طائفة من آداب الإسلام الاجتماعية (3)

أيها المستمع الكريم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد.

ذكرت في حلقة الأمس طائفة من آداب الإسلام الاجتماعية التي ينبغي أن ينشأ عليها شبابنا وأبناؤنا، واليوم أذكر طائفة أخرى من الآداب العالية الرفيعة ليكون عليها سلوك كل شاب وشابة وناشئ وناشئة، فأقول:

سادساً: اعْرِفْ للكبير قَدْرَه وحقَّه، فإذا ماشَيتَه فَسِرْ عن يمينه متأخراً عنه بعض الشيء، وإذا دخلتَ أو خرجتَ فَقَدِّمْه عليك في الدخول والخروج، وإذا التقيتَ به فأعطه حقه من السلام والاحترام، وإذا اشتركتَ معه في الحديث فَمَكِّنْهُ من الكلام قبلك، واستمع إليه بإصغاء وإجلال، وإذا كان في الحديث ما يدعو للمناقشة فناقشه بأدب وسكينة، وغُضَّ من صوتك في حديثك إليه، وإذا خاطبته أو ناديته فلا تنس تكريمه في الخطاب أو النداء.

وإليك بعض الأحاديث والآثار التي تدعو إلى هذه الآداب الرفيعة، جاء أخوان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحدثاه بحادثة وقعت لهما، وكان أحدهما أكبر من أخيه، فأراد أن يتكلم الصغير فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كَبِّرْ كَبِّرْ. أي أعطِ الكبير حقه ودَعْ لأخيك الأكبر الكلام. رواه مسلم والبخاري. وقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يُـجِلَّ كبيرَنا ويرحمْ صغيرنا ويعرِفْ لعالِـمنا حقه. رواه الإمام أحمد والحاكم.

واستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلِّمُ الشبابَ والأبناء آداب الصحبة والاجتماع وتقديم الكبير على غيره، روى البخاري ومسلم عن الصحابي الجليل مالك بن الحويرث رضي الله عنه: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شَبَبَةٌ متقاربون - أي شباب متقاربون في السن - فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً رفيقاً، فظنَّ أننا قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألَنا عمن تَرَكْنا من أهلنا فأخبرناه، فقال: ارجِعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلِّموهم ومُرُوهم، فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّنْ لكم أحدُكم، وليؤمُّكم أكبرُكم. وإليك ما رواه البخاري في صحيحه في آداب خفض الصوت من الصغير عند محادثة الكبير، قال البخاري: قال عبد الله بن الزبير: بعد أن نزلت آية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾، كان عمر بن الخطاب إذا حدَّث رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حدثه كأخي السِّرار - أي كالمناجي غيره بسره - لم يُسْمِعْهُ حتى يَستَفْهِمَهُ. أي يخفِضُ صوته ويبالغ حتى احتاج إلى استفهامه عن بعض كلامه. وحكى الحافظ الذهبي في سيرة الإمام التابعي الجليل ابن سيرين أحد الأئمة الأجلة الفقهاء، قال: قال بكار بن محمد عن عبد الله بن عون أن محمد بن سيرين كان إذا كان عند أمه لو رآه رجل لا يعرفه ظن أن به مرضاً من خَفْضِ كلامِه عندها. وحكى الحافظ الذهبي أيضاً في ترجمة عبد الله بن عون البصري تلميذ ابن سيرين وأحد الأئمة الأعلام: أن أمه نادتُه فَعَلا صوتُه صوتَها، فخاف فأعتق رقبتين.

سابعاً: إذا دخلت مكاناً فيه نيام بالليل أو النهار فراعِهم وتلطف في حركتك وصوتك عندهم، ولاتكن ثقيلاً في ضجيجك أو دخولك أو خروجك، بل كن رقيقاً لطيفاً، فقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يُحرَم الرِفقَ يُحرَمْ الخيرَ كله. وقال الصحابي الجليل المقداد بن الأسود رضي الله عنه: كنا نرفع لرسول الله نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلِّمُ تسليماً لا يوقظ النائم ويُسمِعُ اليقظان. رواه مسلم والترمذي. وكان صلى الله عليه وسلم إذا قام يتهجد بالليل قرأ بصوت يؤنِسُ اليقظان ولا يوقظ الوسنان.

هذه طائفة من آداب الإسلام، قدمتُها لكم أيها الأبناء الأعزاء في أربع حلقات متتالية، لتعملوا بها وتسيروا عليها، وخير ميدان للعمل بهذه الأخلاق النبيلة والآداب الرفيعة، هو شخصك وشخص أبيك وأخيك ومعارفك، فلا تتساهل في القيام بها فيما بينك وبين أقاربك وإخوانك زاعماً أنه لا كلفة بين الأهل والإخوان، فأحقُّ الناس بالبر واللطف منك أهلك وأصحابك، فقد روى البخاري ومسلم أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسأله فقال: يا رسول الله، من أحقُّ بحسن الصُّحبة مني؟ فقال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك. أي الأقرب فالأقرب.

فحذار أيها الأبناء الأعزاء، أن يتساهل الواحد منكم مع أحقِّ الناس بحسن الصحبة منه كأمه وأبيه وأخيه، ويتكايس أو يتظارف مع غيرهم، فإنْ فَعَلَ أحدُكم هذا فقد أخطأ أدب الإسلام وظَلَمَ الحقَّ الذي عليه، وجانَبَ الهديَ الذي رسمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستعينوا بالله على التحقق بمرضاته بآداب شريفة، وهو الذي يتولى الصالحين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من كتاب:" أيها المستمع الكريم" إعداد ومراجعة: محمد زاهد أبو غدة

الحلقة السابقة هـــنا