حكم تشريح الحيوان

بسم الله الرحمن الرحيم

من الفقير إلى الله تعالى محمد الحامد، إلى جناب الأخ الكريم السيد إسماعيل الحافظ المحترم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فإني أحمد إليك الله العظيم الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على حضرة رسوله الأمين عليه وعلى آله الصلاة والسلام.

أخذت كتابك وهممت بالإجابة على سؤالك فيه من غير إبْطاء ولكن الأعمال والموانع حالت بيني وبين ما أريد، وأنت تعلم أنَّ عملي يزداد في أيام الدراسة المدرسيَّة لمكان التدريس في الثانويَّة وعنائه وتوابعه، فوق ما أنا قائم به من العمل الديني في المسجد.

1 – جاء الإسلام وفي العرب طب بعضه نتيجة تجاربهم، وتلقوا بعضه الآخر عن غيرهم من الأمم كأهل الهند والفرس والسِّريان، قد عزَّز الإسلام أمر الطب ورفع من منزلته وأذن في التداوي، وكان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتناول الدواء، ويأمر بتناوله ويشير على المرضى أن يذهبوا إلى الحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور.

وفي الحديث الشريف: «الدواء من القدر، وقد ينفع بإذن الله» [عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله، ينفع ‌الدواء ‌من ‌القدر؟ قال: «‌الدواء ‌من ‌القدر، وقد ينفع بإذن الله» رواه الطبراني (12/169)، وقال: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 85): «رواه الطبراني، وفيه صالح بن بشير المري، وهو ضعيف»]، وفيه أيضاً: «إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكلِّ داء دواءً» [عن أبي الدرداء، بلفظ: "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء" رواه أبو داود في الطب (3874)، والبيهقي في الضحايا (10/ 5)، وضعَّف إسناده النووي في "خلاصة الأحكام" (3267)، وصحح إسناده ابن الملقن في "تحفة المحتاج" (847)].

وفي عهد الوليد بن عبد الملك اتخذ الطب سبيله إلى العلاء فبنى المستشفيات واستقدم إليها مَهَرَة الأطباء وأجرى عليهم الأرزاق الكثيرة والنفقات الواسعة، وخصَّ العميان بعطاء، وجعل لكل أعمى قائداً، ولم يأذن للمجذومين بالخروج وأدرَّ عليهم النفقة.

والمدارس التي أنشأها المسلمون في الطب والصيدلة عديدة في المشرق والمغرب ولهم الفضل الظاهر على أوربا في الطب، وقد نبَّهوا لأول مرة إلى شكل أظافر المسلولين، وعالجوا من اليرقان والهواء الأصفر، وعالجوا الجنون، وقطعوا النزيف بالماء البارد، واستخدموا إبرة الماء الأزرق في العين، وكانوا يفتتون الحصاة في البدن، ويجرون عمل الشق تحت الجلد، واستعانوا بالبنج المخدِّر على الجراحة التي برعوا فيها جدّاً حتى إن نساء الأندلس كنَّ يجرينها للإناث.

2 – هذا الذي تصنعونه بالحيوان وهو حي من شقٍّ له وإخراج للقلب ونحو هذا غير جائز شرعاً، لما فيه من تعذيبه وفي الحديث الشريف: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإن قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، ولْيُحِدَّ أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته».

ومن إراحتها: سقيها الماء قبل الذبح وأن لا يريها السكين، وأن لا يذبح شاة أمام أخرى، وأن تكون الآلة حادَّة بحيث لا يمرها إلا مرة واحدة، ويكره قطع الرأس حين الذبح أو بلوغ النخاع في القطع، بل يكتفى بقطع الحلقوم والمريء والودجين، وهما الوريدان في جانبي الحلقوم.

وإذا كان هذا في الذبائح التي نحن محتاجون إلى ذبحها للأكل فكيف يسمح الإسلام الرحيم بهذه التجريحات والتَّشقيقات والحيوان حيٌّ لم يمت بعد؟

على أنَّ نبضات القلب أضحت معروفة متعالمة، وما من ضرورة تدعو إلى هذا الذي تعملون، وإن الغاية لا تبرِّر الوسيلة في الإسلام، بل يجب أن تكون الوسيلة مشروعة كالغاية سواء بسواء.

وانتبه يا إسماعيل، إلى أمر آخر هو أنَّ حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حيّاً فلا يسوغ تشريح جسده بعد موته وتبديده بغية التعلُّم، حتى إن موتى أهل الذمَّة يعاملون كموتى المسلمين في هذا الأمر فلا يجوز لنا إجراء عمليَّات التعليم في أجسادهم، بل لا يجوز لنا نبش قبورهم كما لا يجوز نبش قبور المسلمين.

أمَّا المحاربون من الكفار فيجوز فيهم هذا الذي تصنعون؛ لأن الله أباح، بل أوجب علينا قتالهم، فدماؤهم وأموالهم حلالٌ لنا في حياتهم.

فالأوْلى أن يسوغ لنا التَّصرُّف في أجسادهم بعد مماتهم.

وليتكم تستحضرون من قتلى اليهود ما به تجرون التجارب العلميَّة وتتفهَّمون الطب في الأجساد.

أما أهل البلاد من المسلمين وغيرهم من المواطنين أهل الكتاب فلا يجوز إيذاؤهم في موتاهم، ولا يعني هذا أنَّ الكفار المواطنين من غير المسلمين ناجون عند الله كلا، فإن الكافرين لهم النار، لكن عقد الأمان بيننا وبينهم له الأثر الذي بيَّنته لك في الدنيا فقط، والعقاب في الآخرة ينتظرهم.

أرجو أن لا تنساني من صالح دعائك، ودمتَ بخير واسلم.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ليلة الأربعاء لسبع ليال خلون من جمادى الأولى سنة 1378هـ

الفقير إلى الله تعالى

محمد الحامد