تبديد أحلام المتثيقف على البخاري

الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فقد كتب بعض طالبي الشهرة بالبول في زمزم، مقالا سمجا يزعم فيه الدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام ضد البخاري، بخيال من جنس خيال الصبيان قفي لعبهم ولهوهم، والرجل نعس نعسة فتحذلق ثم استنوك فساق خبر لعن الواشمة، ثم ضربه بحديث النهي عن اللعن، متوهما أنه يستنتج منه: تعارض ما بينهما، ثم انحدر في ثلب كتاب البخاري بلغة بليدة ومعنى ركيك ينبئ عن عامية حوشاء!

ولا يدري هذا المتثيقف المسكين أن مقتله بين فكيه، فهذا كتاب الله فيه اللعن، وما توهمه من التعارض فسببه جهله بأصول الفقه ومبادئ الفهم، فإن لعن هؤلاء سببه المعصية واستحلال المحرَّم عناداً للشرع، والنهي عن اللعن المطلق في السنة إنما هو حيث لم يوجد سببه.

وأيضا: فلعن الواشمة ونحوها من باب لعن الفعل لا الفاعل، لأنه لعن غير معين، والنهي عن اللعن خرج مخرج النهي عن لعن المعين بعينه أي لعن نفس الفاعل، وفرق ظاهر بين الأمرين لكن من لا عقل له لا حيلة معه، ولهذا قال بعض السلف: (لا يعجبكم منطق الرجل ولا دينه حتى تخبروا كُنه عقله).

وظاهر أن لعن الواشمة ونحوها خاص بالنوع، والنهي عن اللعن عام شمولي أو بدلي، ولا يفرض التعارض بينهما إلا من لم يتصور ما يخرج من عقله، فينحدر في إرسال الكلام جزافا غير مبال أن يرمى بالجهل بالقدر المجزئ من علم الأصول والعربية للمتكلم كي يحل له الكلام في نصوص الشرع.

ومن سوء حظ هذا المتثيقف: أنه لم يجد مثالا يسوقه غير هذا، فطار به فرحا دون أن يتأمل أنه حجة عليه في دعواه الفارغة الدفاع عن كتاب الله ضد ما يسميه افتراءات البخاري، ووجه خذلانه: أن الوشم من تغيير لخَلْق الله المنهي عنه بقوله تعالى: (ولآمرنـهم فليغيرن خلق الله) وهو من إضلال الشيطان وتزيينه، ولهذا صدَّر الآيات في هذا المعنى بلعن من تسبَّب بتغيير الخلق، فقال: (إنْ يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريداً لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأُضلنَّهم ولأُمنينَّهم ولآمرنـهم فليُبتكن آذان الأنعام ولآمرنـهم فليُغَيِّرُنَّ خَلْقَ الله) ونتيجته كل متسبِّب بتغيير خلق الله، أي: لعن فاعله بقياس الأولى الذي هو حجة عند كافة الأصوليين حتى داود.

وهذا كالآمر بقتل رجل بإغواء غيره وإغرائه على القتل، فإن القول بأخذ المغري على القتل دون أخذ المباشر للقتل نوع من العبث الذي يستنكره العقلاء، وهنا لا يعقل أن يلعن من يغري الناس ويغويهم بتغيير خلق الله دون أن يلعن من غيَّر خلق الله فعلا!

وأيضا فنص الآية ظاهر بدلالة التنبيه والسياق على أن مغيِّر خلق الله مستوجب للعن، والوشم من تغيير خلق الله عن وضعه لأنه لا ضرورة له، بل ولا حُسن فيه ولا تزيين، ونعني به الوشم الذي لا يزول أي الذي يؤثر في أصل الخلقة بما يخرجها عن طبيعتها التي خلقها الله عليها، فأما الوشم المعروف فهو جائز، وفي البخاري أن أسماء كانت موشومة اليدين.

وأيضا: فقوله: (لعن الله الواشمة) لعن للفعل كما مر، وهو موافق لكتاب الله الذي فيه لعن الفعل، كلعن الظالمين، ولعن أصحاب المعاصي كما قال تعالى: (لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) وفي هذه الآية التصريح بلعن نبي الله داود وعيسى لهم، فهل يقول هذا المسكين المتثيقف المتكلم فيما لا يعقل ولا يعلم: إن نبي الله لعَّان؟ فما جوابه هنا فهو جوابنا عنه.

وأيضا: فقوله تعالى في رمي المحصنات: (لعنوا في الدنيا والآخرة) والإخبار بلعنهم في الدنيا يلزم منه جواز لعنهم على لسان الصالحين وإلا لزم الخُلف في كلامه تعالى وهو باطل، بدليل قوله في الذين يكتمون الوحي: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) فأخبر بوجود اللاعنين دون بلا إنكار، وهو يقتضي الإقرار ولابد.

وأيضا: فهذه الآية وعيد شديد على هذا المتثيقف لو تأملها، لأنه أخبر بلعن من كتم البيان النبوي للقرآن في قوله: (من بعد ما بيَّناه) أي: بيَّناه على لسان النبي بفعله وقوله وهو السنَّة، ولا يمكنه أن يدَّعي أن المراد بيان القرآن لنفسه لأن هذا أحد أنواع البيان القرآني، بدليل أنه وقع في كتاب الله بالإجماع ما يحتاج إلى بيان غير القرآن كما وقع فيه ما استأثر الله بعلمه، ولهذا تنازع العلماء: هل بيَّن النبي عليه السلام كل ما في القرآن وفسَّره؟ والذي اختاره أبو العباس بن تيمية أنه إنما بيَّن ما لا يعرف معناه إلا من جهته، أي: من علم النبوة.

وإخباره عليه الصلاة والسلام الثابت باتفاق المسلمين في كل عصر ومصر، بلعن الواشمات، بيان نبوي لمعنى تغيير خلق الله الذي لُعن الشيطان به، وإن كان قد يمكن استنباط ذلك من جهة القياس اللغوي، لكنه مشتبه محتمل فقطع البيان النبوي هذا الشك.

واللازم عقلا وشرعا من لعن الشيطان بسبب تغيير الخلق: لعن فاعله المباشر، وهذا المتثيقف منكر للبيان النبوي بطريق الاستهزاء والسخرية التي يلجأ إليها ليغطي بـها عُجره وبجره وعجزه عن الدليل العلمي، ولا ريب أن منكر بيان الرسول للبينات والهدى القرآني شريك لكاتمه في الظلم والإثم، ولو كان لديه بقية من عقل لكفَّ عن هذا الهذيان والعبث.

ومن لطائف البيان القرآني أنه سمَّى وسوسة الشيطان بتغيير خلق الله بالأماني، فقال: (ولأضلنَّهم ولأمنينَّهم ولآمرنهم فليبتكنَّ آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله) فأول وسوسته: ضلال باعتقاد الباطل حقا والحق باطلا، ثم أمنية: بتزيين الكلام له في ترويج الباطل، ثم ينحدر في مهيع جحد الشرائع، وهو يحسب أنه يحسن صنعا، كما قيل:

تقول هذا مُجاج النحل تمدحه ... وإن تشأْ قلتَ ذا قيءُ الزنابيرِ

مدحا وذما وما جاوزتَ وصفَهما ... والحقُّ قد يعتريه سوءُ تعبيرِ

وقال آخر:

في زخرف القول تزيين لباطله ... والحق قد يعتريه سوء تعبير

وكلام هذا المتثيقف المنكر للعن الوشم بعلة قبح اللعن ونـهي المؤمن عنه، مجرد (أماني شيطانية) لا ترجع إلى أثر صحيح ولا عقل صريح، وقد وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن البصري أنه قال في تغيير خلق الله: هو الوشم.

وهو صحيح ولا ينفي أن يراد به معنى آخر أعم أو أخص، لأن تفسير السلف بضرب المثال للتقريب لا للحصر كما تقرر في أصول التفسير.

والحاصل أن مقالة هذا المتثيقف -هداه الله- غرور محض لا يتعلق بـها إلا من خذله الله، ووجوه ما فيها من الفساد والمغالطة كثيرة تظهر بالتأمُّل، وفيما ذكرناه من هذه العجالة كفاية للعاقل، وبالله التوفيق.