الموجز في التاريخ: الفتوحات زمن عبد الملك وابنيه: الوليد وسليمان

الجبهة البيزنطية

استتب الأمر لعبد الملك بن مروان بعد أن قضى على كل خصومه المناوئين له؛ فاتجه بعد ذلك لإكمال مسيرة الدولة في الفتوحات؛ فأوْلى الجبهة البيزنطية الملتهبة اهتمامًا كبيرًا؛ بعد أن كان الإمبراطور البيزنطي قد حاول استغلال انشغال الدولة بتصفية خصومها في الداخل، ولكن عبد الملك بن مروان استطاع أن يفوت الفرصة عليه، وأن يهزمه في معارك كثيرة، مهَّدت لحصار القسطنطينية زمن ابنه سليمان، ومحاولة فتحها، عام: (98 ه)، بقيادة مسلمة بن عبد الملك، أعظم قادة هذه الجبهة، ولكن الحملة باءت بالفشل لأسباب كثيرة، ولـما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة؛ أمر بانسحاب المسلمين من أسوار القسطنطينية، والعودة إلى دمشق.

الشمال الإفريقي والأندلس

أولى عبد الملك بن مروان اهتمامًا خاصَّاً للتوسع في الشمال الإفريقي؛ فعهد بولايته إلى الشيخ الأمين: حسان بن النعمان الغساني، الذي استطاع تحقيق انتصارات كبيرة على البيزنطيين فيه، كما استطاع نهاية المطاف هزيمة الكاهنة وقتلها(1)، وذلك عام (82 ه)، وبعدها عمل على تنظيم أمور المغرب الإدارية والعسكرية وغيرها، وفي عام (85 ه) عزله والي مصر: عبد العزيز بن مروان، وولى مكانه: موسى بن نصير، عام: (85 ه) الذي عمل على نشر الإسلام بين البربر، وتمكينه في نفوسهم، وتأليف قلوبهم، واستخدم لذلك كل الوسائل الممكنة؛ حتى انتشر الإسلام في المغرب الأقصى كله، وصار البربر من أخلص أهل الإسلام ودعاته.

استطاع موسى بن نصير بعد حملات عسكرية منظمة السيطرة على جميع الشمال الإفريقي، من برقة إلى المحيط الأطلسي، وأصبح سيد إفريقية بلا منازع، كما كان يقوم بحملات بحرية على جزر البحر المتوسط، كجزيرة صقلية وغيرها، وبعد أن أرسى قواعد الإسلام في المغرب الكبير؛ توجت حملاته لفتح بلاد الأندلس، ونشر الإسلام فيها، فبدأه بإرسال حملة استطلاعية، عام: (91 ه)، مؤلفة من خمسمئة جندي، جعل على قيادتها: طريف بن مالك، فاجتاز طريف المضيق، ونزل في جزيرة: (بالوما) الإسبانية، التي عرفت فيما بعد باسمه (جزيرة طريف)، وبعدها أرسل موسى بن نصير جيشًا، قوامه سبعة آلاف رجل، جعل على قيادته: طارق بن زياد، فتمت عملية إبحاره بسرية تامة، لم يشعر بها الإسبان، وذلك عام: (92 ه).

استولى طارق على ولاية: (الجزيرة الخضراء)، وبدأ فتح الأندلس الحقيقي بمعركة: (وادي لكة) التي انتصر فيها على لذريق القوطي وجيشه، وذلك لليلتين بقيتا من رمضان، عام: (92 ه) واستغل طارق هزيمة أعدائه، فلم يترك لهم مجالًا للتجمع وإعادة تنظيم قوتهم؛ بل وضع نصب عينيه الاستلاء على طليطلة عاصمة عدوه؛ ليفقده قاعدة حكمه وملكه، فتسهل بعده السيطرة عليه، وقد استطاع طارق بالفعل السيطرة عليها، وعلى غيرها من كبرى المدن الأندلسية.

منذ أن بعث موسى بن نصير طارقَ بن زياد إلى الأندلس وهو مكبٌّ على الدعاء، والتضرع إلى الله تعالى، أن ينصر المسلمين في الأندلس، ويفتح عليهم، وظل يرقب تحركات طارق، وانتصاراته في الأندلس؛ حتى فتح الله على طارق البلاد، وأخذت جيوشه تتوسع في الأندلس؛ فخاف طارق بعد هذا التوسع أن يفقد السيطرة عليه؛ فأرسل يطلب المدد من موسى بن نصير؛ فعزم موسى بن نصير على دخول الأندلس بنفسه، على رأس جيش كبير، وذلك عام: (93 ه)؛ فدخلها، واستولى على عدد كبير من مدنها، كانت إشبيلية أعظمها، فجعلها عاصمة الأندلس، ثم استعاض عنها بقرطبة، التي ظلت عاصمة الأندلس حتى نهاية عهد الخلافة فيها، بعد ذلك التقى موسى بن نصير بطارق بن زياد قرب طليطلة، عام: (94 ه)، وفيها أخذا يخططان لفتح شمال شبه الجزيرة الأيبيرية(2).

ومما تجدر الإشارة إليه: أن ما ذكره عدد من المؤرخين من أن موسى بن نصير حسد طارقَ بن زياد على ما أنجزه من فتوحات في الأندلس، فحمله ذلك على عزله والإساءة إليه، أو الهمّ بقتله؛ إن مثل هذا الإيراد كلامٌ لا واقع تاريخي له، ولا تسمح بقَبوله مجريات الأحداث، وكلُّ ما أثير حول هذا الموضوع، وصيغ في هذا الاتجاه؛ لا يقوى على الثبات أمام النقد العلمي التاريخي الأمين، والبحث النزيه، فلم يكن موسى بن نصير مغمورًا محرومًا من شرف الفتح، وخدمة الإسلام حتى يقدم على مثل هذا الأمر، وهو الذي عرفته بقاع المغرب وصحراؤه قائدًا عظيمًا"(3).

كان موسى بن نصير يخطط لعبور جبال البرانس، واجتياح أوربا كلها، والوصول إلى القسطنطينية، وفتحها من جهة الغرب؛ لولا استدعاءَه إلى دمشق من قبل الوليد بن عبد الملك، وأمره بالتوقف عند هذا الحد من الفتوحات؛ خوفًا من توغل المسلمين في أرض لا يعرفونها، أو خوفًا على سلطانه من ازدياد قوة موسى بن نصير، واتساع نفوذه، ولو قُدِّر لهذا المشروع أن يتم؛ لتغير شكل النظام الدولي تمامًا، ولقضي على القوى غير الإسلامية، ذلك أن أوربا كانت متفرقةً فيما بينها، ولم يكن لها كيانٌ سياسيٌّ واحدٌ، يعادل قوة المسلمين آنذاك؛ مما جعل أوربا تتنبه بعد ذلك لهذا الخطر، وتغلق أبوابها بوجه المسلمين من الغرب، كما هي مغلقةٌ بوجههم من الشرق في القسطنطينية، ولم تفلح محاولات القادة فيما بعد لاستكمال مشروع موسى بن نصير، بل لقد مني القائد: عبد الرحمن الغافقي بخسارة كبيرة في موقعة بلاط الشهداء عام: (114 ه) لـمَّا حاول التوغل أكثر في بلاد الفرنجة، وحرمت بذلك بقية أوربا من وصول الإسلام إليها أيضًا(4).

توالى على الأندلس بعد عودة موسى بن نصير إلى دمشق، وحتى قيام الإمارة الأموية فيها عام: (138 ه) نحو عشرين أميرًا، كان أولهم: عبد العزيز بن موسى بن نصير، الذي كان بحقٍّ خير خلف لخير سلف، استطاع بحسن سياسته وإدارته أن يثبت الإسلام وأهله في الأندلس(5)، وبعد عودة موسى بن نصير إلى دمشق بسنوات؛ توفي في المدينة المنورة، وهو ذاهب إلى الحج، صحبة الخليفة: سليمان بن عبد الملك، عام: (97 ه)، فعليه رحمة الله(6).

**********

الهوامش:

(1) الكاهنة: امرأة من البربر، سميت الكاهنة لأنها كانت تدَّعي علم الغيب، اجتمع البربر حولها بعد قتل كسيلة، وكانت من أعظم ملوك إفريقيا، استطاعت هزيمة حسان بن النعمان في معركة (وادي مسكيانة)، وقتل عدد كبير من المسلمين، استولت على المغرب بعد هزيمة حسان لمدة خمس سنوات، إلى أن استطاع حسان بعد ذلك هزيمتها وقتلها، ينظر: ابن الأثير، الكامل، مصدر سابق، 3/416-415.

(2) ينظر: الحجي، عبد الرحمن علي، التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط الأندلس (دمشق: دار القلم، طبعة وزارة الأوقاف القطرية، 1433/2012) ص: (85-91).

(3) وينظر: الحجي، التاريخ الأندلسي، مصدر سابق، ص: 88.

(4) ينظر: ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد، تاريخ ابن خلدون، تحقيق: خليل شحادة (بيروت: دار الفكر، ط 2، 1408/1988) 4/150، وينظر: المصري، محمد عبد الله، دولة الإسلام في الأندلس (القاهرة: مكتبة الخانجي، ط 4، 1417/1997) 1/54، وينظر: مصطفى، نادية محمود مصطفى، الدولة الأموية دولة الفتوحات (المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط 1، 1417/1996) ص: 43، وينظر: عبد اللطيف، العالم الإسلامي في العصر الأموي، مصدر سابق، 282.

(5) ينظر: ابن عذاري، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، تحقيق: ليفي بروفنسال، وغيره (بيروت: دار الثقافة، ط 3، 1983) 2/23.

(6) ينظر: ابن الأثير، الكامل، مصدر سابق، 4/85.