قصة بغدادية ظريفة ومخارج متعددة طريفة

كان في بغداد في زمن ابن جرير الطبري (224-310) رجلٌ يُعرَفُ بابن المزوّق، وكان له غلامٌ مملوكٌ فاشترى له جاريةً، وجرتْ للغلام معها قصةٌ، نقلها الذهبي في ترجمة الطبري عن التنوخي، فقال في "تاريخ الإسلام" (7/163)، و"سير أعلام النبلاء" (14/278-279)، و"تذكرة الحفاظ" (2/203) –والنص من الأول-:

"حكى التنوخي [في "نشوار المحاضرة"]، عن عثمان بن محمد السلمي قال: حدثني ابنُ منجو القائد قال: حدَّثني غلامٌ لابن المزوّق قال: اشترى مولاي لي جاريةً وزوَّجنيها، فأحببتُها وأبغضَتْني، وكانتْ تنافرُني دائمًا إلى أنْ أضجرتني، فقلت لها: (أنتِ طالقٌ ثلاثًا، لا خاطبتِني بشيءٍ إلّا قلتُ لكِ مثله)، فكم أحتملكِ؟!

فقالتْ في الحال: أنتَ طالقٌ ثلاثًا.

قالَ: فأُبْلِسْتُ وحِرْتُ.

[لأنَّ عليه حسب الظاهر أنْ يردَّ عليها نفس القول، فيقول: أنت طالق ثلاثًا، فتطلق منه، ومن الواضح أنَّ هذه الجارية جنيةٌ داهيةٌ!

- قال الغلام:] فدُلِلْتُ على محمد بن جرير الطبري فقال: أقِمْ معها بعد أن تقُول لها: أنت طالقٌ ثلاثًا إنْ طلقتك.

-قال ابنُ عقيل [الحنبلي]: وله جوابٌ آخر أنْ يقُول كقولها: أنتَ طالقٌ ثلاثًا، بفتح التّاء، فلا يحنث.

-وقال ابنُ الجوزيّ: وأيضًا فما كانَ يلزمُه أنْ يقُول لها ذلك على الفور، فكان لهُ أنْ يتمادى إلى قبل الموت".

-قال الذهبي: "ولو قالَ لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، وعنى الاستفهامَ، لم تطلق.

-ولو قالَ: طالقٌ ثلاثًا، ونوى بهِ الطلقَ لا الطّلاقَ لم تطلقْ أيضًا في الباطن.

-وجوابٌ آخر على قاعدة مَنْ يراعي سببَ اليمين ونيةَ الحالف أنّه ليس عليهِ أنْ يقُول لها كقولها، فإنّ نيّته كانتْ أنها إذا آذته بكلامٍ أنْ يقول لها ما يُؤذيها، وهذه ما كانتْ تتأذى بالطلاق؛ لأنها ناشزةٌ مضاجرةٌ.

ولأنّ الحالفَ عنده هذه الكلمة مستثناة بقرينة الحال مِن عموم إطلاقه، كقوله تعالى: {وأوتيت من كل شيء} [النمل: 23] {وتدمر كل شيء} [الأحقاف: 25] فخرج مِن هذا العموم أشياء بالضرورة.

[قال في "التذكرة": يفهم كلُّ عالمٍ من قوله: {وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء} استثناء اللحية والذكر وغير ذلك. وقوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْء} أنها ما دمَّرت السماءَ ولا الجبالَ].

وهذا فصيحٌ في كلام العرب سائغٌ، لأنّ الحالفَ لم يرده، ولا قصد إدخاله في العموم أصلًا، كما لم يقصد إدخالَ كلمة الكفر لو كفرتْ فقالت لهُ: أنت ولدُ الله - تعالى الله- أو سبّت الأنبياء. فما كانَ يحنثُ بسكوته عن مثل قولها.

-وجوابٌ آخر على مذهب الظاهرية كداود، وابن حزم، ومذهب سائر الشيعة: أنَّ مَنْ حلف على شيءٍ بالطلاق لا يلزمُه طلاقٌ ولا كفارةَ عليهِ في حلفه، وهو قولٌ لطاوس".

يقول الذهبي:

-"وذهبَ شيخُنا ابن تيمية، -وهو من أهل الاجتهادِ لاجتماع الشرائطِ فيه- [هذا في "تاريخ الإسلام"، وقد طوى الاسمَ في "السِّير"، و"التذكرة"]: أنّ الحالف على شيءٍ بالطلاق لم تطلقْ منه امرأته بهذه اليمين، سواء حنث أو برَّ.

ولكن إذا حنثَ في يمينه بالطلاق مرة [لفظ "مرة": في طبعة دار الغرب، وليس في طبعة التدمري] قال: يُكفِّرُ كفارةَ يمين.

وقال: إنْ كانَ قصد الحالفُ حضًّا أو منعًا ولم يرد الطلاقَ فهي يمين.

وإنْ قصدَ بقوله: إنْ دخلتِ الدار فأنتِ طالق، شرطًا وجزاءًا، فإنها تطلقُ ولا بدَّ.

وكما إذا قالَ لها:

إنْ أبريتِني من الصَّداق فأنتِ طالق.

وإنْ زنيتِ فأنتِ طالق.

وإذا فرغَ الشهرُ [أي انتهى] فأنتِ طالق.

فإنها تطلقُ منه بالإبراء، والزِّنى، وفراغ الشهر، ونحو ذلك".

يتابع الذهبي قائلًا:

"لكن ما علمنا أحدًا سبقَه إلى هذا التقسيم، ولا إلى القول بالكفارة؛ مَعَ أنّ ابن حزم نقلَ في كتاب "الإجماع" لهُ خلافًا في الحالف بالعتاق والطّلاق، هل يكفِّرُ كفارة يمينٍ أم لا؟

ولكنه لم يُسمِّ مَنْ قال بالكفارة. والله أعلم.

والذي عرفنا مِنْ مذهبِ غيرِ واحدٍ من السلف القولُ بالكفارة في الحلف بالعتق وبالحج، وبصدقة ما يملكُ.

ولم يأتنا نصٌّ عنْ أحدٍ من البشر بكفارةٍ لمَنْ يحلفُ بالطلاق.

وقد أفتى بالكفارة شيخُنا ابنُ تيمية مدّة أشهر، ثمّ حرَّمَ الفتوى بها على نفسه مِن أجل تكلّمِ الفقهاءِ في عِرْضهِ.

ثم مُنِعَ من الفتوى بها مطلقًا".

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين