لغة التواصل في قصة سيدنا موسى مع فرعون (3)

خطوات التواصل العَلنية

وفي قصة موسى مع الفرعون مباشرة، نظام التواصل فيه من الأعلى هو (الله) إلى الأدنى (فرعون) وبينهما وسيط يحمل رسالة هو (موسى)فمهمة التواصل تقع على عاتقه بتأييد من ربه، أما السبيل في التواصل بينه وبين فرعون فهو من الأدنى (موسى) إلى الأعلى(فرعون).

ولم يلبث أن انطلق بمهمته التواصلية، فأعلن عن دعوته في مجلس فرعون، فألقى بين يديه مضمون الرسالة التي حُمِّلها:{إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 47].

الضربة الاستباقية

ولما ألقيت رسالة التواصل بين يدي فرعون بإعلان ومضمون، وَفق أصول ومنهج التواصل الحكيم:{رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 16- 17].

وهذا عرض لطيف لاسترداد حرية شعب مقهور، لا يختلف عليه اثنان من ذوي الحِجا ["من ذوي الحِجا: ذكيٌّ حكيمٌ". معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 451)]، فمن الطبيعي أن يتفاعل المقابل معه، ويصغي إليه بإذعان، غير أن الواقع غير ذلك، فتلك كانت صدمة للمقابل، ولم تكن قوية حيث تطيش به، فتفقده التعقل والتدبر، بل أعطي مساحة زمنية، ليفكر قبل أن يتوعد المطالب بمطلبه، ففكَّر فرعون وقدَّر ،حتى خلص إلى الطعن بخصمه– أولا - عبر تذكيره بحقائق لا يمكنه دحضها، فأراد أن يقزَّمه معرِّضا به: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ* وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [الشعراء: 18- 19].

فبرأيه: مثل هذا لا يرشح لمنصب عال، فضلا عما ادعاه، وإذا تشوهت صورة الرسول، ضعفت قناعة المستمعين بما جاء به. فكان رد موسى بطريق الإقناع المفحم:{قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ(20)فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ}[الشعراء: 20- 21]، ثم أحرجه بتفنيد ادعائه:{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 22].

فارتدت الضربة الفرعونية على وجهه ولم يُحِرْ جوابًا [أحار الجوابَ: ردّه "سأله؟ فلم يُحِرْ جوابًا". معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 578)]، ذلك لأن الأسلوب الحكيم بعثر جوهر القضية، فكانت كالشمس الساطعة، يستحيل حجبها بضبابية الالتفاف حولها، وتشويش الذهن.

السؤال(1)

وبالضربة الاستباقية الآنفة الذكر، أراد أن يمنع عن موسى الولوج في مسيرته التواصلية، لكنها ردت بوجهه، فاضطر أن يسمح له، كيلا يخسر أتباعه من اللقاء الأول، فعجَّل بالمواجهة العلنية، وكان فرعون البادئ فيها بلا استئذان ، إذ فاجأ موسى - متسرعا- بسؤال عن ماهية ربه [اسم الاستفهام : هو اسم مبهم يستعلم به عن شيء. جامع الدروس العربية (1/ 139)]، والماهية مستحيلة المعرفة للذات الإلهية، لعجز البشر عن دركها: {قَالَ فِرْعَوْنُ : وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ}[الشعراء: 23].

وفي موضع آخر: {قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى}[طه: 49] و(ما) : يستفهم بهما عن غير العاقل - من الحيوانات والنبات والجماد والأعمال - وعن حقيقة الشيء أو صفته، سواء أكان هذا الشيء عاقلا أم غير عاقل. و(مَن) : يستفهم بها عن الشخص العاقل.

فقوله: ومَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ سؤال عن ماهيَّةِ مَنْ لا ماهيَّة له ، توصلًا إلى بعض أغراضه الفاسدة، فكان مهلهلًا أجوف، إذ طبيعي أن يكون جوابه: ربنا فلان، وأنه كذا. ويكون المعنى: أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله؟.

ولما كان السؤال عن الماهية مما لا يليق به جل وعلا ، فقد عدل موسى - وفق الأسلوب الحكيم- عن الجواب المترقب ، ليرد عليه - بغير ما يترقب السائل- بذكر أفعاله وآثار قدرته التي تعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها، وأنه ربُّ كل شيء ،وربُّ ما ذكر[ر: تفسير الخازن لباب التأويل في معاني التنزيل (3/ 323)]:{قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ}[الشعراء: 24]. وذلك، لأن الله – تعالى- منزه عن الجنسية والماهية، فهما من أوصاف الخلق، واللَّه ليس كمثله شيء [ر: تفسير الماتريدي = تأويلات أهل السنة (7/ 285)]. وفي موضع: {قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}[طه: 50].

السؤال(2)

وعندما سمع فرعون ذلك الرد، خشي أن يعلق منه في قلوب أشراف قومه شيء[قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانوا خمسمائة رجل عليهم الأساور وكانت للملوك خاصة.]، وساوره خوف فتنة قومه، فقالَ- مبالغا في الرد على موسى- بالإشارة والتلميح- بعدم الاعتداد بذلك، مصرحًا بما ينفر قلوبهم عن قائله، وقبول ما يجيء به.[ ر: تفسير الألوسي = روح المعاني (10/ 71) (10/ 72)] حيث أوهمهم: أن مجرد استماعهم له، كاف في رده وعدم قبوله، فلفتهم إلى التعجيب منه والإزراء بقائله، ملمِّحًا إلى عدم مطابقة الجواب للسؤال، حيث لم يبين موسى الحقيقة المسئول عنها:{ قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ: أَلا تَسْتَمِعُونَ؟}[الشعراء: 25]. وبهذه التحويلة خرج عن أدبيات التواصل. واستشعر موسى ذلك منه فلم ينفعل مثله، بل استمر منضبطًا بأدبيات التواصل، ولم يألُ جهدًا في ترسيخ الفكرة التي يبثها - وهي تعذر الوقوف على الحقيقة - حتى لا يدع للحضور فرصة التفكير بما أغراهم إليه فرعون: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء: 26].

السؤال: (3)

وكانت إجابة موسى كوقع الصاعقة عليه، فأراد أن يقلل من شأنه، حيث يُسأل عن شيء ويجيب عن شيء آخر، ويُنبه على ما في جوابه ولا يتنبه، فما كان فرعون إلا أن سماه (رسولًا) بطريق الاستهزاء، وأضافه إلى مخاطبيه، ترفعًا عن أن يكون مرسلًا إلى نفسه، وأكد ذلك بالوصف لعله يصل إلى بُلغته: {قَالَ : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء: 27].

ولم يكن موفقًا بهذه التحويلة المحتالة – حين جننه [جنَّن الشَّخصَ: 1 - جعله مجنونًا. 2 - أثاره بحدَّة، استفزّه، هيَّجه "جنَّنه بتصرّفاته الغريبة". معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 407)] إلى قومه توهمًا، وطنَّز به مسخرة [«وطنز به» أي: سخر به، واحتدم. أي: التهب صدره غيظا.]، وسماه رسولهم؛ لأن هدفه أن يثير غضبهم، ويستدعيهم لإنكارهم رسالته، بعد سماع الخبر- ترفعًا بأنفسهم عن أن يكونوا أهلًا لأن يُرسل إليهم مجنون! ر: تفسير الألوسي = روح المعاني (10/ 73).

ومثل هذا مخلٌّ بأدب التواصل بين متواصلَين، وموسى ثابتَ الجنان لم يأبه بهذا الاستفزاز، بل بقي مستمرًا في تجييش الحضور، وفق أسلوبه الحكيم الذي امتطاه، ولم يحِد عنه قِيدَ شعرة [لم يتزحزح عن رأيه قِيْد أُنْمُلةٍ/ شعرةٍ: تمسَّك به. معجم اللغة العربية المعاصرة (2/ 975)]: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ}[الشعراء:28]. وكاد الفرعون يبخع نفسه غيظًا من إجابات موسى، فما أن ثلث موسى بتقريره الأخير، حتى احتدّ فرعون[احتدَّ الشَّخصُ: أغلظ القولَ في غضب وحِدَّة. احتدَّ في محاورته: غضِب. العربية المعاصرة(1/ 456)]، واحتدم [احتدمَتِ النَّارُ ونحوُها: اشتدّت، التهبت "احتدم حَرُّ النّهار- احتدم النِّقاشُ بينهما- احتدم صدرُه غيظًا: اشتعل- محتدِمٌ/ محتدَمٌ غيظًا". معجم اللغة العربية المعاصرة (1/ 460)]، فهدد بالسجن، وفق أسلوب غير حكيم: {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ}[الشعراء: 29]، وهنا انفلت تمامًا من ضوابط التواصل ، فبلغ نهاية الانقلاب على العقل والمنطق.

السؤال(4)

وهدأت ثورته قليلًا ، فلم يلبث أن اشتط فقام بتحويلة أخرى، فألقى سؤالًا عساه أن يشتت انتباه الحضور، ويحوِّل الموجة إلى أخرى، ومن ثم يَحُول دون مسار التواصل الموسوي، فيصل إلى مبتغاه : {قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى}[طه: 51]. وموسى لم يَحِد عن أسلوبه قِيد أَنْملة، فيرد بإسهاب غير ممل، يفيض قناعةً وتمكينًا: {قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى(52) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53)} [طه:52- 53].

وبتحويلته هذه، استشعر موسى أن فرعون ربما قد ثاب إلى رشده، وعاد إلى التواصل بطريق الفكر والعقل، مضربا عما نهجه وسلك فيه من التلويح بالسجن، فنهز الفرصة ليأخذ بزمام المبادرة بدلًا من فرعون- بعدما كان مسؤولًا فصار السائل- فعاجله بسؤال بين يديه: {قَالَ: أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ}[الشعراء: 30].

وانجر فرعون إلى هذا المقام المتبدل، وعلى التو، وافق دونما تأمُّل:{قَالَ: فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ}[الشعراء: 31]. وبموافقته على الإدلاء بالبينة، كان البساط من تحته قد انسحب على حين غفلة من أمره، أو كاد، وموسى لما يتمتع من لَحَن وسرعة بديهة، فعاجله بالبينة: {فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ(107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ} [الأعراف: 107 108]

الحلقة السابقة هـــنا