تطريز الحمار

أشهد أنني لم أجد أشد وقاحة ولا أكثر صفاقة من هؤلاء الرويبضة أصحاب القراءات المعاصرة والفقه الجديد الذين يقولون للمسلمين: إنكم لم تفهموا ما أُنزل إليكم أنتم ولا آباؤكم الأولون منذ عهد الصحابة إلى اليوم ونحن سنفهمكم إياه لتستقيموا على الصراط المستقيم.. فإذا ألقيتَ إليهم السمع وجدتَ متكلّمهم جاهلاً مُدِلّاً بجهلِهْ، يدّعي الهدى وهو أضلّ من حمار أهلِهْ، لا يُقيم لسانه بآية من الكتابْ، ويريد إلغاء التغريد بنعيب الغرابْ، ثمّ يأتي بعض طلبة العلم فيفضحونه على رؤوس الأشهادْ، ويُشتَهَرُ جهلُهُ في كلّ نادْ، فتظنّ – وبعض الظنّ إثم – أنه سيستحيي ويغلق عليهِ بابَهْ، وسيرعوي فيُسدلَ على عوراته حجابَهْ. فإذا به يخرج علينا في اليوم التالي وكأنّ شيئاً لم يكن البارحة، لا يطرف له جفنٌ ولا تهتزّ له جارحة..

أحد هؤلاء سمّى نفسه (مفكّراً إسلامياً) راعني عُنوان مقطع له يقول (الخمرة حلال في الإسلام) وما كُنْتُ أظنني سأسمع مثل هذا ولو في الأحلام.. فسارعتُ لأفتح المقطع لأرى أدلة هذا الجهبذ فإذا به يستشهد بحديث هو في صحيح مسلم.. فقال بالحرف الواحد عندما سأله المقدّم على ماذا استندتَ في تحليل الخَمر؟؟.. قال: في الحديث عن عائشة قالت قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (ناوليني الخَمْرة).. هكذا والله.. بفتح الخاء..

وهاكم نص الحديث قبلَ مروره على لسان (المفكر الإسلامي):

فقد أخرج الإمام مسلم رحمه الله وأصحاب السُّنن عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ناوليني الخُمرة من المسجد»، قالتْ فقلت: إنِّي حائضٌ، فقال: «إنَّ حيضتك ليست في يدك».

فانظر يا رعاك الله كيف يصنع الجهلُ بأهله.. فالحديث يقول (ناوليني الخُمرة) بضم الخاء، وفي لسان العرب: الخُمْرَةُ: حَصِيرَةٌ أَو سَجَّادَةٌ صَغِيرَةٌ تُنْسَجُ مِنْ سَعَفِ النَّخْلِ وتُرَمَّلُ بِالْخُيُوطِ، وَقِيلَ: حَصِيرَةُ أَصغر مِنَ المُصَلَّى، وَقِيلَ: الخُمْرَة الْحَصِيرُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُسْجَدُ عَلَيْهِ.. وسلّم لي على (القراءة المعاصرة)

لقد فهمَ هذا (المفكر الإسلامي) أن زجاجة الخمر كانت في المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من أمّنا عائشة أن تُناوله إياها.. وكأن المسجد النبوي كان فيه زاوية هي أشبه ما تكون بما يسمونه (البار)..

هذا مبلغهم من العلم.. وأذكر أنني ناقشتُ أحد المفتونين بهؤلاء (المفكرين المعاصرين) فكان ممّا قلتُه له: كيف يستقيم أن تأخذ من فلان تفسيره للقرآن الكريم وهو لا يعرف من العربية إلا كما أعرف أنا من السنسكريتية.. والعربية هي أول أداة يجب أن تكون عند المفسر للقرآن العربيّ المبين.. فما كان جوابه إلا أن قال: وما عليه ألا يعرف العربية وهو المفكر الذي تحرر من أغلال فقهكم القديم؟؟؟!!!.. فلم أدرِ أيهُما أحق بالرثاء التابع أم المتبوع.. وهل يسوغ عند عاقل أن يضع في حافر حمار إبرة موصولة بخيوط الذهب وهو يرجو أن يُطرّز له بها ثوباً من الخزّ؟؟؟!!!.. فتأمّلْ..

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين