الشمال السوري.. بين الواقع المرير والكارثة المباغتة

بين الإنسانية والألم، كما بين الحياة والألم، تلاقٍ واتصال، ومن الطبيعي لذلك أن يتسع الألم.

 

فالمشاعر الإنسانية الصافية إذا استشعرت آثار كارثة أصابت الناس في إحدى بقاع الأرض، تفاعلت مع مصابهم، وتحملت من أوجاعهم، وترصّدت السبل التي تمكنها من مدّ يد العون إليهم. وعلى هذا رأينا كثيرين في شرق العالم وغربه صاروا معنيين بما حدث في جنوبي تركيا وشمالي سوريا.

 

    حصد الزلزال آلافًا من الضحايا والمصابين، وشرد أضعافهم في حالة من الضياع، وأحدث دمارًا هائلًا في المباني، وتخريبًا واسعًا في الطرقات وشبكات الخدمة من كهرباء وغاز واتصالات.

 

عظم الكارثة

كان زلزالًا مدمرًا باغت الناس فجرًا، وتتابعت ارتداداته وما زالت، فيبدو أنها لم تهدأ حتى بعد مضي أكثر من يومين، فحصد الآلاف من الضحايا والمصابين، وشرد أضعافهم في حالة من الضياع، وأحدث دمارًا هائلًا في المباني، وتخريبًا واسعًا في الطرقات وشبكات الخدمة من كهرباء وغاز واتصالات. وترافق ذلك مع ظروف جوية في غاية الصعوبة زادت من صعوبة المأساة، وأعاقت وسائل التعامل معها.

 

بين كتابة الكلمات وقراءتها يُتوقع أن يتغير المشهد، فعداد الضحايا لم يتوقف، إذ ما زال كثيرون تحت الأنقاض، وتحوُّل أسماء من قائمة المصابين إلى قائمة الضحايا أمر متوقع، وما زال البحث عن مفقودين جاريًا، ولا أحد إلا الله يعلم ما ستؤول إليه الأمور.

 

    الشمال السوري الذي يعيش منذ سنوات واقعًا مريرًا، وتكاد إمكاناته تكون معدومة وقواه محطمة هو في مسيس الحاجة إلى العون والمساعدة، والحاصل أنه لا يصله من ذلك إلا النزر اليسير.

 

عين على الشمال

 

توزعت مشاهد المأساة على جانبي الحدود بين سوريا وتركيا، وصرخات الوجع نسمعها هنا كما نسمعها هناك، ولكل منها وقعها الأليم في النفس، فهؤلاء مثل أولئك إخوة لنا، جرحهم يؤلمنا، ومعاناتهم تؤرقنا، وعونهم مسؤوليتنا.

 

وأمام مأساة بهذا الحجم ينبغي أن تتنحى جانبًا حسابات السياسة واهتمامات البحث عن الموقع الأفضل للظهور، لتصل النجدة للجميع، ويتلقى العون والإسعاف محتاجوه، ومن الإنصاف أن يكون الجانب الأضعف قدرة على لملمة جراحه هو الأولى بالمساعدة. أما أن يكون ما يحدث هو العكس فأمر يولد الحسرة، ويثير التساؤل.

 

https://www.youtube.com/watch?v=W7cx0SEc3w0

 

الشعب التركي الذي نسأل الله صادقين أن يرحم شهيده، ويشفي مصابه، ويؤوي شريده، شعب تتابع إخراجه من أزمته دولة قوية، لها مؤسساتها القوية وإمكاناتها الضخمة، وصحيح أن الدولة رغم ذلك تحتاج لمساعدة الخارج، لكن الشمال السوري الذي يعيش منذ سنوات واقعًا مريرًا، وتكاد إمكاناته تكون معدومة، وقواه محطمة هو في مسيس الحاجة إلى العون والمساعدة، والحاصل أنه لا يصله من ذلك إلا النزر اليسير.

 

ومع الإقرار بوجود صعوبات في الوصول إلى الشمال نتجت عن تضرر الطرق، فإننا نعلم أن الإرادة الصادقة بإنقاذ المنكوبين كفيلة بإيجاد الوسائل لتذليل تلك الصعوبات.

 

    التبرعات المادية البسيطة التي يمكن أن يقدمها محدودو الدخل يمكن أن يكون لها إذا اجتمعت أهميتها ودورها، ورب درهم سبق ألف درهم.

 

من موقعي

من موقعي.. ما الذي يمكن أن أفعله؟ سؤال ينبغي لكل واحد منا يوجهه إلى نفسه.

 

لقد تنادى العالم لنجدة المنكوبين من الزلزال، ونحن بذلك الأولى لما تمليه علينا روابط الجوار والدين. وأرى كلًّا منا قادرًا على فعل شيء ما إذا كانت الاستجابة لنداء الإنسانية هاجسًا يؤرقه.

 

على امتداد خريطة الأمة كثيرون من أهل الخير، وبعضهم يدير مؤسسات فاعلة، لديهم إمكانات مادية تؤهلهم لممارسة دور حقيقي في تأمين الاحتياجات العاجلة من تجهيزات إنقاذ وإيواء، ومن أدوية ومتطلبات معيشة. وقد يكون مناسبًا لهؤلاء أن يرسلوا مندوبين لهم على الأرض ليعاينوا الواقع، ويحددوا الاحتياجات بشفافية، ويشرفوا على إدارتها بشكل يحول دون الاستغلال الدنيء لتجار الأزمات.

 

وجود فرق عمل على الأرض تشارك في الإنقاذ، وتقديم الإسعافات والمساعدات الطبية اللازمة أمر مطلوب.

 

إدارة صفحة على الإنترنت تنشر أسماء المفقودين، وتسهل وصول ذويهم إلى معلومات عنهم حال توفرها أمر مطلوب أيضًا.

 

التبرعات المادية البسيطة التي يمكن أن يقدمها محدودو الدخل يمكن أن يكون لها إذا اجتمعت أهميتها ودورها، ورب درهم سبق ألف درهم.

 

كل واحد منا يستطيع أن ينهض من فراشه في جوف الليل البارد، ليستشعر من ألم البرد شيئًا بسيطًا من معاناة أناس يمضون لياليهم في العراء، ليتوجه إلى خالقه بركعتين فيهما دعاء مخلص إلى الله أن يفرج عن أهلنا المنكوبين، وأن يكون لهم عونًا ومعينًا وحافظًا وناصرًا وأمينًا.

 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين