ظلال الرحمة في سورة مريم

إنَّ المتفكِّرَ في سورة مريم يرى تجلياتِ الرحمةِ الإلهيةِ واضحةً في آياتها.

1ـ فمن أعظم مظاهر الرحمة عبوديتك لله عز وجل.

﴿ذِكرُ رَحمَتِ رَبِّكَ عَبدَهُ زَكَرِيّا﴾ [مريم: ٢].

وأول كلمة قالها عيسى عليه الصلاة والسلام وهو في المهد: ﴿قالَ إِنّي عَبدُ اللهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠].

2ـ ومن أعظم مظاهر الرحمة مناجاة الله ودعاؤه.

﴿ذِكرُ رَحمَتِ رَبِّكَ عَبدَهُ زَكَرِيّا. إِذ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا. قالَ رَبِّ إِنّي وَهَنَ العَظمُ مِنّي وَاشتَعَلَ الرَّأسُ شَيبًا وَلَم أَكُن بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٢-٤].

3ـ ومن رحمة الله تعالى بعباده أنهم لا يحتاجون في دعائهم إلى واسطة، فهو قريب يجيب دعوة الداعي..

﴿إِذ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٢].

4ـ ومن رحمة الله سبحانه أن يوفقك إلى شكره.

﴿فَخَرَجَ عَلى قَومِهِ مِنَ المِحرابِ فَأَوحى إِلَيهِم أَن سَبِّحوا بُكرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١].

فعندما جاءته البشارة بالولد الصالح المصلح أمر قومه بتسبيح الله تعالى شكراً له.

وكذلك أمر الله نبيه عندما يأتي نصر الله وفتحه أن يشكره بالتسبيح والاستغفار.

﴿إِذا جاءَ نَصرُ اللهِ وَالفَتحُ. وَرَأَيتَ النّاسَ يَدخُلونَ في دينِ اللَّهِ أَفواجًا. فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَاستَغفِرهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا﴾ [النصر: ١-٣].

5ـ ومن أهم مظاهر الرحمة: العلم والفهم والعمل.

﴿يا يَحيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيناهُ الحُكمَ صَبِيًّا. وَحَنانًا مِن لَدُنّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٢-١٣].

6ـ عند الشدة والخوف نستعيذ بالرحمن، فرحمته تكفينا ما أهمنا وأغمنا.

﴿قالَت إِنّي أَعوذُ بِالرَّحمنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨].

7ـ ومن مظاهر الرحمة: الذرية الصالحة الطيبة.

﴿قالَ إِنَّما أَنا رَسولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا. قالَت أَنّى يَكونُ لي غُلامٌ وَلَم يَمسَسني بَشَرٌ وَلَم أَكُ بَغِيًّا. قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ وَرَحمَةً مِنّا وَكانَ أَمرًا مَقضِيًّا﴾ [مريم: ١٩-٢١].

8ـ ومن رحمة الله عز وجل أن جمع لمريم حاجة الجسد من الطعام والشراب، وحاجة الروح من السكينة والاطمئنان.

﴿فَكُلي وَاشرَبي وَقَرّي عَينًا﴾ [مريم: ٢٦].

9ـ ومن رحمة الله تعالى إظهار البراءة من السوء.

﴿فَأَتَت بِهِ قَومَها تَحمِلُهُ قالوا يا مَريَمُ لَقَد جِئتِ شَيئًا فَرِيًّا. يا أُختَ هارونَ ما كانَ أَبوكِ امرَأَ سَوءٍ وَما كانَت أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشارَت إِلَيهِ قالوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ فِي المَهدِ صَبِيًّا. قالَ إِنّي عَبدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيًّا. وَجَعَلَني مُبارَكًا أَينَ ما كُنتُ وَأَوصاني بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمتُ حَيًّا. وَبَرًّا بِوالِدَتي وَلَم يَجعَلني جَبّارًا شَقِيًّا﴾ [مريم: ٢٧-٣٢].

10ـ ومن مظاهر الرحمة: النجاة والأمان من الشيطان وأعوانه.

قال تعالى على لسان عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَومَ وُلِدتُ وَيَومَ أَموتُ وَيَومَ أُبعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣].

11ـ ومن مظاهر الرحمة إنذار الناس ليستعدوا لما فيه نجاتهم.

﴿وَأَنذِرهُم يَومَ الحَسرَةِ إِذ قُضِيَ الأَمرُ وَهُم في غَفلَةٍ وَهُم لا يُؤمِنونَ. إِنّا نَحنُ نَرِثُ الأَرضَ وَمَن عَلَيها وَإِلَينا يُرجَعونَ﴾ [مريم: ٣٩-٤٠].

فأنْ تخافَ في الدنيا القصيرة الفانية وتأمن في الآخرة الباقية خيرٌ من أمانك في الدنيا وخوفك في الآخرة.

12ـ ومن مظاهر الرحمة: دعوة الناس إلى عبادة الله تعالى.

﴿وَاذكُر فِي الكِتابِ إِبراهيمَ إِنَّهُ كانَ صِدّيقًا نَبِيًّا. إِذ قالَ لِأَبيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعبُدُ ما لا يَسمَعُ وَلا يُبصِرُ وَلا يُغني عَنكَ شَيئًا﴾ [مريم: ٤١-٤٢].

فمن أعظم الرحمة أن تعبد الله السميع البصير، القادر على كل شيء.

13ـ غايةُ الخذلان أنْ لا تنالَك رحمةُ الرحمن.

قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه آزر: ﴿يا أَبَتِ لا تَعبُدِ الشَّيطانَ إِنّ الشَّيطانَ كانَ لِلرَّحمنِ عَصِيًّا. يا أَبَتِ إِنّي أَخافُ أَن يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحمنِ فَتَكونَ لِلشَّيطانِ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٤-٤٥].

14ـ سعة رحمة الله تعالى تدعو العبد إلى الاستغفار.

قال إبراهيم لأبيه آزر: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيكَ سَأَستَغفِرُ لَكَ رَبّي إِنَّهُ كانَ بي حَفِيًّا. وَأَعتَزِلُكُم وَما تَدعونَ مِن دونِ اللهِ وَأَدعو رَبّي عَسى أَلّا أَكونَ بِدُعاءِ رَبّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٧-٤٨].

15ـ من رحمة الله تعالى أنَّ مَن فارق الكفر والمعصية عوَّضه الله تعالى بالخير العظيم.

﴿فَلَمَّا اعتَزَلَهُم وَما يَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ وَهَبنا لَهُ إِسحاقَ وَيَعقوبَ وَكُلًّا جَعَلنا نَبِيًّا. وَوَهَبنا لَهُم مِن رَحمَتِنا وَجَعَلنا لَهُم لِسانَ صِدقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٩-٥٠].

16ـ ومن رحمة الله تعالى: إكرامُ العبد بالأخ الذي يشدُّ الأزر.

قال تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وَوَهَبنا لَهُ مِن رَحمَتِنا أَخاهُ هارونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣].

وموسى قد دعا ربه: ﴿وَاجعَل لي وَزيرًا مِن أَهلي. هارونَ أَخِي. اشدُد بِهِ أَزري. وَأَشرِكهُ في أَمري﴾ [طه: ٢٩-٣٢].

17ـ آياتُ القرآن هي من رحمة الله المنان.

﴿إِذا تُتلى عَلَيهِم آياتُ الرَّحمنِ خَرّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].

18ـ من رحمة الله تعالى وعده لعباده.

﴿جَنّاتِ عَدنٍ الَّتي وَعَدَ الرَّحمنُ عِبادَهُ بِالغَيبِ إِنَّهُ كانَ وَعدُهُ مَأتِيًّا﴾ [مريم: ٦١].

﴿وَأَمَّا الَّذينَ ابيَضَّت وُجوهُهُم فَفي رَحمَةِ اللَّهِ هُم فيها خالِدونَ﴾ [آل عمران: ١٠٧].

﴿أَفَمَن وَعَدناهُ وَعدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقيهِ كَمَن مَتَّعناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنيا ثُمَّ هُوَ يَومَ القِيامَةِ مِنَ المُحضَرينَ﴾ [القصص: ٦١].

19ـ مِن تمام النعمة والرحمة أنْ يكونَ في الآخرة إكرامُ المتقين، والجزاءُ العادلُ للمجرمين.

﴿يَومَ نَحشُرُ المُتَّقينَ إِلَى الرَّحمنِ وَفدًا. وَنَسوقُ المُجرِمينَ إِلى جَهَنَّمَ وِردًا﴾ [مريم: ٨٥-٨٦].

20ـ مِن رحمة الله سبحانه بالمتقين: قبولُه لشفاعتهم.

﴿لا يَملِكونَ الشَّفاعَةَ إِلّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحمنِ عَهدًا﴾ [مريم: ٨٧].

21ـ ومِن رحمة الله تعالى أنه يحبُّ الصالحين ويحبِّبهم إلى العباد.

﴿إِنَّ الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].

22ـ ومن رحمة الله تعالى بالأمة أنْ يسَّرَ لها القرآن العظيم.

﴿فَإِنَّما يَسَّرناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَومًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧].

﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.