الحدود الشرعية معناها ومقاصدها ( 2 / 3)

الإيمان بهذه الحدود الشرعية

من مقتضيات الإيمان بالله تعالى، الإيمان بشرعه، والرضا بحكمه، والقبول عن طواعية واختيار بشريعته، والعمل بها، والخضوع لها، والذود عنها، والحمية والغيرة من انتهاكها، أو عدم العمل بها، والحكم بها والتحاكم إليها، في السراء والضراء، فهذا مقتضى الإيمان الحق، الذي دلت عليه كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، من ذلك:

• قوله تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا" (الأحزاب:36)، قال الطبري رحمه الله: " يقول تعالى ذكره: لم يكن لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما، ومن يعص الله ورسوله فيما أمرا أو نهيا (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا) يقول: فقد جار عن قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي والرشاد."(1) 

وفي الآية دليل على أن أوامر الله على الوجوب، بمعنى أن صيغة افعل الدالة على الأمر تفيد الوجوب، وهذا ما جرى عليه جمهور العلماء، فليس للمكلف خيار في أوامر الله تعالى، وإنما ينبغي له المبادرة إلى الطاعة والامتثال. والغريب أن بعض الناس يشيحون بوجوههم عن دلالة هذه الآية وغيرها، ولكن لا غرابة في ذلك، لأن فقدان الإيمان أو ضعفه، يورث تمردا على شريعة الله وأحكامه.

• وقال عز وجل: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا."(لنساء:60،61). 

قال الفخر الرازي: "اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى عَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ أَنْ يُطِيعُوا اللَّه وَيُطِيعُوا الرَّسُولَ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لَا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ وَلَا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ حُكْمَ غَيْرِهِ" (مفاتيح الغيب)، وقد اتفق علماء التفسير على أن هذه الآية نزلت في المنافقين، وساقوا في ذلك روايات عن أسباب نزولها. (يمكن مراجعتها في مظانها).

• وقال سبحانه وتعالى: "وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ" (المائدة:48).

• عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا أُلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَأتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ، وَنَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، وَمَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللهِ اتَّبَعْنَاهُ" (رواه الإمام الشافعي وأحمد، والترمذي، وقال: هذا حديث حسن).

هذه الآيات وغيرها كثير، وكذلك الأحاديث، تدل على أن المؤمن الحق، هو من يرضى بحكم الله ورسوله، وأن الحدود والعقوبات الشرعية هي من شرع الله تعالى، شرعها لحكمة، وهو أعلم بما يصلح لعباده، فالتنكر لها، أو تعطيلها، يدخل قطعا في التمرد على أوامر الله تعالى، والتنصل من أحكامه، وهو بمثابة إعلان حرب على شريعة الله، وفاعله إن رضي بذلك، وكان له قصد لا مرية فيه، في محاربة شرع الله، فهذا لا ريب في كفره، وفي ذلك جاءت الآيات المحذرة من الوقوع في مثله، قال تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" "الظالمون" "الفاسقون" قال ابن القيم بعد ذكره لأقوال العلماء وتأويلاتهم للآية: " وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ يَتَنَاوَلُ الْكُفْرَيْنِ، الْأَصْغَرَ وَالْأَكْبَرَ بِحَسَبِ حَالِ الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ إِنِ اعْتَقَدَ وُجُوبَ الْحُكْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ، وَعَدَلَ عَنْهُ عِصْيَانًا، مَعَ اعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْعُقُوبَةِ، فَهَذَا كُفْرٌ أَصْغَرُ، وَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِيهِ، مَعَ تَيَقُّنِهِ أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ، فَهَذَا كُفْرٌ أَكْبَرُ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَأَخْطَأَهُ فَهَذَا مُخْطِئٌ، لَهُ حُكْمُ الْمُخْطِئِينَ."(2) 

في كيفية تفعيل تطبيق الحدود

نظام الحدود في الشريعة هو جزء من النظام العام للشريعة، بل مرتبط به، مرتبط بقيم الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر، وقيم التربية والتزكية لإصلاح النفس، بتحليتها بالفضائل، وتخليتها عن الرذائل، وقيم العدالة الاجتماعية، من توزيع الثروات، وإقامة المصالح العامة، وإقامة السلطة السياسية الحاكمة بما أنزل الله، والتداول على الحكم، ونبذ الفساد والاستبداد.

فلا جرم أنه إذا توفر هذا النظام العام، أو الإطار المرجعي القيمي، يأتي تطبيق الحدود الذي هو من وسائل حفظ المصالح العامة للمجتمع وللدولة المسلمة، وفق شروطه المعتبرة. وخير دليل على ذلك، هو بداية الدعوة الإسلامية، حيث بدأت بإصلاح العقيدة، التي هي منطلق كل إصلاح، وانصلح على إثرها السلوك الفردي والجماعي، ثم تدرجت الأمور إلى كافة الإصلاحات منها وضع نظام الحدود والعقوبات، ليكون سياجا للمجتمع والدولة، بحمايتهما من المفسدين والمجرمين.

فلم يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم، بقطع يد السارق، ولا جلد الزاني، ولا غير ذلك من العقوبات، وإنما بدأ بتعليم الاعتقاد الصحيح، وتربية النفوس على القيم الفاضلة، والأخلاق النبيلة، فكانت مقاصد دعوته التعليم والتزكية، قال عز وجل: "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ" (الجمعة:2).

وتطبيق الحدود خاضع لشروط تكفلت كتب الفقه والسياسة الشرعية ببيانها، لا نطيل الحديث عنها، وإنما نقتصر فقط على حادث عام الرمادة زمن سيدنا عمر رضي الله عنه، وهو عام أصيب الناس فيه بمجاعة شديدة، قد تحوج بعضهم أن يمد يده إلى ما عند غيره، ولو كان يسيرا، مما أدرك معه سيدنا عمر خطورة الوضع، فسن على إثره تعطيل حد السرقة استثناء، وليس إلغاء منه له، كما يزعم بعض المتفيهقين، ليستدلوا به على إلغاء الحدود والعقوبات الشرعية، لكونها لم تعد صالحة –حسب ادعائهم- لزمننا هذا.

وبهذا يظهر أن الشريعة الإسلامية كلها رحمة، رحمة في تشريعها، ورحمة في تنزيلها على أرض الواقع، إذ تأخذ بالأعذار، وتلتفت إلى الضرورات المحرجة، ورحمة بعدلها.

شبهة قساوة الحدود

هل قساوة الحدود مانعة من تطبيقها؟ للإجابة عن هذا السؤال ينبغي أن نذكر أنفسنا –بمقتضى الإيمان المطلوب لا الموجود، وبصحيح العقيدة الراسخة في القلوب المؤمنة الخاشعة الخاضعة الراضية- أن الحدود إنما هي من لدن حكيم خبير سبحانه وتعالى، يعلم السر وأخفى، وبما يصلح لعباده، وما قد يضرهم، ما شرع شيئا إلا وفيه مصلحة لعباده، فما على العباد، إن كانوا فعلا عبادا مؤمنين، إلا التسليم والخضوع.

أما كون الحدود والعقوبات قاسية فهذا مسلّم، لا غبار عليه، لأنها تنسجم مع الفطرة الإنسانية، التي جبلت على الميل إلى الشهوات والملذات، بكل أنواعها، فلا يردعها عن المحرمات إلا العقوبات الزاجرات، ولا يحدها عن غيها إلا الحدود الصوارم، فلا ضير أن تكون الحدود قاسيات، إذا طبقت بشروطها وأركانها الهاديات.

ومما استفدته من شيخنا العلامة أحمد الريسوني حفظه الله قوله لي "ونحن ينبغي أن نفتخر بقساوة بعض العقوبات الإسلامية، لأن ذلك يدل على أن مصدرها منزه عن العواطف السطحية، والانفعالات القاصرة، واعتبار النزوات الفردية على حساب أمن الجماعة وسلامتها، وعلى حساب المصلحة البعيدة والعليا للفرد نفسه."(3) 

الحلقة الأولى هــــــنا

1 جامع البيان في تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد شاكر، 20/271.

2 مدارج السالكين 1/346.

3 أخذته عنه سماعا.