الهجرة في كتاب اليهود والنصارى - الهجرة
سنجد في هذا النص (إشعياء: 21/1-17) بشارة جديدة بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم  وعَرْضاً لأحداث هجرته من مكة إلى المدينة (شَمَالاً):
(وَحْي مِن جهة بَرِّية البحر: كزوابع في الجنوب عاصفة يأتي من البرية من أرض مخوفة 2 قد أعلنت لي رؤيا قاسية الناهب ناهباً والمخرب مخرباً... 5 يرتبون المائدة يحرسون الحراسة يأكلون يشربون قوموا أيها الرؤساء امسحوا المجن) (إشعياء: 21/1،2،5) لمّا خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة جنوب المدينة حصل ما يشبه الزوبعة في برّية فاران "مكة" في (أقاصي الأرض... ديار قِيْدار المأهولة) وقِيدار اسم ابن إسماعيل الذي عاش أيضاً في مكة التي فيها (المتوكِّلون على الأصنام) فهم شَعبٌ (مَنهوب مسلوب... صاروا فريسة وليس من مُنقِذ...) كما في إشعياء: 42/10-23، فكِلا الإصحاحين يتحدثان عن بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم في شبه الجزيرة العربية البعيدة عموماً عن التقدم المَدَني والأمْن الاجتماعي إلا حَرَم مكة كما في القرآن: ?أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ? [العنكبوت: 67]، ولم يكن للعرب تكتُّل وقوة كما كان للفرس والروم فصاروا كالنَّهب لغيرهم، حتى أن اليهود كانوا مسيطرين على اقتصاد المدينة (يَثْرِب) قبل الهجرة، ويثيرون الفتن بين القبائل فيها. وقد التقى أهل المدينة قبل الهجرة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في مَوسِم الحج بمكة وبايعوه على حمايته واتّباع دينه، فلما علموا بخروجه من مكة مُهاجِراً إليهم تهيأوا لاستقباله: "يُرتّبون المائدة...".
فكانوا يخرجون يوميًّا إلى مشارف المدينة يترقبونه من الفجر إلى أن تحمى الشمس في الظهيرة، فلما انصرفوا عند اشتداد الحرّ في 12 ربيع الأول ارتفع رجل من اليهود إلى أحد الحُصون فرأى الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر قادمين "ركاب جِمال ثم صرخ" اليهودي بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا الذي تنتظرون "أزواج من الفرسان" فكان أبو بكر حين الدخول خلف النبي صلى الله عليه وسلم على الناقة فاستقبله (500) خمسمئة رجلاً مجهَّزين بأسلحتهم قد مَسَحوا الغبار عن سلاحهم وتروسهم: (لأنه هكذا قال لي السيد: اذهب أَقِم الحارس. ليخبر بما يَرى 7 فرأى رُكّاباً أزواجَ فرسان، ركابَ حمير، ركابَ جِمال. فأصغى إصغاءً شديداً 8 ثم صرخ كأسد: أيها السيدُ أنا قائمٌ على المرْصَد دائماً في النهار وأنا واقف على المحْرَس كلَّ الليالي 9 وهو ذا رُكّاب من الرجال، أزواج من الفرسان) إشعياء: 21/6-9.
وتُعتبر هذه اللحظة نقطةَ التحول إلى بناء الدولة الإسلامية لنشر التوحيد، وكشف بطلان عبادةِ الأصنام والشركِ ثم الرجوع إلى مكة بعد 8 سنوات لِيَكْسر النبيُّ محمد صلى الله عليه وسلم التماثيلَ التي كانت حول الكعبة بعصاً في يده؛ يضرِبُها فتَهوِي إلى الأرض وهو يقول: "جاء الحقُّ وزَهَق الباطلُ، إن الباطلَ كان زَهوقاً". وفي هذا الإصحاح عُبِّر عن مكة بِـ "بابل" لأنها "زَمْزٌ لعبادةِ الأوثان وكلِّ ما يقاوم الله". كما في التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ص 1407 وإليكَ بقيةَ النص: (فأجاب وقال: سَقَطتْ سقطت بابِل وجميعُ تماثيلِ آلهتِها المنحوتة كَسَرَها إلى الأرض) إشعياء: 21/9.
ويُكمل الإصحاحُ بيانَ مَراسِم الاستقبال في المدينة حيث امتلأتْ طُرقات المدينة بالرجال والخَدَم والأطفال، والجواري والنساء على سطوح المنازل، وبنات الأنصار يُنْشِدْن أشهر أنشودة عند المسلمين اليوم:
طَـــــلَعَ  البَدْرُ  عليــنا            مِنْ  ثَنِيَّـاتِ الوداعْ
وَجَـــــب الشكرُ علينا            ما  دعـا للهِ   دَاعْ

أيها  المبعوثُ  فينا             جئتَ بالأمرِ المُطاعْ
    وقالت غيرهن وهن يَضْرِبْنَ بالدفوف:
نحنُ جوارٍ مِن بني النَّجَّارِ            يا حَبَّذا محمدٌ مِنْ جارِ
وهكذا تحقق ما في إشعياء: 42/11 (لتهتف الصحراء ومُدُنها وديار قيدار المأهولة، وليتغَنَّ أهل سالِع وليهتفوا من قمم الجبال...) وسَلْع جبل في المدينة المنورة. وقد تسابقوا جميعاً وتنافسوا في استضافة النبي محمد صلى الله عليه وسلم: (وحي من جهة بلاد العرب: في الوعر في بلاد العرب تَبِيْتِين يا قوافل الددانيين 14 هاتوا ماء لملاقاة العطشان يا سكان أرض تيماء وافُوا الهارِب بِخُبزه 15 فإنهم مِن أمام السيوف قد هربوا. من أمام السيف المسلول ومن أمام القوس المشدودة ومن أمام شدة الحرب 16 فإنه هكذا قال لي السيد: في مدة سنةٍ كَسَنةِ الأجير يفنى كلُّ مَجْدِ قِيْدَار 17 وبقية عدد قِسِيّ أبطال بني قيدار تَقِلُّ لأن الرب إله إسرائيل قد تكلم) (أشعياء: 21/13-17)
وتَيْم: هو أحد أسماء الجبل الذي يقع شرقي المدينة -كما في المعالم الأثيرة في السنة والسيرة لشراب- و"تَيْمَاء" بعد خيبر شمال المدينة.
والنبي محمد صلى الله عليه وسلم قد خرج من مكة وحول بيته شباب من كل قبائل قريش سيوفهم مسلولة ينتظرون خروجه لقتله كما تآمر الوجهاء في دار الندوة، أو السيف المسلول إشارة إلى أذى خالد بن الوليد قبل إسلامه. وفي آخر الإصحاح بشارة بالنصر في غزوة بدر (انظر تفصيلها في مقالينا عن غزوة بدر في الكتاب المقدس).
    ونفترق على موعد اللقاء بأحداث أخرى من السيرة النبوية في الكتب المقدسة عند اليهود والنصارى إن شاء الله، مما يؤكد بتضافرها وكثرتها أنها بشارات بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي جاء ليتم ما بدأه الأنبياء السابقون عليهم السلام فكل من لم يؤمن به لا يكون متبعاً إخوانه الأنبياء الذين أمروا بذلك.