مختصر تفسير ابن عاشور (14)

(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون) {14} بيان لعلامة نفاقهم بأنـهم يظهرون للمؤمنين خلاف ما يعلنونه إذا انفردوا بقادتـهم الموصوفين بالشياطين لإفسادهم، كما حكى سيبويه عن العرب (تشيطن فلان) إذا كثر شره وفساده، واشتقاقه عند الكوفيين من شاط إذا احترق ووزنه فعلان، وعند البصريين من شطن إذا بعد لأنه أبعد من رحمة الله فوزنه فيعال، وقيل فارسي معرب عن سَيطان.

وقولهم (إنما نحن مستهزءون) قصروا إيمانـهم على مجرد الاستهزاء لدفع توهم قادتـهم أنـهم آمنوا حقا بقولهم (آمنا) مع كونه غير مؤكد لعلمهم أن المؤمنين لا يصدقونـهم في دعوى الإيمان، في حين أكدوا لقادتـهم معيتهم لهم لإفادة الاهتمام بـها وعلم قادتـهم بصدقهم، ويحتمل أن قادتـهم لم يصدقوهم في دعوى المعية لإتقانـهم مظاهر النفاق، فعجبوا كيف أمكن لكم الجمع بين التظاهر بالإيمان والبقاء على الكفر؟ فأجابوا (إنما نحن مستهزءون) وقرأ أبو جعفر من غير همز، والاستهزاء السخرية وهي المعاملة باحتقار، فرد عليهم بالمقابلة بالمثل بجملة اعتراضية مستأنفة ولذا ترك فيها العطف فقال:

(الله يستهزئ بـهم ويمدهم في طغيانـهم يعمهون) {15} جوابا لسؤال مقدر: من يرد عليهم استهزاءهم ويقابل صنيعهم؟ ولهذا قدم اسم الجلالة على الخبر تعظيما له، وتنويها بشأن الـمُنتَصر لهم، والاستهزاء مجاز عن الإملاء لهم فيظنوا أنـهم سلموا من المؤاخذة، ويحتمل أنه حقيقة بأن يأمر من يستهزئ بـهم في الموقف عقوبة لهم، ويقويه ذكره بالمضارع المفيد للاستقبال وهو قول ابن عباس والحسن، وعند الجمهور أنه مجاز عن جزاء استهزائهم بالعذاب أو بالتحقير والإذلال، بناء على أن الاستهزاء لا يليق إسناده إلى الله حقيقة.

وعطف على الاستهزاء بـهم أنه (يمدهم في طغيانـهم) واشتقاقه من مد أو أمد وهو الزيادة، وعن يونس بن حبيب وأبي علي الفارسي أن (مد) في الشر و(أمد) في الخير، وعند الزجاج والواحدي أن أصله (يمد لهم) حذفت لام الجر واتصل الفعل بالمجرور على نزع الخافض، وذكر الزمخشري أن تعدية (مد) باللام يختص بالإمهال والزيادة في العمر.

والطغيان مبالغة في الطغي وهو الغلو في الشر والكبر، والعمه انطماس البصيرة، وإسناد المد لله إسناد خلق وتكوين لأصله، ثم هو ينمو ويزيد باستمرارهم عليه ولهذا أضاف الطغيان إليهم، فالمعنى إن الله يملي لهم فيزدادوا طغياناً لانطماس بصيرتـهم، وهو معنى استهزائه بـهم.

(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) الإشارة إلى (من يقول آمنا) أي: أولئك الذي يقولون آمنا اشتروا الضلالة بالهدى، وهو في مقابل (أولئك على هدى) واشترى بمعنى باع، ويطلق ابتاع واشترى على الآخذ، وباع وشرى على المعطي، وإنما أطلقه عليهم لأنـهم لزهدهم في الهدى وحرصهم على الضلالة، استبدلوها به كالمشتري، قال بشامة بن حزن:

إنا بني نـهشلٍ لا ندّعي لأبٍ...عنهُ ولا هوَ بالأبناءِ يشْرِينا

ومعنى اشترائهم واستبدالهم أنـهم يظهرون الإيمان لأهله، فإذا خلوا بشياطينهم طرحوه واستبدلوا الضلالة به فكانوا كمثل المشتري فهو استعارة تمثيلية، ولأن هذا الاستبدال خاسر لا ينفع وصفه بقوله:

(فما ربحت تجارتـهم وما كانوا مهتدين) {16} استعارة تمثيلية بتشبيه هيئة المنافقين في خسارتـهم حيث استبدلوا الهدى بالضلال، بـهيئة التجار الذين لم تربح تجارتـهم، وعطف عدم الربح والهداية على الاشتراء والاستبدال بالفاء لأنه علته وسببه، ولهذا أخر وصفهم بعدم الربح والاهتداء لخفائه فلا يظهر إلا بحصول أثره الذي هو الاشتراء والاستبدال، فكانوا كمن ضل طريقه فلم يـهتد، وقوله (وما كانوا مهتدين) يجري مجرى علة عدم ربحهم.

(مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) انتقال من التشبيه بالمعقول إلى التشبيه بالمحسوس لأن النفس إليه أميل، والكاف للتشبيه بدليل عدم الاستغناء عنها في (أو كصيب) خلافا للرضي وعبد الحكيم في أنـها زائدة، والمقصود تشبيه حال المنافقين في التظاهر بالإيمان الذي هو نور مع إقامتهم على الضلال بحال من أوقد ناراً.

(فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم) أي فلما أضاءت النار الجهات التي حوله باشتعالها وكثرة ضوئها (ذهب الله بنورهم) رجوع إلى الغرض الأصلي وهو انطماس نور الإيمان عند المنافقين فالمعنى أذهب نور الإيمان من قلوبـهم، فروعي في التشبيه حال المنافقين لا حال المشبه به، ولهذا لم يقل (ذهب بنوره) وعدل عن النار إلى النور انتقالا من التمثيل إلى الحقيقة إذ المقصود ذهاب نور الإيمان، وهذا إيجاز بديع لا عهد لفصحاء العرب به.

و(لما) حرف وجود لوجود يدل على حصول الجواب بوقوع شرطه، فذهاب نورهم جواب شرط (لما) الذي هو (أضاءت) وجوز الزمخشري أن تكون جملة (ذهب الله بنورهم) استئنافية ويكون التمثيل قد انتهى عند (أضاءت ما حوله) وحذف جواب (لما) لدلالة الجملة الاستئنافية عليه أي: فلما أضاءت ما حوله انطفأت، وأسند ذهاب نورهم لله لأنه حصل بلا سبب على عادة العرب في إسناد ما لم يتضح سببه لله.

(وتركهم في ظلمات لا يبصرون) {17} تصوير لما آل إليه حالهم من الإغراق في الضلال بانغماسهم في ظلماته إلى حد لا يعودون معه إلى الاستنارة بالهدى ولهذا جمع ظلمات دلالة على مبلغ ضلالهم ولأنـها ثلاثة ظلمات الكذب والكفر والاستهزاء، فكانوا كمن فارق الهدى إذ حقيقية الترك مفارقة شيء كان مقارنا، ويحتمل أنه يكون مجازاً بمعنى صير لتحقيرهم كقول النابغة:

فلا تتركنّـي بالوعيد كأنني.....إلى الناس مطليٌّ به القارُ أجربُ

ووجه الشبه ظهور أمر نافع منهم وهو نور الإسلام الذي ادعوه، ثم انعدامه قبل الانتفاع به فيرجعون إلى ظلمة الكفر، ويزدادون من ظلمته بإقامتهم على النفاق، كمن يوقد ناراً ليستضيء بنورها، فإذا انطفأت ازداد ظلمة أكثر، وحذف مفعول (لا يبصرون) لتعميم النفي أي: لا إحساس بالبصر عندهم.

(صم بكم عمي فهم لا يرجعون) {18} أي: هم صم، وحذف المسند للدلالة على مبلغ صممهم وعميهم وبكمهم، والمراد اتصاف كل واحد منهم بـهذه الثلاثة لا أن بعضهم أصم وبعضهم أعمى وبعضهم أبكم، والصمم انعدام السمع والبكم انعدام النطق والعمى انعدام البصر، وشأن من اتصف بذلك انعدام الفهم فيه فيتعذر معه رجوعه عن الكفر.