الرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى

هذه كلمات كتبت وألقيت مرتجلة قبل سنوات عندما كنت أخطب في جامع الرضا بجدة، وفيها تذكير بموضوعات يمكن أن يستفيد منها الخطيب والداعية، وقد تكرم الأخ الحبيب طارق عبد الحميد بصفها ، وشجع على نشرها في الموقع . وأرجو أن تكون فيها فائدة.

نعمتان عظيمتان:

من فضل الله على المسلمين: نعمتان عظيمتان تميزن بهما هذه الأمة:[ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ] {البقرة:105}.

النعمة الأولى: نعمة خلود القرآن: فالقرآن هو المصدر الأول والمنبع الأول والعقيدة، فهذه الأمة هي الأمة الأخيرة فليس بعد نبيها نبي، ولا بعد قرآنها كتاب، ولا بعد دينها شريعة، لهذا لم يَكِلْ حفظَ كتابِها إلى أهلها كالكتب السابقة، بل تكفَّل بحفظه بنفسه سبحانه:[إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] {الحجر:9}.

ولقد صدق الواقع التاريخي هذا الوعد الإلهي، فقد مضت 14 قرناً ونيفاً على نزول هذا القرآن، وهو هو كما أنزله الله، وكما تلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم... تتناقله الأجيال محفوظاً في الصدور مكتوباً في السطور متلواً بالألسنة.

ولا يوجد كتاب يحفظه ـ عن ظهر قلب ـ عشرات الألوف من أبنائه إلا القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه..

وحفظ القرآن يتضمن حفظ السنة، لأن السنة هي البيان النظري والعملي للقرآن الكريم.

النعمة الثانية: نعمة السيرة النبوية: وهي سيرة متميزة، علمية مدونة، تاريخية، ثابتة، سيرة مكتملة الحلقات من الولادة إلى الوفاة، وهي سيرة شاملة جامعة، مجسد حياة النبي صلى الله عليه وسلم... نجد فيها الإسلام حياً، والقرآن مفسراً، هذه السيرة هي التطبيق العملي للقرآن:( كان خلقه القرآن).

هذه الحياة يجد فيها كل مسلم أسوته المثلى، فقد أدبه ربه فأحسن تأديبه، وعلمه ما لم يكن يعلم:[لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَاليَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا] {الأحزاب:21}.

ولا يوجد عند اليهود والنصارى مثل هذه السيرة النابضة الشاملة لكل مراحل الحياة... في المأكل... والملبس والزينة... والنوم واليقظة، في الحضر والسفر، في الضحك... وفي الجد... وفي العبادة...، وفي الدين... وفي السلم... حتى النواحي الخاصة في معاشرة الزوجات كلها مروية محفوظة في هذه السيرة الكاملة.

المثل الأعلى للحياة المتوازنة: التوازن بين القلب... والروح... والفردية بين حق الرب سبحانه... وإعطاء كل منها حقها دون طغيان ولا خسران.

1 ـ الرسول العابد:

فتراه في مجال العبادة، العابد الأول فكانت قرة عينه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، وكان يقوم الليل... ويبكي حتى تبلل دموعه لحيته...: (أفلا أكون عبداً شكوراً).

كان يصوم الاثنين والخميس، ويديم الصيام، ويواصل الليل بالنهار،: (وأيكم مثلي، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني).

وكان دائم الذكر لربه في كل أحواله، وعلى كل أحيانه، بقلبه ولسانه، وأدعيته وأذكاره، يتحلى فيها الإخلاص والعبودية لربه.

وكان رغم تعبده لربه، كثير الاستغفار، دائم التوبة: (إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة)، (يا أيها الناس توبوا إلى ربكم.... مائة مرة).

وكان أزهد الناس وأرضاهم باليسير مع ما فتح الله عليه من الفتوح وأفاد عليه من الغنائم... لقي ربه ولم يشبع من خبز الشعير ثلاثة أيام متوالية... فكان يمر الشهر تلو الشهر ولا يوقد في بيته صلى الله عليه وسلم نار...

وكان ينام على الحصير ويؤثر الحصير على جنبه... (مالي وللدنيا، ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف، فاستظل تحت شجرة، ساعة من نهار ثم راح وتركها).

ولهذا رأيناه يرضى... ويغضب... ويفرح... ويحزن... ولكنه إذا رضي لم يدخله رضاه في باطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا فرح كذلك... وإذا حزن لم يخرجه حزنه عن الصبر والرضا...

يضحك أصحابه فيضحك صلى الله عليه وسلم ويمزح أحياناً ولا يقول إلا حقاً.

يأذن للحبشة أن يرقصوا بحرابهم في مسجده صلى الله عليه وسلم.

ويعرف طبيعة الأنصار رضي الله عنهم فيقول في عرس لأحدهم: (أما كان معهم لهو، فإن الأنصار يعجبهم اللهو) ويسمح لجاريتين أن تغنيا في بيته يوم عيد....(حتى يعلم يهود أن في ديننا فسحة وأني بعثت بالحنيفية السمحة).

2 ـ الزوج المثالي:

رأيناه يحسن عشرة أزواجه، ويعدل بينهم، ويصالح بينهن، ويطيب أنفسهن، ويقدر الظروف الخاصة لكل منهن، ويستمع إلى قصصهن وإن طالت رغم همومه ومشاغله، يسابق عائشة رضي الله عنها فتسبقه مرة ويسبقها أخرى ويقول لها: هذه بتلك.

3 ـ الأب والجد:

رأيناه أباً يحب أبناءه، مات إبراهيم فحزن عليه ولم يجد إلا الصبر والرضا: (تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب والله إنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون).

وحين أراد علي أن يتزوج على فاطمة الزهراء ابنة أبي جهل غضب وقال: (إن فاطمة بضعة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها، وإنس لست أحرم حلالاً، وأحل حراماً، والله لا تجتمع بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وبنت عدو الله تحت رجل واحد).

رأيناه يلاعب سبطيه الحسن والحسين، ويوطئ لهما ظهره الشريف، ويركب أحدهما على ظهره، وهو يصلي فيطيل السجود، حتى ظن الصحابة الظنون: (إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله) لم يشأ صلى الله عليه وسلم أن يقطع على الصبي لذة امتطاء ظهره: (إن ابني هذين ريحانتاي من الدنيا).

راعي حقوق الرحم والجوار والصدقة:

يرعى حق الرحم والقرابة، ولو كان أهلها مشركين: (إن لكم رحماً أبلها ببلالها) وحين تمكن منهم يوم الفتح قال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).

يكرم أقارب أبيه من بني النجار، وأقارب أمه من بني زهرة، مثل سعد الذي عرف بأنه خال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن أخاً لأمه، ولكن من بني عمومتها.

رأيناه يرعى حق الجار، وإن ظلم وجار، وإن كان يهودياً: (ما زال جبريل يوصني بالجار حتى ظننته أنه سيورِّثُه)..

رأيناه صديقاً، يرعى حقوق الصداقة..: (اتركوا لي صاحبي...): (لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكنها أخوة الإسلام).

يكرم بعض العجائز ويهدي إليها: ( إن هذه كانت صديقة خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان).

رئيس دولة:

رأيناه رئيساً للدولة، تحيط بها العداوات، يهودية ووثنية ونصرانية، لم يشغله الجهاد عن الشؤون الداخلية، من بناء المسجد، وإقامة السوق، والعلاقات السياسية بين الطوائف... في وثيقة دستورية معروفة... إلى العناية بأمر هرة حبستها امرأة... ومن لقاء الوفود، وإرسال الرسل إلى ملوك الأرض إلى أمر أمة تأخذ بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم...

الرسول القائد:

يخطط للمعارك قبل وقوعها، ويبعث الطلائع لمعرفة أخبار العدو، ويقوم بإحصاء عدد المقاتلين، ويحث على التدريب والرمي: (ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي....) (من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا) ـ مسلم ـ.

يلبس للحرب لبوسها، ظاهر بين درعين، وعلم أصحابه أن الحرب خدعة، يعد العدة، ويأخذ الحذر، ويخطط للمستقبل، ولا يغفل عن التوكل... (يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما).

القائم بعمارة الأرض: مع إقباله على الآخرة، وإعراضه عن الدنيا... يدعو إلى عمار الأرض، لأن عمارة الأرض من زراعة وغرس وصناعة وتجارة... تعد عبادة لله تعالى، إذا صحت النية وأديت على الوجه المطلوب... (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

لم يكن يرفض طيبات الدنيا، بل إذا وجدها تناولها، وإذا لم يجدها لم يحزن على فقدها.

يعجبه من الطعام اللحم، ومن اللحم لحم الذراع، ويعجبه من الشراب اللبن: (من سقاه الله لبناً فليقل: اللهم بارك لنا فيه وزد لنا منه). وكان يستعذب الماء صلى الله عليه وسلم.

يلبس من الثياب ما تيسر، ويخيط بعض الحُلَل للجمعة والعيدين، يرجِّل شعره، ويستطيب، وينظر في المرآة: (اللهم كما حسَّنتَ خَلْقي فحسِّنْ خُلُقي).

يوصي أصحابه بالتنظُّف : (من كان له شعر فليكرمه) ويوصي بالسواك: (السواك مطهرة للفم...) والعناية بالجسم: (حق الله على كل مسلم في كل سبعة أيام يوم يغسل به رأسه وجسده).

رأيناه صلى الله عليه وسلم يتداوى، ويعلم أصحابه أن الله لم ينزل داءً إلا وأنزل له دواءً...

سيرته سيرة جامعة شاملة يجد كل طالب أسوة فيها.

الفقير: يوم كان يضع الحجر على بطنه الشريف.

الغني: يوم وسَّع الله عليه، ووضع الأموال بين يديه.

الحاكم والمحكوم: المحارب والمسالم، العزب والمتزوج، الأب والجد، والشاب والشيخ، السليم والسقيم، المسافر والمقيم، والمعافى والمبتلى... يجدون في سيرته الحافلة وسيرته الهادية متسعاً لهم ليهتدوا بنورها ويقتدوا فيها... في حالات اليسر والرخاء والشدة والبلاء، والانتصار والانكسار...

لا نأخذ جانباً من سيرته أو سنة ونغفل الجوانب الأخرى، نضخم ناحية على حساب نواحي أخرى. هديه فيه الشمول والتوازن والاعتدال والتكامل صلى الله عليه وسلم.

عظيم تواضعه صلى الله عليه وسلم:

قال الله تعالى:[ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ] {الحجر:88}.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له المثل الأعلى في التواضع مع علو مقامه وشرف جنابه.

ويتجلى تواضعه الشريف في سائر أحواله الخاصة والعامة، وأموره الخارجية والداخلية البيتيَّة.

1 ـ من تواضعه صلى الله عليه وسلم أن يخدم نفسه بنفسه:

قالت عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيط ثوبَه، ويخصِفُ نعله، ويعملُ ما يعملُ الرجال في بيوتهم) رواه أحمد وابن حبان.

وهذا لا ينافي أنه صلى الله عليه وسلم كان يسمح لبعض أصحابه أن يخدمه كأنس وغيره، ليتشرفوا بخدمته، ويستفيضوا من بركاته، وليس ذلك من باب التعاظم والترفّع.

2 ـ ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يركب الحمار ولا يخصُّ نفسه بركوب الخيل

عن أنس رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود المرضى، ويشهد الجنائز، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قُريظة على حمار، مخطوم بحبل من ليف ـ أي زمامه ـ وعليه إكاف ـ أي بردعة كالسرج للفرس ـ من ليف).

3 ـ ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يُردف وراءه بعض نسائه:

روى البخاري عن أنس: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر، وإني لرديف أبي طلحة وهو يسر وبعض نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة ـ أي: وقعت المرأة أعينونا ـ فنزلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها أمكم ( وكانت المرأة هي صفية بني حيي أم المؤمنين ) فشددت الرَّحل، وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما دنا، أو رأى المدينة، قال: (آيبون تائبون، عابدون، لربنا حامدون).

بل كان يردف خلفه بعض أصحابه، وصبيان أصحابه، ولا يستنكف من ذلك كما تأنف الكبار والأمراء.

روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد حمل قُثَم بين يديه، والفضل أخاه خلفه صلى الله عليه وسلم أو: قثم خلفه والفضل بين يديه ـ شك الراوي ـ.

وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت وراء النبي صلى الله عليه وسلم ليس بيني وبينه إلا مؤخِّرة الرحل ( أي آخرة الرحل وهو العود الذي خلف الراكب ) فقال: يا معاذ بن جبل. قلت: لبيك يا رسول الله وسعديك....

4 ـ ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم: مِشْيَته مع الأرملة والمسكين والأمَة:

روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ـ وكان في عقلها شيء ـ فقالت: إنّ لي إليك حاجة. فقال صلى الله عليه وسلم: اجلسي في أيِّ سكك ـ أي طُرق ـ المدينة شئت، أجلس إليك حتى أقضي حاجتك).

وروى البخاري عن أنس قال: ( إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت. وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها) أي: ليقضي لها حاجتها بنفسه الكريمة صلى الله عليه وسلم.

5 ـ ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم وتكريمه لعباد الله المسلمين:

ما روى الإمام أحمد من حديث ابن عباس في حجة النبي صلى الله عليه وسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى السِّقاية. فقال: اسقوني. فقالوا: إن هذا يخوضه الناس، ولكنا نأتيك به من البيت، فقال: لا حاجة لي فيه، اسقوني مما يشرب الناس).

فما أعظم هذا التواضع العظيم، من صاحب الخلق العظيم، لم يقبل أن يؤتى بشرابٍ خاص له صلى الله عليه وسلم، وأبى إلا أن يشرب مما يشرب منه الناس ولو خاضت فيه أيديهم.

6 ـ ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء من بعض أصحابه:

روى الترمذي وأبو داود وغيرهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة، فأذن له وقال له: (يا أخي يا عمر أشركني بدعائك، وفي رواية: لا تنسني من دعائك).

حض النبي صلى الله عليه وسلم أمته على التحلي بمكارم الأخلاق

1 ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما مرفوعاً: (إن خياركم أحاسنكم أخلاقاً ) البخاري ومسلم.

2 ـ قوله: (اتق الله حيثما كنت... وخالق الناس بخلق حسن).

3 ـ ( ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله يبغض الفاحش البذيء) أبو داود.

4 ـ (إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجة الصائم القائم) أبو داود.

5 ـ سئل عن أحب عباد الله إلى الله قال صلى الله عليه وسلم: (أحسنهم خلقاً).

6 ـ (إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة: أحاسنكم أخلاقاً).

وإنما كان حسن الخلق سبباً لمحبة الله ورسوله لأن صاحبه كامل الإيمان.

7 ـ (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم أخلاقاً ).

فكامل الإيمان هو حسن الأخلاق.

وحسن الخلق يجمع معاني البر التي تجمع الأمور الاعتقادية والتعبدية والتعاملية:[لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ] {البقرة:177}.

8 ـ (البر حسن الخلق) فحسن الخلق هو الدين كله. ولذلك كان أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق.

9 ـ كما أجاب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم من سأله عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: (تقوى الله وحسن الخلق).

بل إن الدين كله خلق كما فسره ابن عباس رضي الله عنهما عند تفسيره لقوه تعالى:[وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ] {القلم:4}. فقال: أي على دين عظيم.

النصوص المنوِّهة بخُلق النبي صلى الله عليه وسلم

لم تكن الرسالات الإلهية إلا محض اصطفاء إلهي:[اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ] {الحج:75} . وليس لأحد أن يطمح أن يدرك النبوة أو يكتسبها بجهده، أو يخضعها لمقاييس البشر:[وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ] {الزُّخرف:32} والمراد بـ رحمة ربك: النبوة.

وقد هيَّأ الله خاتم أنبيائه صلى الله عليه وسلم واصطفاه على العالمين وجعله ذروة الكمال الخَلقي والخُلقي.

الآيات التي نوَّهت بخُلُقه صلى الله عليه وسلم:

[ن وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ(1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2) ]. {القلم}..

وكانت هذه الشهادة الكبرى لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أوائل بعثته بالرسالة، وكانت هذه الآيات من أوائل ما نزل من القرآن الكريم، قيل: إنها نزلت بعد العلق، واشتهر في أوساط قومه بذكاء الأخلاق وعظمتها، ولقب بـ: الأمين، وساق الله سبحانه هذه الشهادة في جواب الأقاسم التي أقسم بها على براءته مما اتهموه به من الجنون، لأن الأخلاق الحسنة لا تجيء مع الجنون.

وأكَّد ذلك بمؤكدات كثيرة:

1 ـ جواب القسم. 2 ـ إن المؤكدة. 3 ـ إبراز كاف الخطاب تنويهاً وتشريفاً له، 4 ـ اللام المؤكدة التي هي موضع القسم، 5 ـ عبر بـ (على) الدالة على الاستعلاء والتمكن. [إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ] {الحج:67}.[إِنَّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ] {النمل:79}.[إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] {الزُّخرف:43}.

سِر وصف أخلاقه صلى الله عليه وسلم بالعظمة دون الكرم:

الخلق يوصف بالكريم ويراد به وصف صاحبه بالسماحة والرحمة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيماً بالمؤمنين غليظاً على الكافرين، لا يغضب لنفسه بل يغضب لربه سبحانه، وكان مهيباً في صدور أعدائه، منصوراً بالرعب... فوصفه بالعظيم يدخل فيه الإنعام والانتقام.

فقسا ليزدجروا ومن يكُ حَازِماً = فليقسُ أحياناً على من يرحم

ووضع الندى في موضع السيفبالعلى = مُضِرٌّ كوضع السيف في موضع الندى

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

نشرت 2011 وأعيد نشرها وتنسيقها 7/6/2021