّفُ عند فصوله توقُّفَ من يكونُ وزنُ طمَعِه في السلامةَ أنقَصَ من وزَنِ خوفِه من العيب، ويتفهَّم معنى قول الشاعر:

إنَّ الحديثَ تَغُرُّ القومَ خلوتُه... حتَّى يَلِجَّ بهم عِيٌّ وإكثارُ

ويقفُ عند قولهم في المثل: «كلُّ مُجْرٍ في الخَلاءِ يُسَرُّ» (11) فيخاف أن يعتريه ما اعترى مَنْ أجرى فرسه وحدَه، أو خلا بعلمه عند فقدِ خصومه، وأهل المنزلة من أهل صناعته." (12)

ثالثاً: عينٌ خارجية

كتب جعفر بن يحيى إلى بعض عمّاله، وقد وقف على سهوٍ في كتاب ورد منه: "اتّخذْ كاتباً متصفِّحاً لكُتبك، فإنَّ المؤلف للكتاب تنازعه أمورٌ، وتعتوره صروفٌ، تشغل قلبَه وتشعّب فكرَه، من كلام ينسِّقه، وتأليف ينظِّمه، ومعنىً يتعلق به يشرحه، وحجّة يوضّحها. والمتصفّح للكتاب أبصرُ بمواضع الخلل من مبتدي تأليفه."(13)

إن هذا الشرط من الأهمية بمكان، فالمؤلف مهما حاول تصحيح الكتاب وتجاربه الطباعية فهو- في الأعمّ الأغلب- يقرأ من ذاكرته ومن حفظه، لا من الكتاب نفسه، فيمر به الخطأ تلو الخطأ ولا يراه ظناً منه أنه صواب. أما العين الخارجية فتقرأ من الكتاب نفسه، وتركز على ما هو موجود أمامها فقط.

رابعاً: خير الكلام ما قلّ ودلّ

يقول الجاحظ: "وليُعلَم أنَّ صاحبَ القلم يعتريه ما يعتري المؤدِّبَ عند ضربه وعقابه، فما أكثر من يَعزمِ على خمسةِ أسواط فيضرب مائة! لأنَّه ابتدأ الضربَ وهو ساكنُ الطباع، فأراه السكونُ أنَّ الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرَّك دمُه، فأشاع فيه الحرارةَ فزادَ في غضبه، فأراه الغضبُ أنّ الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم؛ فما أكثرَ من يبتدئ الكتابَ وهو يُريد مقدارَ سطرين، فيكتب عشرة، والحفظُ مع الإقلال أمكَن، وهو مع الإكثار أبعَدُ."(14)

وختاماً يحسن أن نورد تقسيماً لطيفاً لأنواع الكُتَّاب، على لسان عميد الرؤساء، محمد بن أيوب المَراتبي، المتوفى عام 448هـ. حيث يقول: " الكُتَّاب سبعة: فأولهم: الكامل، وهو الذي يُنشِئ ويُملي ويكتب. والثاني: الأعزل، وهو الذي ينشئ ويملى ولا يكتب خطّاً رائقاً. والثالث: الُمبهِم، وهو الذي يكتب خطاً مليحاً ولا يد له في إنشاء ولا إملاء. والرابع: الرُّقاعي، وهو الذي يبلغ حاجته في رُقعة يكتبها ولا حظَّ له في طول نفس وتنوع في معان. والخامس: الُمخبَّل، وهو الذي له حفظٌ ورواية ولا حظَّ له في إنشاء كتاب؛ فإذا كان عاقلاً صلح أن يكون نديماً للملوك. والسادس الُمخلِّط، وهو الذي يأتي فيما ينشئه بدُرَّة وبَعْرة، يقرن بينهما فيُذهب رونقَ ما ينشئه. والسابع: السُكَّيْت،(15) يشبَّه بالمتأخر في الحَلْبة وربما جهد نفسه فأتى بعد اللتيا والتي بمعنى يفهَم.(16)

الحواشي

1 "معجم الأدباء" لياقوت الحموي 1/11 تحقيق إحسان عباس، دار الغرب- بيروت 1993م.

2 "العمدة في صناعة الشعر ونقده" لابن رشيق القيرواني 1/181 تحقيق النبوي عبد الواحد شعلان. نشر الخانجي: القاهرة 2000م.

3 "سير أعلام النبلاء"، للذهبي 18/ 281. تحقيق فئة من الباحثين، دار الرسالة: دمشق ط 10، 1994 م.

4 ينسب للجاحظ كما في "زهر الآداب" للحصْري 1/ 183 تعليق زكي مبارك، نشر دار الجيل: بيروت ط 4؛ و"العمدة في صناعة الشعر ونقده" 1/181.

5 "عيون الأخبار" لابن قتيبة 1/ 107 نشر دار الكتب العلمية: بيروت.

6 "العقد الفريد" لابن عبد ربه 4/174 دار الكتاب العربي: بيروت 1983م.

7 "العقد الفريد" 4/175.

8 "العقد الفريد" 4/186-187.

9 نقله ياقوت في "معجم الأدباء" 5/2108.

10 "فيض القدير" للمناوي 2/ 286 دار المعرفة: بيروت 1972م.

11 أصله أن الرجل يُجري فرسَه بالمكان الخالي لا مسابق له فيه، فهو مسرور بما يرى من فرسه ولا يرى ما عند غيره، يضرب مثلاً للرجل تكون فيه الخـلة يحمدها من نفسه ولا يشعر بما في الناس من الفضائل. أمالي القالي 2/89 نشر دار الجيل ودار الآفاق الجديدة: بيروت 1987م.

12 "الحيوان" للجاجظ 1/88 تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل-بيروت1996 م. ويقول في موضع آخر من كتابه الحيوان بعد استشهاده بالبيت وبالمثل: "وأنَا أعوذُ باللّه أنْ أُغَرَّ من نفسي، عند غَيبةِ خَصمي، وتصفّحِ العلماءِ لكلامي، فإني أعلم أن فِتنةَ اللسانِ والقلم، أشدُّ من فِتنة النساء، والحرص على المال." 4/208.

13 "معجم الأدباء" 1/11.

14 "الحيوان" 1/88-89.

15 هو آخر خيل الحلبة في السباق. انظر تاج العروس، مادة (سكت).

16 "الوافي بالوفيات"، لخليل بن أيبك الصفدي 2/235 نشر فرانتس شتاينر- ألمانيا. 1962-1997؛ و"سير أعلام النبلاء"، للذهبي 18/ 46-47 تحقيق فئة من العلماء. دار الرسالة- دمشق 1988، و"أخلاق الوزيرين" لأبي حيان التوحيدي 137، تحقيق محمد بن تاويت الطنجي، نشر دار صادر: بيروت 1992م.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين