عامل قضاء ومساعد محامٍ في البلاد الغربية

نص الاستشارة :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما حكم العمل بوظيفة عامل قضائي أو مساعد المحامي في أحد الدول الغربية، والأنظمة بطبيعة الحال هنا لا تطبق الشريعة الإسلامية في معاملاتهم وأقضيتهم. بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً

الاجابة

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فإن العمل في مجال المحاماة والمؤسسات القضائية لا يقتصر على الوكالة في الخصومة ومساعدة الخصوم على تجهيز دفاعهم والترافع عنهم فحسب، فمجالات المحاماة بإجمالٍ تشمل: المشورة القانونية، والنصيحة، والصلح بين النَّاس، ودفع مظالم السلطات العامّة، وصياغة العقود، والمشاركة في وضع مشروعات النظم واللوائح وسنّ القوانين، والطعن في الأحكام الظالمة لتصحيحها دستورياً، وغير ذلك من المجالات المعروفة لدى أهل الشأن.
ثم إن الأنظمة الوضعية صحيح أن فيها مخالفاتٍ صريحةٍ للشريعة الإسلامية، إلا أنها لا تخلو من موافقة الشرع، أو عدم مخالفته في كثير من الأحكام التي تستند إلى الحقوق الطبيعية أو العقلية أو قوانين العدل والإنصاف، أو موافقتها لأحد الأقوال الفقهية المعتبرة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " السياسة نوعان: سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، عَلِمَها من عَلِمَها وجَهِلَها من جَهِلَها" (الطرق الحكمية: 5). وقال: "لا نقول: إن السياسة العادلة ليست مخالفة للشريعة الكاملة، بل هي جزء من أجزائها وباب من أبوابها، وتسميتها سياسة أمر اصطلاحي، وإلا فإذا كانت عدلاً فهي من الشرع" (إعلام الموقعين: 4/373) .
وبناءً على ذلك: فإنَّ الأصل في العمل في مجال المحاماة مباحاً إذا كان موضوع الدعوى لا يتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية.
ولكنه قد يطرأ عليه ما يغير حكمه، فقد يصير مندوباً يُثاب المحامي عليه إذا كان وسيلة لحفظ حقوق الناس وتلبية احتياجاتهم المشروعة، أو كان صاحب الحق ضعيفا لا يقدر على الدفاع عن نفسه أو تحصيل حقه، ومما يدل لذلك قول الله عز وجل: (فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْل).
وقد يصير واجباً يأثم بتركه إذا توقّف تحصيل الحقوق المشروعة وحفظها على عمله، وقد دعت الشريعة الإسلامية إلى التعاون على ما كان برَّاً، وردّ الحقوق إلى أصحابها، ودفع الظلم عن المظلومين مجال من مجالات البرّ والتقوى لمن أخلص النية لله تعالى.
وإن كان موضوع المحاماة والخصومة غير مشروع، كالمطالبة بفوائد ربوية، أو الدفاع عن أهل الخمور والفواحش، أو توثيق عقارٍ مغتصبٍ، وصياغة عقد استيراد بضائع محرّمة شرعاً، أو كانت البيِّنات والحجج باطلة، أو الوثائق المستند إليها مزورة، لم يجز له المضي فيها، وذلك لجملة من الأدلة، منها قول الله عز وجل: (وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً)، والأصل في الشريعة الإسلامية: منع التعاون على ما كان إثماً، كما في قول الله عز وجل: (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان).
والله تعالى أعلم.



التعليقات