مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (140)

﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾ [البقرة: 173]

السؤال الأول:

قوله تعالى في آية البقرة [173]: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ﴾ وقوله تعالى في آية المائدة[3]: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ [المائدة:3] ما دلالة التقديم والتأخير لـ (به) بين الآيتين؟

الجواب:

1ـ لو لاحظنا السياق في المائدة نجد أنّ الكلام عن التحليل والتحريم ومن بيده ذلك، ورفض أي جهة تحلل وتحرم غير الله، انظر آيات المائدة:

ـ قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة:1] والمعنى أنه ليس لكم أن تُحِلّوا، والذي يُحِلّ هو الله تعالى فقط.

ـ ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ﴾ [المائدة:2] أي: الذي يُحِلّ هو ربنا سبحانه وتعالى.

ـ ﴿يَسۡ‍َٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:4] إذن هو سبحانه يجعل التحليل والتحريم بيده حصراً.

فالسياق أنه ليس هنالك أي جهة تقوم بذلك غير الله تعالى، ولذلك قدّم ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ [المائدة:3].

ولفظة ﴿أُهِلَّ﴾ يعني رُفِع الصوت بذبحه، أُهِلّ يعني أنْ تقول عند الذبح: باسم الله والله أكبر، هذا لفلان.

2ـ إذن في آية المائدة قدّم ﴿لِغَيۡرِ ٱللَّهِ﴾ ؛ لأنّ ربنا هو الجهة الأولى والأخيرة التي بيدها التحليل والتحريم، وليس لأحد آخر هذا الحق.

3ـ أمّا في آية البقرة فالمقام هو فيما رزق الله تعالى عباده من الطيبات، وليس فيها تحليل وتحريم، قال تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا ﴾ [البقرة:168] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ١٧٢ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾ [البقرة:172-173].

فقوله تعالى ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ [البقرة:172] هذا طعام، ﴿كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ [البقرة:168] هذا طعام، ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة:173] هذه الذبيحة، ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ﴾ [البقرة:173] يعني ما رُفِع الصوت بذبحه فقدّم ﴿بِهِ﴾ [البقرة:173] لأنّ هذا طعام متناسب مع الطعام ومتناسب مع طيبات ما رزقهم.

4ـ إذن في سياق التحريم قال: ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ﴾ [المائدة:3] فقدّم ﴿لِغَيۡرِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة:3] لأنها الجهة الوحيدة التي تُحلل وتُحرم، والكلام في التحليل والتحريم، وهو سبحانه الذي يحلل ويحرم.

ولمّا كان السياق في الأطعمة قدّم الطعام ومنها الذبيحة، فقال: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ ﴾ [البقرة:173] يعني الذبيحة.

5ـ ومسألة الذبح في الآيتين متعلقة بالله تعالى أو بغير الله سبحانه وتعالى، لكنّ التقديم والتأخير متعلق في سياق التحليل والتحريم أو في سياق الطعام.

6 ـ بيّنت الآية أربعة أصناف من المحرمات من المآكل وهي:

آ ـ الميتة.

ب ـ الدم المسفوح.

ج ـ الخنزير.

د ـ ما ذُبح على اسم غير الله كالأنصاب والأزلام.

ويمكن الاطلاع على التفاصيل من كتب الفقه.

السؤال الثاني:

فاصلة هذه الآية في البقرة 173، وفي المائدة 3، وفي النحل 115، هي ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ بينما فاصلة آية الأنعام 145 هي ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾فما السبب؟

الجواب:

1ـ إن آيات البقرة والمائدة والنحل هي خطاب من الله للناس، فناسب ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾

بينما آية الأنعام 145وهي قوله تعالى: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ بدأت بلفظة (قل) وهي خطاب للرسول ﷺ فناسب ختمها بقوله: ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ١٤٥﴾.

2ـ ومن أسباب هذا الاختيار - والله أعلم - أنّ لفظ (الله) تردد في البقرة أكثر مما تردد في الأنعام، وأنّ لفظ (الرب) تردد في الأنعام أكثر مماتردد في البقرة ـ وإليك البيان:

  اللفظ                      عدد التكرار في البقرة                     عدد التكرار في الأنعام

الله                             282 مرة                                 87 مرة

رب                            47 مرة                                   53 مرة

فناسب أنْ يضع كلمة (الله) في البقرة، وكلمة (رب) في الأنعام.

3ـ إضافة إلى ذلك، فإنّ آية البقرة في سياق العبادة، ولفظ (الله) أولى في هذا السياق؛ لأنه من الألوهية، والألوهية هي العبادة، قال تعالى: ﴿وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ١٧٢﴾ [البقرة:172] ولمّا قال في سورة النحل: ﴿ وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ١١٤﴾ [النحل:114] قال بعدها: ﴿فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ١١٥﴾ [النحل:115].

وأمّا سياق آية الأنعام ففي الأطعمة، ولفظ (الرب) ألصق بهذا السياق؛ لأنّ الرب من التربية والتنشئة.

السؤال الثالث:

ما علاقة أول الآية بخاتمتها ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾؟ والمغفرة والرحمة تقتضيان ذنوباً، وما سبَق في الآية هو تشريع بإباحة الميتة عند الضرورة فلا ذنب.

الجواب:

إذا كان الله يغفر مع الذنب، أفلا يغفر مع الضرورة التي شرع لها الحكم؟!!!.

الله سبحانه وتعالى غفورٌ في الأصل أفلا يغفر لمن أعطاه رخصة؟ إذن هو غفورٌ رحيمٌ ولن يكتب على المضطر ذنباً من جراء اضطراره، ورحمة الله هي التي تغفر للعاصي، هو سبحانه الذي كتب المغفرة لمن اضطر وكسر قاعدة التحريم عند الاضطرار.

وللعلم فإنّ المغفرة والرحمة في القرآن الكريم إذا اقترنتا، تكون المغفرة لما مضى من الذنوب، والرحمة للسلامة من الذنوب فهي للمستقبل. والله أعلم.

السؤال الرابع:

لماذا قدّم المغفرة على الرحمة في آية البقرة 173، وآية النساء 100، وقدمت الرحمة على المغفرة في آية سبأ 2؟

الجواب:

تقدمت المغفرة على الرحمة في آيات كثيرة في القرآن الكريم، وسبب ذلك - والله أعلم- أنّ المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة.

في آية سبأ 2، وهي قوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ٢﴾ فقد تأخرت المغفرة عن الرحمة؛ وذلك أنّ جميع الخلائق من الإنس والجن والحيوان وغيرهم محتاجون إلى رحمته، فهي برحمته تعيش وتحيا وبرحمته تتراحم، وأمّا المغفرة فتخص المكلفين؛ فالرحمة أعم.

السؤال الخامس:

في الآيات التالية [البقرة 173ـ البقرة 182ـ البقرة 191ـ آل عمران 89ـ المائدة 3] قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ مؤكَّدة بإنّ، بينما قال في آية النحل 18 ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨﴾ فأكدها بإنّ واللام، فلماذا؟

الجواب:

القاعدة اللغويـــة:

يستعمل القرآن الكريم تخفيف التوكيد أو زيادته حسب مقتضى الحال، فيقول: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾ [البقرة:173] مع التخفيف و﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨﴾ [النحل:18] مع زيادة التوكيد بزيادة اللام.

البيــــان:

في آيات البقرة وآل عمران والمائدة والأنعام، قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ١٧٣﴾ فأكّدها كلها بإنّ وحدها، في حين قال في سورة النحل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ١٨﴾ فأكّدها بإنّ واللام.

وسبب ذلك أنّ سياق آيات النحل هو في تعداد نعم الله على الإنسان ورحمته به ولطفه بخلقه، فقد ذكر خلق الأنعام وما فيها من منافع للإنسان، وذكر منافع الزروع وذكر نعمته عليه في البر والبحر وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى من النعم، فناسب ذلك تأكيد المغفرة، وليس السياق في الآيات الأخرى كذلك. والله أعلم.