ملحمة بدر الكبرى

كانت بدر ولا تزال وستظل حتى يرث الله الأرض ومن عليها ملحمةً ضخمة هائلة من معارك الإيمان وملاحمه، بل أولى هذه المعارك والملاحم، وأكثرها أهمية وأعظمها أثراً، ولا غرابة في ذلك فهي أول معركة وقعت بين كتيبة الإيمان وكتيبة الجاهلية.

إذا حلت بالمسلمين الهزائم طفقوا يتلفتون صوب تاريخهم يبحثون فيه عمّا يشد أزرهم، ويقوّي همتهم، ويعدهم بالأمل، وحين يفعلون ذلك يجدون معركة بدر في طليعة المعارك التي تقدم لهم ذلك الزاد كله، وتهيئ لهم كل الذي يرجون من فاعلية.

وإذا حققوا النصر، وفازوا بالغلبة، سرى منهم تاريخهم البطل مسرى الدم في العروق يملؤهم بالمجد، ويمدهم باليقين، ويحدوهم لمزيد من النصر والفوز والغلبة، وفي مقدمة تاريخهم البطل تقف معركة بدر ترسم لهم معالم الطريق، وتهتف بهم أن يحققوا مزيداً من التفوق الإيماني، وتهيب بهم أن يكونوا بالإسلام -ومن أجل الحق وحده- السادة الكرام، والقادة الأمجاد الميامين.

لقد كانت مواقف الصحابة الكرام في بدر، وهم رأس حَرْبَةِ البطولة في التاريخ الإسلامي كله، مواقف أندى من قطرات الماء في يوم الصيف اللاهب، وأعبق من شذا الريحان والمسك والعنبر، ولا غرابة فهي موصولة الأسباب بالحق المبين، وثيقة العرى بهدي السماء.

في بدر سال دمان مختلفان، دمٌ مؤمن يسعى للخير وينشر النور والحق، ودمٌ كافر يعمل للشر ويحالف الظلام والباطل. وإذا سال هذان الدمان جفّت جذور الجاهلية، وصوّح نبتُها، أما شجرة الإيمان فقد نمت واخضوضرت وأزهرت:

جفّت جذورُ الجاهليةِ وارتوى=هذا النباتُ الناضرُ المسترشحُ

طفق الثرى من حولها لمّا ارتوى=من ذَوْبِ مهجتها يجفُّ ويَبْلَحُ

ومن الدم المسفوك رِجْسٌ موبقٌ=ومطهِّرٌ يلدُ الحياةَ ويلقحُ(1)

أيتها الذكرى العظيمة الكبيرة!.. يا ذكرى بدر التي سمت وعظمت!.. ما أروع أن نستظل ببستانك الوارف الفينان!.. ونحن اليوم تنوشنا ذئاب اليهودية والصليبية والشيوعية والوثنية، ليكون لنا من ذلك غوث نفسي، ومدد روحي، وهمّة وعزيمة، وجهاد صادق لا يهدأ، حتى يكون لنا النصر بإذن الله، يصنعه قدر الله الغالب بأيدٍ مؤمنة متوضئة، لرجال كرام عظام، يصوغون مواقف كريمة عظيمة.

إن الرجال القلائل الذين وقفوا يوم بدر جياعاً عراةً مهازيل، هم أول كتيبة من جند الإسلام بدأت بتفوقها الإيماني الكاسح تصوغ مواقف الجيل القرآني العملاق الذي أحدث أكبر تغيير للأحسن في تاريخ البشرية:

هم في حِمى الإيمانِ أولُ صخرةٍ=فَسَلِ الصخورَ أمَا عَرَفْنَ قواها

حملتْ جبالَ الحقِّ في دنيا الهدى=بيضاً شواهقَ ما تُنالُ ذراها

شهداءَ بدرٍ أنتمُ المثلُ الذي= بلغ المدى بعد المدى فتناهى

علّمتمُ الناسَ الكفاحَ فأقبلوا=ملءَ الحوادثِ يدفعونَ أذاها(2)

يا أهل بدر!.. ما أكرمكم من رجال!.. وما أعظمكم من أبطال!.. وما أحرانا أن نتأسّى بكم!.. ونحن اليوم نرجو أن نجاهد كما كنتم تجاهدون، نقتبس من بطولتكم، ونستضيء بمواقفكم، عسى أن يُكتب لنا النصر المبين.

لقد غلبتم كتيبة الجاهلية يوم غلبتم في أنفسكم دواعي القعود، واستعليتم على متاع الدنيا. هزمتم مشركي قريش يوم هزمتم في أعماقكم كل خوف وطمع وضعف:

ما أكرمَ الأبطالَ حينَ تفيّؤوا=ظُلَلَ المنايا يبتغون جناها

راحوا من الدم في مطارفَ أشرقت=حُمْرُ الجراح بها فكُنَّ حِلاها

لو أنهم نُشِروا رأيتَ كلومَهم=تدمى كأنك في القتال تراها

هم عندَ ربكَ يُرزقونَ فحيِّهم=وصِفِ الحياة لأنفسٍ تهواها

اللهُ باركها ببدرٍ وقعةً=كلُّ الفتوحِ الغُرِّ من جدواها

منعتْ ذمارَ الحقِّ حينَ أثارها=وحمتْ لواءَ اللهِ حينَ دعاها

*****

(1) للشاعر أحمد محرم في ديوانه: مجد الإسلام.

(2) للشاعر أحمد محرم، في دوانه: مجد الإسلام.