صُوَرٌ مُشرِقَةٌ مِن رَوائع الحُبّ والوَفـَاءِ

لقد أخرج النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم للإنسانيّة جيلاً قياديّاً، يمتاز بصفات عليا، وخصال رفيعة، من الكمال الخلقيّ، وقوّة الإرادة، وعلوّ الهمّة، وصدق العزيمة، والحبّ الخالص، والتضحية النادرة ذلك لأنّ التربية النبويّة كانت تعتني بالنوع لا بالكمّ، وبرفع المستوى ورقيّه، لا بإكثار العدد والمباهاة به..

* مواقف الحبّ، وثمرات المعرفة والقرب: يحسن بنا أن نعرض بعض ثمرات هذا الحبّ، وآثاره في الفرد والجماعة، وما تحقّق في حياة الناس من عجائب الانقياد والطاعة، وخير ما يلتمس ذلك في سيرة الصحابة رضي الله عنهم مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، الذي خصّه الله بأعظم الخصائص، وحباه أكرم الفضائل، وجمع له أسمى صفات الجمال والكمال، وأبلغ معاني الحسن والإحسان، وأرسله رحمة للعالمين، وجعله رءوفاً رحيماً بالمؤمنين، " فمن رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه ".

وكان كل جليس من جلسائه يحسب أنه أحبّ الناس إليه، وأكرمهم عنده منزلة، لما يرى من حسن إقباله عليه، واهتمامه بملاطفته وحديثه، ويقول واصفه عليّ رضي الله عنه: " لم أر قبله ولا بعده مثله ".

* فمن أعظم ثمرات الحبّ الصادق:

1 ـ الطاعة والاتّباع، ودقّة التنفيذ والالتزام بأمر الله تعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا الالتزام والطاعة التي لا يعرفها الناس في حياتهم إلاّ في الأنظمة العسكريّة، ولكن التنفيذ فيها لا يكون إلاّ بقوّة النظام وشدّته، وهيمنة العقوبات الرادعة، لمن يشذّ أو يخالف، أمّا دقّة التنفيذ والالتزام في علاقة المؤمن بدين الله وسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فإن باعثها الحبّ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحرص على مرضاة الله ومثوبته.

2 ـ الخروج عن أهواء النفس وحظوظها وشهواتها، وأن يكون هوى المؤمن تبعاً لشرع الله تعالى وهدي نبيّه صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث: ( لا يُؤمِنُ أحدُكُم حتّى يَكونَ هَواه تَبعاً لما جِئتُ بهِ ) رواه الإمام النوويّ رحمه الله في الأربعين، وقال: حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجّة بإسناد صحيح، وتعقّبه ابن رجب فضعّفه من وجوه، انظر جامع العلوم والحكم /393/.

3 ـ فداء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنفس وتعريضها للأخطار دونه صلى الله عليه وسلم، ويبلغ المؤمن ذلك بالنيّة المخلصة، والعزيمة الصادقة، ولو لم يعش مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولم يكن في عصره.

* نماذج فذّة، ومواقف نادرة:

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم، وسلف هذه الأمّة الصالح، يستشعرون حبّهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم في كلّ موقف، ويرونه أعظم القربات إلى الله تعالى، وأجلّ حقائق الإيمان، التي ينبغي للمؤمن أن يتحقّق بها، لقد اندفع إليه أصحابه بالحبّ الصادق، والطاعة والاتّباع ودقّة التنفيذ والالتزام، والخروج عن أهواء النفس وحظوظها وشهواتها، وفداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالنفس وتعريضها للأخطار دونه، لقد اندفعوا في ذلك كله كما يندفع الماء إلى الحدور، وانجذبت إليه النفوس والقلوب كما ينجذب الفراش إلى النور، كأنما كان من القلوب والأرواح على ميعاد، وأحبّه أصحابه ورجال أمته وأطاعوه، وفدوه بأرواحهم ومهجهم، حباً وطاعة وفداء لم يسمع بمثل ذلك في تاريخ الأمم مع أنبيائها، أو مصلحيها وقادتها، ووقع في ذلك من خوارق الحبّ والتفاني في طاعته، وإيثاره على النفس والأهل والمال والولد مالم يحدث قبله، ولن يحدث بعده مثله؛

* دقّة الطاعة والجنديّة الصادقة:

فمن ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أعطى الراية يوم خيبر عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وقال له: ( امشِ، ولا تلتفِت، حتّى يفتحَ الله عليكَ )، فسار عليّ رضي الله عنه شيئاً ثمّ وقف، ولم يلتفت، ونادى: " يا رسول الله.! على ماذا أقاتل الناس.؟ فلم ينس رضي الله عنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: ( امش ولا تلتفت.. ) واحتاج إلى سؤال النبيّ صلى الله عليه وسلم عن شأن مهمّ من شئون القتال فوقف وسأل، ولم يلتفت.

* وللنساء نصيب كبير من الحبّ والفداء:

" ولمّا كان يوم أحد، أقبلت امرأة تسعى، حتى كادت أن تشرف على القتلى، فكره النبيّ صلى الله عليه وسلم أن تراهم، فقال: المرأة.! المرأة.!

قال الزبير بن العوّام رضي الله عنه: فتوسّمت أنها أمي ـ وهي صفيّة بنت عبد المطّلب رضي الله عنها، بلغها أن المشركين قتلوا أخاها حمزة رضي الله عنه، ومثّلوا به، فهي تريد أن تراه.

قال: فخرجت أسعى إليها، فأدركتها قبل أن تنتهي إلى القتلى، فلدمت في صدري ـ أي دفعته دفعاً شديداً ـ وكانت امرأة جَلدة ـ أي شديدة ـ وقالت: إليك عني لا أرض لك.

فقلت لها: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم عليك ألاّ تذهبي، فوقفت، ولم تتحرّك من مكانها.

نعم.! وقفت، ولم تتحرّك من مكانها، لأنها تلقّت أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعاً وطاعة.! إنها الجنديّة المثلى، تتجلّى في أشدّ ساعات الهول، ونزول المصيبة.! وحين تطيش العقول، وتزلزل الأفئدة..

ـ وروى ابن إسحاق في السيرة أن امرأة من الأنصار رضي الله عنها، قُتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخبرت قالت: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.؟ قالوا: خيراً، هو بحمد الله تعالى كما تحبّين، فقالت: أرونيه حتى أنظر إليه، فلما رأته قالت: " كلّ مصيبة بعدك جلل " أي: صغيرة.

* وعندما يشتدّ البأس تظهر حقائق الحبّ المكنون:

فمن ذلك قصّة أبي دجانة رضي الله عنه يوم أحد: إذ ترّس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ثلّة كريمة من أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

وكان مثل ذلك من نسيبة بنت كعب رضي الله عنها.

* وأي برهان أعظم من التضحية والفداء.؟!

ومن ذلك موقف زيد بن حارثة رضي الله عنه، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الطائف، إذ كان يتلقّى دون المصطفى الحجارة التي يرمى بها من سفهاء ثقيف وغلمانهم، وفي ذلك يقول بعض المحبّين المادحين:

كانَ يَلقَى عنه الحجارةَ زيدٌ =إنّ رُوحي لنَعلِ زيدٍ فداءُ

وقد بادله رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الحبّ العجيب بالحبّ والإيثار، ومن هنا فكان يسمّى: حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ابنه أسامة رضي الله عنه يسمّى: حِبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حِبّه.

* شهادة من أبي سفيان تكشف عن مكانة الحبّ وثمراته:

لما أخرج المشركون زيد بن الدثنة رضي الله عنه من الحرم ليقتلوه، قال له أبو سفيان بن حرب، وكان على الشرك: أنشدك الله يا زيد.! أتحبّ أن محمّداً الآن عندنا نضرب عنقه، وأنك في أهلك.؟ فقال زيد: " والله ما أحبّ أن محمّداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وأني جالس في أهلي "، فقال أبو سفيان: " ما رأيت أحداً من الناس يحبّ أحداً كحبّ أصحاب محمّد محمّداً ".

* ويوم الحديبية قدّم الصحب الكرام أصدق شهادة: فقد قال عروة بن مسعود الثقفيّ لأصحابه من المشركين، بعدما رجع من مفاوضة النبيّ صلى الله عليه وسلم، عند الحديبية: " أي قوم ! والله لقد وفدت على الملوك، على كسرى وقيصر والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحابُ مُحَمّدٍ مُحَمّداً، والله إن تنخّم نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر تعظيماً له ".

لقد أحاط النبيَّ صلى الله عليه وسلم أصحابُه بالحبّ والتبجيل، ودقّة الأدب، التي لم يكن للعرب بها أيّ عهد أو علم أو معرفة، مع أيّ عظيم من عظمائهم، أو كبير من كبرائهم، ولم يكن ذلك عن تصنّع غير صادق، أو تظاهرٍ منافقٍ، وإنما عن حقيقةٍ راسخة، من الحبّ الصادق، والبرّ والوفاء، والتوقير والتعظيم، بهرت ألباب الآخرين، وشدهت أنظارهم، فشهدوا تلك الشهادات بكلّ إكبار وتقدير، وانطلقت من ألسنتهم تلك الكلمات، التي انتزعتها منهم شدّة الإعجاب بما رأوا وعاينوا..

ولم لا يكونون كذلك؟! وقد بشّر الله بهم، وبشّرهم نصّ كتابه المبين فقال سبحانه: {... فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون}[الأعراف:157].

فكانوا المفلحين حقّاً، وكانوا خير القرون عدلاً وصدقاً..

وإن هذه المواقف من الحبّ الصادق، والفداء النادر لتذكّرنا بصورة من الحبّ التي حباها الله نبيّه صلى الله عليه وسلم، وهو لم يزل بعد في طفولته الأولى، سواء عند حليمة السعديّة، أو بين أترابه، أو بعد أن أكرمه الله بالوحي والنبوّة، فعاداه الطغاة المتجبّرون، وحدب عليه عمّه أبو طالب، ووقف يدافع عنه، ويحميه من أذى قومه، وهو لم يزل على دينهم وعقيدتهم، وقال في ذلك:

وأبيضَ يُستسقى الغمامٌ بوجهِه=ثمالُ اليتامى عِصمةٌ للأراملِ

وفيها يقول:

ونُسلمَه حتّى نُصرّعَ حولَه=ونذهلَ عن أبنائِنا والحلائلِ

أي: ولن نسلمه.

ولا عجب في ذلك كلّه فبعد أن توجّهت العناية الإلهيّة إلى الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بغاية الحبّ والاجتباء والرضا، فإنّ من أثر ذلك أن يكون له القبول بين العباد والسعداء من خلق الله..

ولا تزال شواهد ذلك ودلائله تتكرّر وتعاد إلى يومنا هذا، والسعيد الموفّق من تقوده تلك العاطفة الصادقة إلى الإيمان والهداية.

* ومن هنا كان الحبّ الصادق عدّة الأتقياء ليوم البعث والجزاء: فقد جاء في الصحيحين عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ السَّاعَةِ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لا شَيْءَ إِلاّ أَنِّي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ ) قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: ( أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ )، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ ) [رواه البخاريّ في كتاب المناقب برقم /3412/ و /5701/ و/5705/ و/6620/ ومسلم في كتاب البرّ والصلة والآداب برقم /4775/ و/4778/، وكما يحمل هذا الحديث بشارة عظيمة، لمن يحبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعباد الله الصالحين، فإنه يحمل تهديداً ووعيداً، وإنذاراً شديداً، لمن منح هذه النعمة العظيمة، والجوهرة الثمينة، جوهرة الحبّ، وإخلاص القلب، لمن لا يستحقّها، ممن يحادّ الله تعالى، ويكذّب رسوله صلى الله عليه وسلم، ويحارب دين الله، ويكيد لأوليائه، وأهل الفسق والعصيان، ممّن يستحقّ نقيضها، من البغض في الله تعالى، والجهاد في الله، والحرص على كسر الشوكة: {... فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم}[النور:63].

ويعلّل الإمام القرطبيّ رحمه الله تعالى فرح الصحابة بذلك فيقول: " وإنما كان فرحهم بهذا القول أشدّ من فرحهم بسائر أعمال البرّ، أنهم لم يسمعوا أنّ في أعمال البرّ عملاً يحصل به ذلك المعنى، من القرب من النبيّ صلى الله عليه وسلم، والكون معه إلاّ حبّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فأعظِم بأمر يُلحِق المقصّر بالمشمّر، والمتأخّر بالمتقدّم.. ".

فهل رأيت أخي المؤمن من ثمرة أعظم من هذه المعيّة مع المحبوب.!؟

ويقول الله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا}[النساء:69 ــ70].

قال الإمام القرطبيّ في تفسيره لهذه الآية: " وقالت طائفة: إنّما نزلت هذه الآية لما قال عبد الله بن عبد ربّه الأنصاريّ رضي الله عنه ـ الذي أري الأذان ـ يا رسول الله إذا متّ ومتنا كنت في علّيّين لا نراك، ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك، فنزلت هذه الآية.

وذكر مكّيّ عن عبد الله هذا وأنّه لما مات النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعمني حتّى لا أرى شيئاً بعده، فعمي مكانه.

وحكاه القشيريّ فقال: اللهم أعمني، لا أرى شيئاً بعد حبيبي، حتّى ألقى حبيبي، فعمي مكانه.

وحكى الثعلبيّ: أنّها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شديد الحبّ له، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغيّر لونه، ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، فقال له: يا ثوبان ما غيّر لونك.؟! فقال: يا رسول الله ما بي ضرّ ولا وجع، غير أنّي إذا لم أرك اشتقت إليك، واستوحشت وحشة شديدة حتّى ألقاك، ثمّ ذكرت الآخرة، وأخاف ألاّ أراك هناك، لأنّي عرفت أنّك ترفع مع النبيّين، وأنّي إن دخلت الجنّة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبداً فأنزل الله تعالى هذه الآية.

{.. فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم..}[النساء:69] أي: هم معهم في دار واحدة، ونعيم واحد، يستمتعون برؤيتهم، والحضور معهم، لا أنّهم يساوونهم في الدرجة، فإنّهم يتفاوتون، لكنّهم يتزاورون للاتّباع في الدنيا والاقتداء. وكلّ من فيها قد رزق الرضا بحاله.. " تفسير القرطبيّ 5/272.

* موازين الإيمان لا يعرفها إلاّ كمّل الرجال :

عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، فَقَالَ: وَاللهِ لأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلاّ نَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ عِنْدَهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: فَلأَنْتَ الآنَ وَاللهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: الآنَ يَا عُمَرُ ) رواه الإمام أحمد في مسند الشاميّين برقم /17355/.

وليس الجديد عند عمر رضي الله عنه، هو حصول تلك المحبّة الراجحة للنبيّ صلى الله عليه وسلم، وإنما الجديد هو إدراكه لتلك المحبّة والتفاته إليها، وتقرير ذلك أنه كان في أول الأمر قد امتحن نفسه أمام حبّ الولد والزوج والعشيرة، والمسكن والتجارة، فوجد حبّه لهذه الأشياء مرجوحاً بجانب حبّه لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن قد جرى بعد في خاطره حديث المقارنة بين حبّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحبّه لنفسه، فلم يجرؤ أن يحكم فيه بشيء بل استثنى نفسه من تلك المقارنة، سكوتاً عن الحكم بما لم يختبر، لا حكماً برجحان حبه لنفسه، فلما نبّهه النبيّ صلى الله عليه وسلم، فكّر وقارن وتحسّس حال قلبه، فإذا هو يجد من رجحان محبّته لرسول الله صلى الله عليه وسلم على محبّته لنفسه، ما كان غافلاً عنه، لا ما كان خلواً منه، فقوله صلى الله عليه وسلم: ( الآنَ يَا عُمَرُ ) ومعناه: الآن أصبت في قولك، وأحسنت التعبير عما في نفسك.

قال الإمام القرطبيّ رحمه الله تعالى: " كل من آمن بالنبيّ صلى الله عليه وسلم إيماناً صحيحاً، لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبّة الراجحة، غير أنهم متفاوتون؛ فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظّ الأوفى، ومنهم من أخذ بالحظّ الأدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات محجوباً بالغفلات في أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبيّ صلى الله عليه وسلم اشتاق إلى رؤيته، بحيث يؤثرها على أهله وماله وولده، ويبذل نفسه في الأمور الخطيرة، ويجد رجحان ذلك من نفسه وجداناً لا تردّد فيه.. والناس متفاوتون في محبّته صلى الله عليه وسلم، بحسب استحضار ما وصل إليهم من جهته عليه الصلاة والسلام من النفع الشامل لخير الدارين، أو الغفلة عن ذلك، ولا شكّ أن حظّ الصحابة رضي الله عنهم في هذا المعنى أتمّ، لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بها أعلم ".

* وعليّ المرتضى يكشف سرّ الخيريّة العظيم:

قال عليّ رضي الله عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ إلينا من أموالنا وأولادنا، وآبائنا وأمّهاتنا، ومن الماء البارد على الظمأ ".

* وأمّهات المؤمنين يعلّمن موازين الولاء والبراء: فقد دخل أبو سفيان على ابنته أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله عنها، في مدة صلح الحديبية، فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، طوته عنه، فقال: يابنيّة ! ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني.؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت امرؤ مشرك نجس، فقال لها: لقد أصابك بعد أبيك شرّ.

* طاعة واتّباع وولاء لا يتزحزح:

وكان من شدّة طاعة الصحابة له صلى الله عليه وسلم، والتزامهم بأمره، أنه صلى الله عليه وسلم نهى أهل المدينة عن كلام الثلاثة الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك، فما كان من الناس إلا أن أطاعوه، وأصبحت المدينة لهؤلاء كأنها مدينة الأموات، ليس بها داع ولا مجيب، يقول كعب بن مالك رضي الله عنه: ".. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلامنا أيّها الثلاثةُ، مِن بينِ مَن تخلّفَ عنه، قالَ: فاجتنبَنا الناسُ، أو قَالَ: تَغيّرُوا لنا، حَتّى تَنكّرَتِ لي نفسُ الأرض، فمَا هيَ بالأرضِ التي أعرِفُ.. إلى أن قَالَ: حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمِّي وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاللهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُكَ بِاللهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ.؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ فَقَالَ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الجِدَارَ.. ) رواه البخاري في كتاب المغازي برقم /4066/.

ـ وكان من عجيب حبّه رضي الله عنه وطاعته للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو محلّ عتاب وجفوة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أرسل إليه رسولاً يقول له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقال: أطلّقها أم ماذا أفعل.؟ فقال: لا، بل اعتزلها، فلا تقربنّها، فقال لامرأته: الحقي بأهلك، فكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر.

فانظر أخي المؤمن.! لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يطلّقوا نساءهم أما كانوا يفعلون ذلك بغير تردّد أو تلكّؤ، ويثبتون بذلك إيثارهم لحبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته على حبّ الزّوجة والرغبة فيها.؟!

وكان أيضاً من حبّ كعب بن مالك رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم، وإيثاره على كلّ أحد في الدنيا، وعلى إغراء الدنيا وفتنتها: أن ملك غسّان أرسل إليه يخطب ودّه، ويستلحقه بنفسه، وتلك من أعظم المحن في حال الجفوة والهجر، ولكنه رفض ما عرض عليه، ولم يتزعزع إيمانه وثقته وحبّه، يقول رضي الله عنه: (.. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلا مَضْيَعَةٍ، فَالحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضاً مِنْ البَلاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ، فَسَجَرْتُهُ بِهَا.. ) رواه البخاري في كتاب المغازي برقم /4066/.

* ومن غرائب الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم وإيثاره على النفس والأهل والعشيرة:

ما روى ابن جرير بسنده عن ابن زيد قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد الله ابن أبيّ رضي الله عنه قال: ألا ترى ما يقول أبوك.؟ ـ وأبوه هو رأس المنافقين ـ قال: ما يقول.؟ بأبي أنت وأمي، قال: يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ، فقال: فقد صدق والله يارسول الله، أنت والله الأعزّ، وهو الأذلّ، أما والله لقد قدمت المدينة يارسول الله وإن أهل يثرب ليعلمون ما بها أحد أبرّ مني، ولئن كان يرضي الله ورسوله أن آتيهما برأسه لأتيتهما به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، فلما قدموا المدينة قام عبد الله بن عبد الله ابن أبيّ على بابها بالسيف لأبيه، ثمّ قال: أنت القائل: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ.؟ أما والله لتعرفنّ العزّة لك أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم ! والله لا يؤويك ظلّ، ولا تأويه أبداً إلاّ بإذن من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا للخزرج.! ابني يمنعني بيتي، يا للخزرج.! ابني يمنعني بيتي، فقال: والله لا يأويه أبداً إلاّ بإذن منه، فاجتمع إليه رجال فكلّموه، فقال: والله لا يدخله إلاّ بإذن من الله ورسوله، فأتوا النبيّ صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال: اذهبوا إليه فقولوا له: خلّه ومسكنه، فأتوه فقال: أمّا إذا جاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم فنعم ! ".

* ومن عجائب المسارعة في الطاعة، وسرعة الاستجابة، والخروج عن أهواء النفس ومألوفاتها: ما حدث عند نزول تحريم الخمر، وكان بعض الصحابة في مجلس شرب، فبلغهم الخبر، وبعض القوم شربته في يده، شرب بعضاً، وبقي بعض في الإناء، فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجّام، ثم صبّوا في باطيتهم وقالوا: انتهينا ربّنا.! انتهينا ربّنا.!

* ثمرات لا تفنى، وعجائب لا تبلى: وبعد؛ فلا يزال الحبّ الصادق، يثمر على مرّ القرون ثمراته الطيّبة المباركة، ويتخرّج في مدرسته العامرة كبار الأئمّة الربّانيين، والأبرار المتقين، من مختلف طبقات الأمّة، الذين ضربوا أبلغ الأمثال، وقدّموا أرقى النماذج في الطاعة والانقياد، والتضحية والفداء، فهذا رجل من السلف يقول: " والله ! لو أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقطع الأعناق لقطعناها ".

ـ وإنّ لسان المحبّ ليردّد في كلّ حال مع من قبله من المحبّين الصادقين:

عذابُه فيكَ عذبُ=وبعدُه فيكَ قُربُ

وأنتَ عِندي كرُوحِي=بل أنتَ مِنها أحَبُّ

حسبي مِن الحبِّ أنّي=لما تحِبُّ أُحبُّ

بحبّكَ أصفُو وَالحيَاةُ مَريرةٌ=وَبِاسمِكَ أسلُو وَالأنامُ غِضَابُ

وَلَيتَ الذِي بَيني وَبَينَكَ عَامِرٌ=وَبَيني وَبَينَ العَالمِينَ خَرابُ

إذا صَحَّ مِنكَ الوُدُّ فَالكُلُّ هَيِّنٌ=وَكُلُّ الذِي فَوقَ التُّرَابِ تُرابُ

* ومن آثار المحبة الصادقة الشوق إلى لقاء الله والتعلّل بالرجاء:

قال الله تعالى: {مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم}[العنكبوت:5].

قيل: هذا تعزية للمشتاقين وتسلية لهم.

أي: أنا أعلم أنّ من كان يرجو لقائي فهو مشتاق إليّ، فقد أجّلتُ له أجلاً يكون عن قريب، فإنّه آتٍ لا محالة، وكل آتٍ قريب.

وفيه لطيفة أخرى، وهي تعليل المشتاقين برجاء اللقاء، كما قال الشاعر:

لولا التعلّلُ بالرجاءِ لقُطّعت=نفسُ المحِبّ صَبابةً وتَشَوّقا

حتّى إذا رَوْحُ الرجاءِ أصابَه=سَكَنَ الحريقُ إذا تَعَلّقَ باللقا

وقد روي عن بلال رضي الله عنه أنّه لما حضرته الوفاة بكت بعض بناته وقلن: واحزناه.! فأفاق وقال رضي الله عنه: " بل واطرباه.! غداً ألقى الأحبّة، مُحَمّداً وصحبه ".

فلا حياة للقلب إلاّ بمحبّة الله تعالى، ومحبّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا عيش إلاّ عيش المحبّين، الذين قرّت أعينهم بحبيبهم، وسكنت نفوسهم إليه، واطمأنّت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه، وتنعّموا بمحبّته، ففي القلب فراغ لا يسدّه شيء إلا محبّة الله تعالى، ومحبّة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن لم يظفر بذلك فحياته كلّها هموم وغموم، ونكد وكدر، وآلام وحسرات.

يقول الإمام ابن القيّم رحمه الله تعالى: " ولن يَصلَ العبدُ إلى هذه المَنزلةِ العَليّةِ، والمَرتبةِ السنيّةِ، حتّى يعرفَ اللهَ، ويهتديَ إليه، بطريقٍ تُوصلُه إليه، ويخرقَ ظُلماتِ الطبعِ بأشعّةِ البصيرةِ، فيَقومَ بقلبِه شَاهِدٌ مِن شَواهدِ الآخرةِ، فيَنجذِبَ إليها بكليّتِه، ويَزهَدَ في التعلّقاتِ الفانيةِ، ويَدأبَ في تَصحيحِ التوبةِ، والقيامِ بالمأموراتِ الظاهِرةِ والباطنةِ، وتركِ المنهيّاتِ الظاهرةِ والباطِنةِ، ثمّ يَقومَ حارساً على قلبِه، فلا يُسامحُه بخطرةٍ يَكرهُها اللهُ تعالى، ولا بخطرةِ فُضولٍ لا تَنفعُه، فيَصفُو بذلكَ قلبُه بذكرِ اللهِ ومحبّتِه والإنابةِ إليهِ، فحينئذٍ يجتمعُ قلبُه وخواطِرُه وحديثُ نفسِه، على إرادةِ ربّه وطلبِه والشوقِ إليه، فإذا صدقَ في ذلكَ رُزقَ محبّةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، واستولَت رُوحانيّتُه على قلبِه، فَجعلَه إمامَه وأستاذَه ومُعلّمَه وشيخَه وقُدوتَه، كما جَعلَه اللهُ نبيَّه ورسولَه وهاديَه، فيُطالِعُ سِيرتَه صلى الله عليه وسلم، ومَبادئَ أمُورِه، وكيفيّةَ نُزولِ الوحيِ عليه، ويَعرفُ صِفاتِه وأخلاقَه، وآدابَه وحَركاتِه وسُكونَه، ويَقظتَه ومَنامَه، وعِبادتَه ومُعاشرتَه لأهلِه وأصحابِه إلى غيرِ ذلكَ مما مَنحَه اللهُ تعالى حتّى يَصيرَ كأنّه مَعه مِن بعضِ أصحَابِه ".

* والصحبة الصالحة هي السبيل، وهي العون والدليل:

واعلم أخي المؤمن.! أنّه لا سبيل يبلّغك ذلك، ولا وسيلة تسير بك إلى هذه الغاية الجليلة، وتختصر لك الطريق كلّه سوى الصحبة الصالحة، صحبة أهل العلم والإيمان، والخشية والإحسان، والحبّ في الله والنصح لعباده، صحبة من يذكّرك بالله حاله، وينهض بك إلى الله مقاله، من إخوان الصدق، ودعاة الحقّ، الذين عرفوا الدنيا على حقيقتها، فتجرّدت قلوبهم عن أعراضها الفانية، وزهدوا بحطامها الزائل، وأقبلت قلوبهم على الآخرة بعزم وهمّة، وامتلأت منها، إنّهم أهل الطاعة والحبّ والاتّباع، الذين سلكوا الطريق قبلك، وعرفوا مداخله ومخارجه، وعقباته وغوائله، إنهم لا تراهم إلاّ في أسنى الأحوال الإيمانيّة، والمنازل العليّة، هم أهل الصدق في الطاعة لله تعالى، والاتّباع لرسوله صلى الله عليه وسلم، والنصح لعباد الله، والشفقة عليهم.

وقد زهد بمثل هذه الصحبة كثير من الناس في هذا العصر، وظنّوا أنهم يستطيعون الاستعاضة عنها بالرجوع إلى الكتب، وجمعها ومطالعتها، ولو كان البلاغ لدين الله تعالى تغني عنه الكتب، لشاء الله تعالى أن ينزل على عباده من كتابه الكريم نسخاً، يقرءونها، ويكون لهم البلاغ بها، وتقوم بها الحجّة عليهم، ولكن الأسوة في حياة البشر لابدّ منها، وقضى الله أن يكون التأثير بالحال أعظم من التأثير بالمقال، " وإنّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم ". والله يقول الحقّ، وهو يهدي السبيل.