مختصر تفسير ابن عاشور (12)

(إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتـهم أم لم تنذرهم) انتقال من وصف من اهتدى بالقران إلى وصف من أعرض عن هديه، ولهذا قطع الجملتين لاختلاف حال الفريقين، وتأكيد الفصل بــ(إن) للاهتمام بالحال، ورد الشك في إيمان من أيس من إيمانـهم من رؤوس الكفر كأبي جهل ونحوه فالتعريف بالموصول للعهد، وليس الفصل بـ(إن) لإنكار إيمانـهم لما قرره المبرد أن (إن) لرد الشك لا لرد الإنكار.

وقيل التعريف للجنس فيعم كل مشرك وعليه فهو من العام الذي أريد به الخصوص لأن منهم من آمن كأبي سفيان وغيره، وقيل إن (الذين كفروا) رؤوس اليهود والمنافقون كحيي بن أخطب وابن أبي إذ لا كافر بالمدينة غيرهم وقت نزولها، وهو خلاف السياق المقصود به عموم من أعرض عن هدي القران، وعن ابن عباس أن المقصود جنس لا يرجى إيمانـهم وهو الراجح.

والكفر بالضم إخفاء النعمة وبالفتح الستر سمي به إنكار الرب وشرائع أنبيائه لأنه ضرب من إخفاء النعمة، وحكى ابن راشد عن الأشعري أن الكفر خصلة واحدة، وذهب الباقلاني إلى أنه يكون بثلاثة أشياء، الجهل بالله وصفاته، أو فعل وقول ما أخبر الله ورسوله وأجمع المؤمنون عليه أنه كفر كالسجود لغير الله، أو فعل وقول ما يدل على الجهل بالله.

و(سواء) تستعمل بمعنى التساوي في وصف متعدد كقول بثينة:

سواء علينا يا جميل بن معمر....إذا متَّ بأساءُ الحياة ولينُها

وأكثر استعمالاتـها مع همزة التسوية و(أم) المتصلة، وتعرب خبراً مقدماً والمصدر المؤول من الفعل المقترن بالهمزة في محل رفع مبتدأ، والتقدير سواء عليهم إنذارك وعدمه، والمعنى أنـهم لا يؤمنون لاستواء النذارة وعدمها عندهم، ويحتمل أن (سواء) بمعنى مستو فيكون مبتدأ رفع فاعلا سد مسد الخبر، كأنه قيل لهم: كيف لم يؤمنوا مع إنذارهم؟ فأجيب: لاستواء النذارة وعدمها في حقهم، وعبر عن الاستواء في حقهم بالاستعلاء لتمكنه منهم.

وقرأ ابن كثير بتسهيل الهمزة الثانية وتحقيق الأولى، وقرأ نافع وأبو عمرو وأبو جعفر بألف بينهما لغة الحجاز، وقرأ الكسائي وحمزة وعاصم بتحقيقهما لغة تميم، وروى المصريون عن ورش بإبدال الثانية ألفا ولحّنه الزمخشري.

(لا يؤمنون) خبر ثان لــ(إن) وجملة (سواء عليهم..) خبر أول خلافا للزمخشري في عدها جملة اعتراضية و(لا يؤمنون) خبر (إن) لأن المعنى والحال هذه (إن الذين كفروا لا يؤمنون) وهو تحصيل الحاصل، إذ ليس المراد الإخبار عن عدم إيمانـهم، بل المقصود الإخبار بسببه وهو استواء النذارة وعدمها.

واحتج بـها من جوز التكليف بما لا يطاق من جهة تكليفهم بالإيمان مع علمه بأنـهم لا يؤمنون، وأجيب بأن إيمانـهم ممكن والإخبار بعدم وقوعه لا يلزم منه العدم الذاتي وإنما يقتضي العدم بالغير، فعدم إيمانـهم لاستواء النذارة وعدمها عندهم لا لاستحالة وقوعه منهم.

(ختم الله على قلوبـهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشوة ولهم عذاب عظيم) تعليل لدفع التعجب من عدم إيمانـهم باستواء الإنذار وعدمه عندهم، والختم السد والغلق لحبس الشيء، والغشاوة حجب الشيء بغطاء، وحكى ابن عطية عن بعض المفسرين أن الختم والغشاوة على حقيقتهما، والأكثر على أنه استعارة بتشبيه عدم انتفاع عقولهم بما وعته، وأسماعهم بما أصغت إليه، وأبصارهم بما تشاهده من الحق، كأنـها مختوم ومغشي عليها.

والمراد بالقلب العقل ومحله الدماغ والقلب يمده بقوة الإدراك، وإفراد السمع لاتحاده وعدم تفاوته بخلاف القلوب والأبصار فإنـها متعددة متفاوتة، ولما كان الختم والغشاوة واقعين بقدر الله أسنده إليه، فهو حجة لأهل السنة على أن عموم أفعال العباد مخلوقة لله، خلافا للمعتزلة في نفي خلق الشر له، وللقدرية في نفي الكل عنه، لا يقال يلزم نسبة وجود الفساد له ورضاه به؟ لأنه مندفع بأنه بعد أن خلق في العبد القدرة على فعل الخير والشر، بين له طريقهما ونـهاه عن الشر وأمره بالخير، وإنما كرر الجار للتأكيد على أن السمع مقصود بالختم لأهميته ولهذا قدمه على البصر.

والعذاب الألم أصله أعذب إذا أزال العذوبة وهي حلاوة العيش، وعند السكاكي أن وصفه بالعظيم تأكيد لما أفاده تنكيره من التعظيم، وتعقبه المصنف بأن التعظيم مستفاد من الوصف، وأما التنكير فإنه لبيان النوع لما تقرر أن دلالة الوصف على التأكيد وضعية فيستغنى بـها عن غير الوضعية كالتنكير.

(ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) عطف جملة على جملة لبيان حال المنافقين بمناسبة الاتفاق في الغرض وهو الكفر، ولخفاء هذا النوع ودفع توهم دخوله في (الذين يؤمنون) قبله، وقدم الخبر بقوله: (ومن الناس) تنبيها على عجيب أمرهم وتشويقا لمعرفة خبرهم أو لإفادة الجاهل بـهم علما بحالهم كقول ابن الزبير:

وفي الناس إن رَثَّتْ حِبالُكَ واصلٌ....وفي الأرض عن دار القِلى مُتَحَوَّلُ

والتعريف في الناس للجنس أو للعهد وهم: (الذين كفروا) أو المنافقون بالمدينة، وأومأ بقوله (يقول) إلى أن إيمانـهم غير مطابق للواقع وأكده بقوله: (وما هم بمؤمنين) والمعنى: من الناس من يقول آمنا حال كونـهم غير مؤمنين، واستعمل في نفي إيمانـهم الجملة الإسمية للاهتمام بنفي إيمانـهم ماضيا وحالا.

والإيمان التصديق وفي الاصطلاح الاعتقاد الجازم بما ثبت علمه من الدين بالضرورة، ونقله الشارع إلى تصديق خاص بالأركان الستة، وقد تنازع العلماء في ماهيته على أقوال: الأول للجمهور أنه التصديق بالقلب وأما العمل فمن الإسلام لقوله (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) وقول سعد: إني أراه مؤمنا فقال عليه الصلاة والسلام: (أو مسلما) وهذا قول الزهري ومالك وحكي عن الأشعري وارتضاه إمام الحرمين.

الثاني: أنه التصديق بالقلب والقول باللسان وهو قول أبي حنيفة والمريسي وابن العربي وحكي عن الأشعري ومحققي أصحابه وحكاه النووي عن جمهور الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لإطلاق الإيمان على الإسلام وبالعكس كقوله: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) وحديث وفد عبد القيس (أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله..) ونقح المصنف أن الخلاف لفظي مع الأولين.

الثالث: لجمهور السلف وأهل الحديث وقاله مالك واختاره ابن حزم أنه اعتقاد وقول وعمل ويزيد وينقص، وتأوله ابن بطال على أنـهم إنما قصدوا الرد على المرجئة في قولهم (قول بلا عمل) لا أصل الإيمان الذي به حصول النجاة، وحقق المصنف أنـهم أرادوا كمال الإيمان لا أصله الذي هو التصديق، فإذا نقص عن أصله الذي هو التصديق لم يبطل بل ينقص، فالخلاف لفظي.

الرابع: للخوارج والمعتزلة والإباضية أنه اعتقاد وقول وعمل لكن إذا اختل واحد منها بطل الإيمان كله، وهذا الفرق بينه وبين مذهب السلف، ولهذا كفر الخوارج تارك شيء من الأعمال الواجبة كفراً يوجب ردته، وأما الإباضية فكفره عندهم كفر نعمة لا يوجب ردة.

وقالت المعتزلة إن العاصي بترك العمل وارتكاب الكبائر في منزلة بين منزلتين ولا يوصف بإيمان ولا كفر، وتنازعوا في تفسير المنزلة بين منزلتين، فقدماؤهم كواصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والجمهور يقولون إنه خالد في النار لكن المنزلة لمنع إطلاق مسمى الكفر عليه إجراءاً لأحكام الإسلام عليه في الدنيا، وقال أبو علي وأبو هاشم وأتباعهما الخلود بحسب رجحان سيئآته وحسناته، وقال الأصم والمريسي لا يخلد بل هو من أهل الأعراف ثم يدخل الجنة، وغلط من نقل عنهم في تفسير المنزلة بين منزلتين إنه لا في الجنة ولا في النار.

ونقض المصنف مذهب الخوارج والمعتزلة بأنه فاسد يلزم منه إكفار عامة أهل الإسلام، ولا يعقل إجراء أحكام الإسلام عليه مع انتفاء فائدتـها عنه في الآخرة بخلوده في النار، وهو عبث يتنزه عنه الشارع ويقتضي تنفير الناس عن الإسلام لانتفاء فائدته، ويلزم منه إبطال فائدة التوبة إذ لا يخلو مسلم عن ذنب.

الخامس: مذهب الكرّامية وغيلان الدمشقي أن الإيمان إقرار باللسان ولا يشترط المعرفة والتصديق وإنما يشترط أن لا يخالف قوله اعتقاده، وهو منتقض بأن الله سمى التصديق إيماناً فقال (وما أنت بمؤمن لنا) وكذا العمل فقال (وما كان الله ليضيع إيمانكم) أي: صلاتكم.

والتحقيق أن العمل شرط كمال في الإيمان وهو يتلو التصديق في الرتبة لحديث معاذ (إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم به شهادة لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات..) الحديث، فلولا أن الإيمان حصل بالتصديق ما فرض عليهم الصلاة وغيرها.

ولا ريب أن الإيمان هو حصول الاعتقاد بما يجب اعتقاده، والإسلام هو الانقياد في الظاهر لما جاءت به الشريعة، فمن حصلهما فهو المؤمن المسلم بقطع النظر عن اختلاف المتكلمين في المسألة.