ماذا وراء العدوان على نبيّ الهدى والرحمة؟ (2)

3 - وأمّا الزاوية الثالثة: أزمة الصليبيّة والتنصير، وما تتعرّض له من انتكاسات متنوّعة، وعلى أصعدة متعدّدة، حتّى على مستوى المسئولين الدينيّين والقادة، فيمكن إجمال مظاهرها في النقاط التالية:

- فشل المخطّطات الصليبيّة والتنصيريّة في تحقيق أهدافها وخططها، وبخاصّة بعدما أعلن المنصّرون في مناسبات مختلفة، أهدافاً اعتبروها بدهيّة بما يملكون من قوّة مادّيّة حاضرة، وقوّة داعمة بلا حدود، عن محاصرة الإسلام وتنصير أبنائه، في بلدان كثيرة، وبخاصّة في إفريقية، ثمّ باءوا بالخيبة الظاهرة على كلّ مستوى.

- الشعور بالإحباط تجاه الصحوة الإسلاميّة، وما آتت من ثمار في شتّى بقاع الأرض، وفي مقابل ذلك هناك ردّة عامّة عن الكنيسة في المجتمع الغربيّ، وتتمثّل في ظاهرة: هجر الغربيّين للكنائس، وبيع الكنائس، وإسلام القسس، والفضائح الأخلاقيّة للقسس، التي لا تزال تتوالى وتتفاعل، والإحصاءات الدقيقة تكشف عن إفلاس الكنيسة ورعاتها، وأفول شمسها على مختلف الأصعدة، فالخطّ البيانيّ للإسلام في صعود وارتفاع، والخطّ البيانيّ للنصرانيّة والتنصير في هبوط وتنازل، على الرغم من كلّ ما يملكه القوم من أموال وإمكانات، فكيف لا يتّخذون ردّات فعل المحبط البائس اليائس.؟!

ويعبّر عن ذلك أدقّ تعبير الدكتور مراد هوفمان في كتابه: " الإسلام كبديل " إذ يقول:

" الشرق يمثّل عالم النوعيّة والكيف، والغرب يمثّل عالم المادّة والكمّ، الشرق يمثّل الحضارات التي جمعت بين الروح والمادّة، والغرب يمثّل الحضارة المادّيّة الجشعة، ويقتصر عليها، الشرق يمثّل دفء العلاقات الإنسانيّة الحميمة، وقيم الأخلاق النبيلة، والغرب يمثّل العلاقة النفعيّة، والأخلاق المادّيّة النفعيّة، الشرق يمثّل القيم الأخلاقيّة والإنسانيّة الثابتة، والغرب يمثّل القيم النسبيّة المتغيّرة، على يد كلّ فرد، والتي لا تعرف الثبات، ولا تعترف به.

ولا أدلّ على ما نقول من أنّ الغرب وهو يملك هذه القوّة المادّيّة، التقنية المتقدّمة، التي يضنّ بها، ويدلّ بها على أمم الأرض ترى كثيراً من أفراده يهربون من هذا الواقع باللجوء إلى أديان الشرق عامّة، ودين الإسلام على وجه الخصوص " [وقد سمّى كتاباً له آخر: " الإسلام في الألفيّة الثالثة، ديانة في صعود " فأثار حفيظة القوم وغيظهم، وكَانَ سهماً عليهم في الصميم].

- البلبلة الفكريّة التي يعيشها الغرب على مختلف الأصعدة والاتّجاهات، حتّى الكنيسة التي كان يؤمل منها أن تمثّل قوّة التوجّه الروحيّ غرقت في مستنقع المادّة أكثر من المادّيّين أنفسهم، بل غرقت في مُسْتنقع الإثم والرذيلَةِ، حتّى أباحت جريمة الشذوذ وباركتها، ومالأت المادّيّين الملاحدة في قضايا عديدة، ممّا دفع كثيراً من أتباعها إلى الانصراف عنها.

وقد أشار إلى جانب من ذلك الأمير شارلز عندما صرّح بتاريخ 10/7/1996م، في أثناء إلقائه كلمة في حفل عشاء: " لقد حاول العلم جاهداً أن يتحوّل إلى ديكتاتوريّة، وأن يحتكر رؤيتنا وفهمنا للدنيا، بفصل الدين عن العلم، إنّني أومن بأنّ الإبقاء على القيم الحضاريّة مرتبط بالإبقاء على إحساس دفين بالمقدّس في قلوبنا "، واستطرد الأمير شارلز قائلاً:

" إنّني على اقتناع تامّ بأنّ عالماً يمثّل فيه العلم والدين مكوّنات أساسيّة لرؤيتنا لهو عالم أكثر تحضّراً وحكمة وتوازناً، ولقد استطاع العالم الإسلاميّ أن يحافظ بشكل أفضل على رؤية العالم المتّسقة والروحانيّة هذه، وهذا ما لم يتحقّق لنا في الغرب ".

لقد استطاع الإسلام بدمجه الدين بالدولة أن يقدّم مفهوماً يختلف تماماً عن مفهوم الغرب للدين، ولقد أشار وليّ عهد بريطانيا الأمير شارلز في الخطبة التي ألقاها يوم 27/10/1993م في مركز أكسفورد للدراسات الإسلاميّة إلى الحقيقة التالية: " إنّنا نقع في شرك يتّسم بالغرور الشديد إذا ما اختلط علينا الأمر، وقدّرنا أنّ الحداثة في بلدان أخرى هي أن يصيروا مثلنا. جوهر الإسلام هو رؤيته الاندماجيّة للكون، لقد خسر الغرب الرؤية الاندماجيّة رويداً رويداً حتّى أضاعها "" الإسلام كبديل " د. مراد هوفمان ص/145/ وص/139/.

- الفساد الأخلاقيّ الذي يتكشّفُ يوماً بعد يوم عن فضائح رعاة الكنائس، واستغلالهم للدين ومواقعهم الكنسيّة، للتغرير بالناس، وإشباع رغباتهم الجنسيّةِ، وشذوذهم وفسادهم، وفي كلّ يوم تطالعنا الأخبار بعجائب تكاد لا تصدّق.! ويكفي أن نعلم أنّ الأموالَ التي دفعتها بعض الكنائس الأمريكيّة لضحايا الشذوذ الجنسيّ لرعاتها، واغتصَاب الأطفال، والتغرير بهم تجاوزَت ستّ مئة وستّين مليون دولار، لتسوية /508/ قضيّة، وأنّها أنفقت أكثر من ملياري دولار لحلّ هذه القضايا وتسويتها..

وفي خَبر جديد بتاريخ 7/9/2007 م: أنّ الكنيسة الكاثوليكيّة وافقت في سان ديجو بولاية كَاليفورنيا على دفع /198/ مليون دولار لتسوية /144/ قضيّة ضدّ بعض رجال الدين، الذين اتّهموا بانتهاكات جنسيّة [المصدر موقع /bbc/ الإخباريّ].

وآخر ما سمعت من أخبَارِ ذلك أنّ قسّاً استراليّاً عاشر ابنتيه المراهقتين عشر سنوات لتثقيفِهما جنسيّاً، وادّعى أنّه كان يسعى لتدريبهما على واجباتهما الزوجيّة، فحكمت عليه المحكمة بالسجن ثماني سنوات ونصف، وقال له القاضي: " إنّ التبجّح بالدين إنّما هو نفاق وخيانة "[العربيّة نت]..

فأيّ طهر يدّعيه هؤلاء.؟! وأيّ وصاية مزعومة على ملكوت السموات، ودعاوى حقّ منح الرحمة والغفران.؟!

- وكردّ فعل عن كلّ ما سبق، تقوم كثير من دوائر الغرب بتشجيع النكرات من المسلمين وغيرهم على نشر الإفك والعدوان، وتجريء السفهاء على الإثم والبهتان، باسم الفنّ والإبداع تارة، وباسم الحرّيّة الشخصيّة، وحرّيّة الفكر والكلمة تارة أخرى، وتوفّر لهم الدعم والحماية، وذلك لشقّ صفّ المسلمين، وتشكيك ضعاف الإيمان بدينهم، وغزو الأمّة من الداخل.

على أنّ الحقيقة الموضوعيّة تقول: إنّ الغرب لا يمثّل موقفاً واحداً في كلّ شيء، وإنّما هو مواقف وآراء، متقاربة ومتباعدة، وما يقرّه اليوم قد ينقضه في الغد، وما تعترف به فئة قد تنكره أخرى أشدّ الإنكار، وعلى سبيل المثال:

لقد تمّ إعلان الكنيسة الكاثوليكيّة عن تخلّيها عن عدّ الإسلام عدوّاً لها في المجتمع الفاتيكانيّ الثاني عام /1964/ م، وتمّ تكوين لجنة بابويّة لشئون العلاقات مع الديانات غير المسيحيّة، وضمّت هذه اللجنة رجال دين على دراية واسعة، وعلم غزير بالإسلام، ويكنّون له بعض الإعجاب، وفي 28/10/1985 م أصدر البابا بول السادس المنشور البابويّ الذي جاء فيه:

".. إنّ الكنيسة تحترم المسلمين الذين يعبدون الله الحيّ الخالد، الرحيم القويّ، خالق السموات والأرض " [" الإسلام كبديل " د. مراد هوفمان ص/209/].

فما صدى هذا المنشور عند الآخرين.؟! وما موقف المسيئين منه.؟! على أنّ الكنيسة لا تزال بعيدة كلّ البعد عن استخلاص النتائج اللاهوتيّة المترتّبة على المنشور البابويّ إن كان جادّاً، ومن حقّ الإنسان أن يتساءل: لماذا لا يتجرّأ أحد على ذكر محمّد صلى الله عليه وسلم، ولو بكلمة واحدة.؟! في هذه المناسبة، وفي مناسبات أخرى مشابهة.؟

إنّ التقبّل والتسامح، وإعلان الاحترام، لا يمثّل كبير شيء، ولا يكفي.. " يقول الشاعر الألمانيّ المعروف غوتة: " التقبّل والتسامح مجرّد خطوة لابدّ أن تؤدّي إلى الاعتراف، أمّا مجرّد التقبّل فهو إهانة " [" الإسلام كبديل " د. مراد هوفمان ص/285/].

وبعد؛ فإنّ من سنّة الله الماضية في الأمم والحضارات: أنّ القوّة المعنويّة، قوّة المبادئ والقيم هي التي تغلب وتنتصر على القوّة المادّيّة، التي عندما تفقد سندها المعنويّ فإنّما هي هيكل كرتونيّ فارغ، لا تستطيع الوقوف أمام أيّة عاصفة.!

4 ـ وأمّا الزاوية الرابعة: زاوية النموّ السريع للإسلام في الغرب، فيمكن رصدها وبيانها في النقاط التالية:

- النموّ السريع للإسلام في المجتمعات الغربيّة أصبح حقيقة واقعة، يرصدها كثير من الناس، ويتحدّثون عنها بدوافع مختلفة، ومظاهر ذلك متعدّدة، أهمّها:

- ظاهرة الدخول في دين الله، من الرجال والنساء، والكبار والصغار، ومن مختلف فئات المجتمعات، حتّى من علية القوم من رجال دينهم، وبجهود متواضعة محدودة..

- ظاهرة بناء المساجد، وإقامة المراكز الإسلاميّة، والنشاط الدعويّ المؤثّر، لجماعات من المسلمين، ليس لها من سند إلاّ الله، ثمّ ما تبذله من أموالها في سبيله..

- وبما أنّ السلوك الحضاريّ المتميّز لكثير من الدعاة في الغرب، والأسلوب الدعويّ المعاصر، بما فيه من برامج هادفة، وطرح متميّز قد آتى ثمراته، في إقبال الناس على الإسلام، والدخول في دين الله حبّاً ورغباً.. فإنّ أعداء الإسلام اليوم بإساءاتهم وعدوانهم يريدون لهذا السلوك أن يرتدّ إلى العنف، أو إلى مرحلة الدفاع التي كان عليها منذ نصف قرن..

- ظاهرة تحوّل العمل الدعويّ إلى مؤسّسات، دعويّة، وخيريّة، وأكاديميّة، تستفيد من أنظمة تلك المجتمعات وقوانينها، وتقوم على تنظيم إداريّ سليم، ويقدّم لها الدعم من جهات شعبيّة، وحكوميّة رسميّة، ودعويّة متخصّصة، كالمملكة العربيّة السعوديّة، ودول الخليج، ورابطة العالم الإسلاميّ، والندوة العالميّة للشباب الإسلاميّ، والهيئة الخيريّة العالميّة، والهيئة العالميّة لتحفيظ القرآن، وغيرها..

5 ـ وأمّا الزاوية الخامسة: وهي زاوية واقع الضعف المزري للأمّة الإسلاميّة، وتقصيرها وتفريطها بحقّ دينها ونبيّها صلى الله عليه وسلم على وجه الخصوص، وإساءة بعض أبنائها إلى دينها وقيمها، أو لامبالاتهم بذلك.. فتلك ظاهرة مؤسفة، لا يختلف عليها اثنان، ولولا شعور هؤلاء الغربيّين بضعف المسلمين لما أقدموا على ما أقدموا عليه..

وإنّ ضعف المسلمين المزري، وتفريطهم المتخاذل له مظاهر شتّى، تثيرها الأسئلة التالية، وتكشف عنها:

أليستْ أمّة الإسلام في أكثر بقاع الأرض تعيش تبعيّة عمياء للغرب، قد فقدَت هُوّيّتها وانتماءها، هَمُّها أن يرضى عنها السادةُ المُتجبّرونَ، ولو على حساب دينهم وقيمهم ومقدّساتهم.؟!

أليس في أمّة الإسلام من لا يبالي بدينه أدنى مبالاة.؟! ولا يلتزم بشيء من فرائضه، يعيش ليأكل ويشرب، ويتمتّع ويلعب، لا يعرف هدفاً لحياته، ولا غاية لوجوده.

أليس في أمّة الإسلام من يتبنّى فكر الغرب ونظريّاته وفلسفاته، في كبير أموره وصغيرها، دون وعيٍ ولا تمييز، ويدعو إلى ذلك، ويعدّه سبيل تقدّم الأمّة ورقيّها.؟!

أليس في أمّة الإسلام من يضطهد دعاة الحقّ والخير، ويكيدُ لهم بالليل والنهار، ويتّهمهم بأسوأ التهم، ويستعدي عليهم ولاة أمر المسلمين، ويظنّ أنّه من المصلحين، ويسعى في الأرض فساداً، والله لا يحبّ المفسدين.؟!

أليست أكثر بلاد الإسلام لا تحكم بشريعة الإسلام، وإنّما تحكم بقوانين غربيّة مستوردة من الشرق والغرب، ونحن أمّة رسالة، وحملة دعوة، أسعدت أمم الأرض وشعوبها قروناً طويلة.؟! فنشأ من ذلك صراع فكريّ واجتماعيّ، وصل بالأمّة إلى درجة التفرّق والتمزّق، وشيوع العداوة والبغضاء.. وربّما غرق المجتمع الواحد في دوّامة من العنف، وانتهاك الحرمات وإراقة الدماء..

ولا عجب بعد هذه المظاهر أن يجنحَ بعض الشباب إلى الغلوّ والتطرّف، لقلّة بضاعته من العلم الشرعيّ، وضعف وعيه، وانطماس بصيرته، وأن يتأثّروا بأصحاب الأهواء، ودعاة الفتن، فينساقوا وراءهم إلى ما لا تحمد عقباه..

وكان من أثر ذلك أنّ الأمّة الإسلاميّة في أوطانها، بما هي عليه من ضعفٍ وتخلّف، وتبعيّة عمياء قد خذلت طليعتها المرابطة في وجهِ الحضارةِ الغربيّة، فجعلتها مكشوفة الظهر، مخذولة عن النصرة في كثير من المواقف..

فمن الممكن أن نفهم بناء على ما تقدّم: أنّ موقف الغرب الذي يحتضن الإساءة إلى دين الإسلام، ومقام النبيّ صلى الله عليه وسلم إن هو في حقيقته إلاّ ردّة فعل شعوريّة أو لا شعوريّة على انتصار الإسلام وتفوّقه، على الحضارة الغربيّة في ميادين مختلفة، في الوقت الذي ظنّ فيه الغرب واهماً أنّه قد ضمن لنفسه التفوّق المطلق على الإسلام والمسلمين، وعلى عامّة أمم الأرض، بما ملك من القوّة المادّيّة، والتقدّم التقنيّ..

ومع كلّ ذلك فإنّه يسعنا أن نقول: إنّ ما وقع، ولا يزال يقع من الغرب وللأسف، ولا يتوقّع له أن ينقطع من عدوان على قيم الإسلام، وإساءة متعمّدة إلى سيّد الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم، لا تحسبوه شرّاً لكم، بل هو خير لكم، فربّ ضارّة نافعة، ولعلّ الأمّة الغافية أن تصحو من رقدتها، وتتخلّى عن غفلتها، وتعزم على الرشد أمرها، وتعيَ مسئوليّتها، وتعرف دخائل عدوّها، وإنّ ممّا ينبت الربيع ( ربيع الغرب الزائف ) لما يقتل حَبَطاً، أو يُلمّ، كما يقول نبيّنا صلى الله عليه وسلم..

فينبغي أن نعلم ونوقن أنّ مَا حدث وَيحدث إنّما هو عقوبة عاجلة لأمّة تاهت عن هُويّتها، وفقدت انتماءها، وافتتن كثير من أبنائها بكيد أعدَائهم، حتّى رأوا حسناً ما ليس بالحسنِ، كما قال الشاعر:

يقضى على المرء في أيّام محنته=حتّى يرى حسناً ما ليس بالحسنِ

ورجاؤنا بالله تعالى ألاّ يطول ليل محنة الأمّة، وأن تصحو صحوة تملأ الأرض رحمة وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وبغياً..

والسؤال الذي يطرح نفسه علينا بقوّة: فما العمل الواجب إذن.؟!

إنّنا باختصار بحاجة إلى السلوك الإيجابيّ الواعِي، لا ردّة الفعل الآنيّة المرتَجلَة، التي تذهب مع الأيّام أدراج الرياح، ولا يكون لها من أثر يذكر، في بناء الأمّة وكيانها. والله الموفق والهادي.