خواطر في رمضان

 
الشيخ عبد الوهاب خلاف
 
شهر رمضان أكرم شهر عند المسلمين وأعزه عليهم، وهو جدير بأن يتخذوا أيامه مواسم لعبادة الله وشكر الله والبر بعباد الله، وجدير بأن يتبادلوا التحية فيه بقولهم: رمضان كريم.
ففي شهر رمضان من السنة الحادية والأربعين من ميلاد محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ابتدأ نزول الوحي عليه بأوائل آيات القرآن الكريم، ابتدأ نزول الوحي عليه وهو يتعبد في غار بجبل حراء، إذ نودي: [اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ(2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ(3) الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ(4) عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(5) ]. {العلق}..
والقرآن الكريم هو الغيث العميم الذي أحيا به الله موات العقول والنفوس بعد جدب شديد، وهو النور الذي أشاء الله به الوجود بعد ظلام حالك، وهو الهدى والرحمة والشفاء والموعظة. فلا ريب في أن الشهر الذي ابتدأ بزوغ هذا النور فيه أحق الشهور بأن يكرمه المسلمون ويعتزوا به.
وفي شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة التقى الجمعان: جمع المشركين وجمع المسلمين ببدر، والمشركون في عزة من كثرة عددهم وقوة عُددهم، والمسلمون في ذلة من قلة عددهم وضعف عددهم، وقد نصر الله الأذلة على الأعزة، وغلبت الفئة القليلة الفئة الكثيرة، وكان هذا القتال أول قتال بين المشركين والمسلمين، وكان هذا النصر بشرى من الله للمسلمين، وبرهاناً من ربهم على أنه معهم و مؤيدهم، ولذا قال سبحانه:[وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ] {آل عمران:126}. ولا ريب في أن الشهر الذي ظهرت فيه شوكة المسلمين بهذا النصر المبين، وكان فيه يوم يوم الفرقان بين ذلة المسلمين وعزتهم، وفاتحة العهد الجديد لهم، من أحق الشهور بالتكريم والإعزاز.
وفي شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة النبوية فتح الله للمسلمين مكة ودخلوا المسجد الحرام بمشيئة الله آمنين، وطهروا الكعبة من الأوثان والأصنام، وخلصوا المسجد الحرام من شعائر الشرك وسلطان المشركين، وكان هذا الفتح المبين نهاية دولة الشرك والمشركين، وعيد النجاح للدعوة الإسلامية وإعلاء كلمة الله، ومكَّن للمسلمين في أن يبثوا دعوتهم في خارج شبه الجزيرة، وأن يضعوا أسس نظام دولتهم.
هذه النعم الجليلة التي أنعم الله بها على المسلمين في شهر رمضان جديرة بأن تجعل لرمضان شأناً خطيراً عند المسلمين، وجديرة بأن يقوموا فيه بواجب الشكر لله. وقد فرض الله على المسلمين صيامه شكراً على هذه النعم، واستذكاراً لها، واستلهاماً للدروس النافعة من ذكراها.
وكلما أقبل شهر رمضان تخطر بالبال خواطر كثيرة بشأن حكمة صيامه وبعض أحكامه، والقرآن الذي ابتدأ نزوله فيه، وليلةِ القدر التي هي إحدى لياليه، وعيدِ الفطر الذي يكون في نهايته، وغير ذلك من خواطر الصائم، وأنا أتحدث في بعض هذه الخواطر، وقد يكون الحديث معاداً، ولكنه فيه ذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين.
 
لماذا فرض الله الصيام؟
 
الإسلام وكل دين إلهي، يرمي أغراض ثلاثة: إصلاح عقائد الناس، وتهذيب أخلاقهم، ومقاومة ما تقتضيه غرائزهم الحيوانية من ظلم وعدوان. فكل دين إلهي دعا إلى عبادة الله وحده، وإلى تطهير عقول الناس من الأوهام و الأباطيل، وعبادة الحيوانات والجمادات والكواكب وغيرها مما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا يخلق ولا يرزق، ولا حول له ولا قوة، ليجمع ا لناس على معبود واحد، ويهديهم بهدي إله واحد.
وكل دين إلهي دعا إلى العدل والإحسان وبر الوالدين وصلة الأرحام وغيرها من مكارم الأخلاق، ونهى عن الفحشاء والمنكر والبغى ونقض العهد والعقوق والقطيعة وغيرها من الشرور والسيئات.
وكل دين إلهي فرض عبادات ترمي إلى تهذيب النفوس من كل ناحية من واحيها، وإيقاف غرائزها الحيوانية عند الحد الذي يكفل تأمين كل فرد من عدوان غيره عليه في نفس أو عرض أو مال أو أي حق من الحقوق، لأن الإنسان مفطور على حب ذاته، وعلى إيثار مصلحته على مصلحة غيره، ولو ترك لغرائزه كان حيواناً مفترساً يأخذ قوت غيره ولا يبالي بالعدوان على سواه. وقد أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وشرع الشرائع لمقاومة تيار هذه الغرائز الحيوانة وتقريب الإنسان من المستوى الملائكي، ليأمن الناس عدوان بعضهم على بعض، ويعيشوا في الحياة الدنيا متعاونين لا متظالمين. وفرض العبادات التي فرضها على المسلمين لتهذيب أخلاقهم ومكافحة غرائزهم، ولهذا قال سبحانه في الصلاة: [إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ] {العنكبوت:45}.
وقال في الزكاة:[خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا] {التوبة:103}.
والصيام أظهر عبادة في مقاومة الغريزة الحيوانية، لأنه كفُّ النفس عن الطعام والشراب والشهوات النسائية، وهذه هي أهم ما تتطلبه الغريزة الحيوانية في الإنسان، فإذا قاوم الإنسان غريزته وكفها عن أهم شهواتها ونجح في هذه المقاومة كان ذا سلطان قوي على نفسه، وبهذا السلطان يقتدر على كفها عن الزور واللغو والرفث، وغير هذا من الشرور والسيئات، لأن من قدر على كف نفسه عن أهم ما تشتهيه من الطعام والشراب وشهواته النسائية كان على كفها عن غيرها من الشهوات أقدر، وبهذا يقي نفسه من كل سوء، وغلى هذا أشار الله سبحانه بقوله في بيان حكمة فرض الصيام على المسلمين:[ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] {البقرة:21}. وأشار إليه رسول الله بقوله: (الصيام جنة).أي: وقاية مما تقتضيه الغريزة الحيوانية من شر وعدوان. وزاد هذا إيضاحاً بقوله: (فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفث: أي لا يفسق، ولا يصخب ـ أي: لا يصيح ولا يشتد في خصام أو شقاق ـ فإن سابّه أحد أو قاتله ليقل إني صائم)..
فالله سبحانه فرض الصيام على المسلمين كما فرضه على الأمم السابقة ليكون رياضة روحية إلهية، يتغلب بها الإنسان على كبح جماح نفسه ومقاومة غريزته الحيوانية، وليسمو بنفسه إلى مستوى الإنسانية الكاملة القريبة من المستوى الملائكي، فيكون صاف القلب طاهر النفس، عفّ اللسان، يسلم الناس من أذاه ويأمنون من شره، وينعمون ببره وخيره، وهذه هي حكمة فرض الصيام، وإليها أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) وبقوله: (كم من صائم ليس من صومه إلا الجوع والعطش).
وإذا كان بعض الصائمين لا تتجلى في صومهم حكمة الله فهذا لا يقدح في الصوم نفسه، وإنما يقدح فيمن عنى بصورة الصوم لا بمعناه وحقيقته، وبأركانه الظاهرة دون أسراره الباطنة، والله لا ينظر إلى الظواهر والصور، ولكن ينظر إلى القلوب والحقائق.
 
ولماذا فرض الله أن يكون الصيام في رمضان؟
 
في القرآن الكريم إشارة إلى الجواب عن هذا السؤال، فإن الله سبحانه قال:[شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ] {البقرة:185} . أي: أن شهر رمضان هو الذي أنزل فيه القرآن، ولإنزال القرآن الكريم فيه يجب على من شهده وحضره من المسلمين أن يصومه، فالتغبير بالفاء في قوله: فمن شهد، يشعر بأن ما قبلها سبب لما بعدها، أي: أن سبب إيجاب صوم رمضان هو ابتداء إنزال القرآن فيه، لأن القرآن الكريم أول أهدافه ردع العقول عما ألفته من أوهام الشرك وأباطيل الوثنية، وردع النفوس عما اعتادته من مظالم العصبية ومنكرات الجاهلية، وردعُ العقول والنفوس عن هذه الضلالات والسيئات يحتاج إلى أن يكون عقل الإنسان وإرادته وعزيمته له السلطان على نفسه وهواه، وإنما يتحقق هذا برياضة النفس على كفها عن شهواتها، وإضعاف الناحية الحيوانية البهيمية فيها. فالقرآن الكريم والصيام يهدفان إلى غرض واحد هو: السمو بالإنسان إلى مستوى الإنسانية الكاملة.
 
وكيف جمع القرآن ورتب وضبط وحفظ من أي تحريف أو تغيير؟
 
أول ما أنزل من القرآن قوله تعالى:[اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ] {العلق:2}. وكان هذا في 17 رمضان من السنة الحادية والأربعين من ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتعبد في غار بجبل حراء في ضواحيي مكة.
وآخر ما أنزل من القرآن الكريم قوله تعالى:[ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا] {المائدة:3}.وكان هذا في عشية التاسع من ذي الحجة في السنة العاشرة للهجرة، ورسول الله واقف بعرفة في حجة الوداع.
فابتداء نزول القرآن كان في ضواحي مكة، وختام نزوله كان في ضواحي مكة، والمدة التي نزلت آياته فيها حسب الحوادث، والوقائع كانت اثنتين وعشرين سنة وبضعة شهور وأيام.
وقد اتفق جمهور العلماء على أن يسمُّوا ما نزل من القرآن على رسول الله قبل الهجرة إلى المدينة: المكي، وأن يسموُّا مانزل فيه بعد الهجرة: المدني، بصرف النظر عن موضع نزوله، والمكي من القرآن نحو ثلثي القرآن الكريم، والمدني نحو ثلثه.
ومما لا يعرف فيه خلاف بين المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كلما أوحي إليه بآية أو آيات من القرآن بلَّغها أصحابه كما أوحي إليه بلا تغيير ولا تبديل، و أمر كاتباً ممن يكتبون من صحابته أن يكتب ما يبلغه إليهم، فكانوا يكتبونه على رقاع أو على حجارة بيض رقيقة، أو على جريد النخيل، وقد اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم كُتَّاباً لوحيه وهو في مكة وهو في المدينة، من أشهرهم من الأنصار أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وثابت بن قيس بن شماس، ومن أشهرهم من المهاجرين معاوية بن أبي سفيان، ويزيد بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام رضي الله عنهم جميعاً، وكان ما يكتبه كُتَّاب الوحي يحفظ في بيت رسول الله وما يكتب كل كاتب لنفسه يحفظه عنده، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل كتَّاب وحيه على موضع كل آية من سائر الآيات، ويقرر هذا الترتيب بتلاوته ف صلواته وفي تلاواته، وقد حرص بعض الصحابة الكرام على حفظ القرآن كله، من أشهرهم من المهاجرين: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم، ومن أشهرهم من الأنصار أٌبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وكان حفظ الحافظين وصحف الكاتبين لأنفسهم والصحف التي كتبها كتاب الوحي، وحفظت في بيت الرسول أضبط وسائل لحفظ القرآن وترتيب آياته، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من آية قرآنية إلا وهي مكتوبة فيما اعتادوا أن يكتبوا فيه، ومحفوظة في صدور الكثيرين.
وما من آية إلا وهي معروف ترتيب وضعها من سائر الآيات، والقرآن كله يحفظه بترتيبه بعض الصحابة من المهاجرين والأنصار.
وفي أول عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه وفقه الله إلى أن يجمع هذه المكتوبات حتى لا يضيع منها، فكلف بهذا زيد بن ثابت وهو من كُتَّاب الوحي ومن حفاظ القرآن، فاستعان زيد بصدور الحفاظ، وبصحف الكتّاب، وبما كان في بيت الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحف، وأتم جمع القرآن على ملأ من المهاجرين والأنصار، وهم بعد وفاة الرسول بشهور وأحرص ما يحرصون عليه القرآن الكريم، ولو رأوا أن حرفاً نقص أو حرفاً زاد أو كلمة حرفت عن موضعها لسلُّوا سيوفهم وأراقوا دماءهم، فإجماعهم على هذه المجموعة برهان على أنها مجموعة القرآن كما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تغيير فيها ولا تبديل.
هذه المجموعة حفظها أبو بكر رضي الله عنه عنده، ثم خلفه في حفظها عمر، ثم خلفته في حفظها حفصة بنت عمر أم المؤمنين، وفي سنة 20 للهجرة طلب الخليفة عثمان هذه المجموعة من حفصة وقال لها: أرسلي إلينا بالصحف ننسخها، في المصاحف ثم نردها إليك.
فأرسلت بها إليه، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وبعث بنسخة من المصحف إلى أمصار المسلمين، وحفظ بالمدينة نسخة منها، وتم هذا النسخ على ملأ من المهاجرين والأنصار، وعن هذه المصاحف كتب الكاتبون من المسلمين، وحفظ الحافظون، وتناقلوا القرآن كتابة ومشافهة.
والمسلم في مراكش لا يختلف والمسلم في الصين في حرف ولا في كلمة ولا في ترتيب، وهذا مصداق قول الله سبحانه:[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] {الحجر:9}.
والملحدون أعداء الإسلام والقرآن يحاولون أن يزلزلوا عقيدة المسلمين في حفظ القرآن الكريم من أية زيادة أو نقص أو تحريف، فمنهم من يقول: مصحف علي على غير هذا الترتيب، ومنهم من يقول: مصحف عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما ليس فيه المعوذتان، ومنهم من يقول: سورة الأحزاب كانت قدر سورة البقرة، إلى غير هذا من الأراجيف التي دسها الملحدون ونقلها النقلة بغير تروٍ...ولا والله ما رأوا مصحفاً لعلي، ولا لابن مسعود، والذي أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع سيدنا أبي بكر رضي الله عنه للقرآن، ونسخ سيدنا عثمان رضي الله عنه للمصاحف أحق أن يتبع، وحسبنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
المصدر: مجلة لواء الإسلام العدد 1 سنة 8، رمضان 1373هـ.