الحدود الشرعية معناها ومقاصدها ( 1 / 3)

لا يخفى أن الإسلام عقيدة وشريعة، عقيدة يعتقدها المسلم، تترسخ في قلبه ووجدانه، وبها يصح إسلامه. وشريعة يجب عليه العمل بها، فهي عربون الطاعة، ودليل الانقياد والامتثال والإنابة، إذ لا يكفي التصريح باللسان، دون اعتقاد الجنان، والعمل بالأركان.

وقد ظلت الشريعة حاكمة للمسلمين عبر قرون مضت، وأزمنة خلت، من غير أن نجد من ينادي بالتنكر لها، أو العمل على تعطيلها، أو محاربتها والتضييق عليها، إلى أن جاء الاستعمار الخبيث بخيله ورجِلِه، فلم يكتف هذه المرة بالاستحواذ على خيرات البلاد، ولا بقتل الأبرياء من الرجال والولدان والنساء، وإنما جاء بمشروع جهنمي علماني، وهو محاربة الشريعة الإسلامية، وإزاحتها عن موطن الحكم وتسيير دوالب الدولة، وأن تكون لها السيادة والريادة.

وقد أعانه على ذلك قوم من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا، أجسادهم عربية، وقلوبهم وعقولهم إفرنجية، فهي كائنات مصوغة على نمطه، تعرف منهم وتنكر، حقدهم على الشريعة ظاهر، وحربهم لها باد، نصبهم الأسياد ليكونوا لهم خلفاء من بعدهم، فكانوا شرا منهم في حرب الشريعة، وإقصاء منارها، بالتضييق على علمائها، وسجن أبريائها، وقتل دعاتها.

فما كان من هؤلاء الشرذمة المستقوية بالغرب، إلا أن تثير من حين لآخر الشكوك والريب في قلوب أبناء هذه الأمة، حتى ينسلخوا من دينهم، ويتنكروا لهدي نبيهم عليه الصلاة والسلام، مما استوجب معه الرد والبيان، وتفنيد المزاعم والأراجيف الكاذبات.

ومن القضايا التي تعرضت للحرب على أيدي هؤلاء، تبعا لأسلافهم المستشرقين: قضية الحدود الشرعية، فحسبوها من مخلفات العصر الجاهلي، لا تنسجم مع العصر "المتنور" و"المتحضر"، لكونها قاسية، غير راقية، مما جعلنا ندّون هذه الأسطر، متوخين في ذلك الإيجاز، ومنصرفين عن الإطناب، مبدين في ذلك، معنى الحدود، ومبرزين ما انطوت عليه من المقاصد والحكم، حتى يظهر من خلال ذلك –إن شاء الله– ما امتازت به شريعة الرحمن على مزاعم الإنسان، الذي أسره هواه، وانطمست بصيرته عن إدراك مزايا شريعة رب العالمين.

معنى الحدود

يطلق الحد في اللغة ويراد به، منتهى الشيء، والفصل والتمييز بينه وبين غيره، وقد جمع هذه المعاني ابن منظور في (لسان العرب) بقوله: "الحَدُّ: الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ أَحدهما بِالْآخَرِ أَو لِئَلَّا يَتَعَدَّى أَحدهما عَلَى الْآخَرِ، وَجَمْعُهُ حُدود. وَفَصْلُ مَا بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ: حَدٌّ بَيْنَهُمَا. وَمُنْتَهَى كُلِّ شَيْءٍ: حَدُّه، وَمِنْهُ: أَحد حُدود الأَرضين وحُدود الْحَرَمِ،... وحدَّ الشيءَ مِنْ غَيْرِهِ يَحُدُّه حَدًّا وحدَّدَه: مَيَّزَهُ. وحَدُّ كُلِّ شيءٍ: مُنْتَهَاهُ لأَنه يَرُدُّهُ وَيَمْنَعُهُ عَنِ التَّمَادِي"(1) 

وذهب ابن الأثير في (النهاية في غريب الحديث والأثر) إلى أن الأصل في الحد هو المنع، قال: "وأصل الحد المنع، والفصل بين الشيئين،.."(2) وبه جزم الشوكاني في (نيل الأوطار) بقوله: "الحد لغة المنع، ومنه سمي البواب حدادا، وسميت عقوبات المعاصي حدودا لأنها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها في الغالب."(3)

أما في الاصطلاح فقد لاح لي أن هناك اصطلاحين، اصطلاح القرآن الكريم، واصطلاح الفقهاء، فالأول أشمل وأوسع، والثاني أخصر وأضيق، وبيان ذلك فيما يلي: 

أولا: الاصطلاح القرآني المجيد، ويستبين ذلك من خلال تتبع الآيات الكريمات التي ورد فيها لفظ الحد (حدود)، وهي: 

• قوله عز وجل: "أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ" (البقرة:187). 

• وقوله تعالى: "لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ" (البقرة:226،229). 

• وقوله عز وجل: "وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (النساء:12،14). 

• وقوله سبحانه وتعالى: "وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (المجادلة:3،4). 

• وقوله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا" (الطلاق:1). 

وردت كلمتا (حدود الله) اثنا عشرة مرة في القرآن الكريم سبعة منها في سورة البقرة، وأكثر ما ورد فيها لفظ (حدود الله) في الأحكام الأسرية، من طلاق، أو ظهار، أو بيان حِلِّية معاشرة الزوجة في ليلة الصيام، أو أحكام الإرث، ولم ترد في سياق الحديث عن العقوبات الشرعية، أو ما اصطلح عليها بالحدود، يعني التشريع الجنائي.

وعدم ورود لفظ الحد في باقي الأحكام الشرعية الأخرى، لا يخرجها البتة عن كونها مرادة بهذا اللفظ، لأن حدود الله لفظ عام يشمل كل أحكام الله تعالى التي شرع لعباده، فهو لفظ مستغرق لكل ما ورد من أحكام الله تعالى وشرائعه، ولكل ما جاء بيانا من السنة النبوية لها، فهي كذلك تندرج في حدود الله تعالى، بأمر من الله تعالى بطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم.

وهذا المعنى هو الذي جنح إليه المفسرون:

قال ابن كثير عند تفسيره للآية 187 من سورة البقرة: "وَقَوْلُهُ: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أَيْ: هَذَا الذِي بَيَّنَّاهُ، وَفَرَضْنَاهُ، وَحَدَّدْنَاهُ مِنَ الصِّيَامِ، وَأَحْكَامِهِ، وَمَا أَبَحْنَا فِيهِ وَمَا حَرَّمْنَا، وذِكْر غَايَاتِهِ وَرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ، حُدُودُ اللَّهِ، أَيْ: شَرَعَهَا اللَّهُ وبيَّنها بِنَفْسِهِ (فَلا تَقْرَبُوهَا) أَيْ: لَا تُجَاوِزُوهَا، وَتَعْتَدُوهَا."(4)

وقال القرطبي: "قَوْلُهُ تَعَالَى:(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أَيْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ حُدُودُ الله فلا تخالفوا، فـ (تِلْكَ) إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي."(5)

وجنح الفخر الرازي إلى أن "الْمُرَاد مِنْ حُدُودِ اللَّهِ مَحْدُودَاتُهُ أَيْ مَقْدُورَاتُهُ الَّتِي قَدَّرَهَا بِمَقَادِيرَ مَخْصُوصَةٍ وَصِفَاتٍ مَضْبُوطَةٍ."(6)

وذهب ابن عاشور إلى أن الحدود هي الأحكام الشرعية، فقال: "وحُدُودَ اللَّهِ هِيَ أَحْكَامُهُ وَشَرَائِعُهُ، شُبِّهَتْ بِالْحُدُودِ لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ لَا يَتَجَاوَزُهَا فَكَأَنَّهُ يَقِفُ عِنْدَهَا(7) وقال أيضا: "وَشُبِّهَتِ الْأَحْكَامُ بِالْحُدُودِ لِأَنَّ تَجَاوُزَهَا يُخْرِجُ مِنْ حِلٍّ إِلَى مَنْعٍ."(8) وقال أيضا: "وَحُدُودُ اللَّهِ اسْتِعَارَةٌ لِلْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي الشَّرْعِيَّةِ بِقَرِينَةِ الْإِشَارَةِ، شُبِّهَتْ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ الْفَوَاصِلُ الْمَجْعُولَةُ بَيْنَ أَمْلَاكِ النَّاسِ، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ، تَفْصِلُ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَتَفْصِلُ بَيْنَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّاسُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَمَا هُمْ عَلَيْهِ بَعْدَهُ."(9)

كل هذه النقول وغيرها، مما لا يتسع له المجال لنقله، تؤكد أن حدود الله تعالى هي أحكامه الشرعية، المتضمنة للأوامر والنواهي، فهي باختصار الشريعة المنصوص عليها في القرآن والسنة، التي يجب على المسلم اتباعها والتمسك بها، وهذا من مقتضيات الإيمان، لقوله تعالى: "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا" [الأحزاب:36] وغيرها من الآيات الكريمات.

اصطلاح الفقهاء: إذا ما رجعنا إلى مظانِّ كتب الفقه ومدوناته سنخلص إلى أن الفقهاء أطلقوا معنى الحدود على العقوبات المحدَّدة شرعا، فأفردوها بأبواب معينة من أبواب الفقه، مثل (كتاب الحدود في الزنا والقذف) من (المدونة) التي جمعها الإمام سحنون، و(كتاب الحدود) من (الكافي في فقه أهل المدينة) لابن عبد البر، وقد نسج على منوالهم المحدثون، فأفردوا لها بابا سموه باب الحدود من ذلك: (كتاب الرجم والحدود) من موطأ الإمام مالك، (كتاب الحدود) من (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، و(أبواب الحدود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) من سنن الترمذي. 

غير أننا نلحظ أن بعض المصنفات الفقهية قد تقتصر عند تناولها للحدود على بعضها كحد الزنا والقذف والحرابة، ثم تصنف باقي العقوبات في أبواب أخرى مثل (كتاب أحكام السرقات والحد فيها)، و(كتاب القصاص والديات في الأنفس والجراحات) وخير نموذج على ذلك (المدونة) لسحنون، و(الكافي) لابن عبد البر و(الإشراف على مسائل الخلاف) و(التلقين في الفقه المالكي) وهما للقاضي عبد الوهاب البغدادي(10)،

وهناك من لم يجر على هذا التصنيف، فلم يذكر لفظ الحدود، وإنما اقتصر على ذكر أبواب منفردة لكل حد، أو مجتمعة بعضها في باب، مثل ما صنع الفقيه الأصولي أبو الوليد ابن رشد الجد في كتابه الفذ (المقدمات الممهدات، لبناء ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات، والتحصيلات المحكمات لأمهات مسائلها المشكلات).

ومثل ما ذكرت عن بعض المصنفات المالكية، هو الذي نجده أيضا عند غيرهم من المذاهب الأخرى، كالحنفية والشافعية والحنابلة، مما يعطينا فكرة عن أن مصطلح الحدود بصفة عامة عند الفقهاء قد عنوا بها العقوبات الشرعية، أو ما فيه عقوبة محددة ومقدرة شرعا، وهو ما يسمى عند فقهاء القانون بالتشريع الجنائي.

لكن لماذا قصر الفقهاء مصطلح الحدود على العقوبات الزجرية، دون أن تشمل كافة الأوامر والنواهي الشرعية؟ ففي تقديري أن صنيع الفقهاء قد يكون استند إلى بعض الأحاديث النبويَّة، التي جاء لفظ الحدود فيها، كأنه قصد به هذا المعنى الذي تمسكوا به، فعَن أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا وَفَرَضَ لَكُمْ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا وَتَرَكَ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَكِنْ رَحْمَةٌ مِنْهُ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا وَلَا تَبْحَثُوا فِيهَا" (رواه الحاكم في المستدرك، والطبراني في المعجم الكبير) 

وروى البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ، قَالَ: وَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاَةَ، قَامَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ، أَوْ قَالَ: حَدَّكَ"

وعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ، وَالْمُدَّهِنِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ، فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ، فَيَصُبُّونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا: لَا نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ، فَتُؤْذُونَنَا، فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا: فَإِنَّنَا نَنْقُبُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا، فَنَسْتَقِي " قَالَ: " فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ، فَمَنَعُوهُمْ، نَجَوْا جَمِيعًا، وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا " (مسند الإمام أحمد) 

ويظهر من هذه الأحاديث أنه قصد بالحدود العقوبات المقدَّرة شرعا، والمنهيات التي لا ينبغي تجاوزها وتعديها، وهي المحارم، قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في (جامع العلوم والحكم): "وَقَدْ تُطْلَقُ الْحُدُودُ، وَيُرَادُ بِهَا نَفْسُ الْمَحَارِمِ، ... وَقَدْ تُسَمَّى الْعُقُوبَاتُ الْمُقَدَّرَةُ الرَّادِعَةُ عَنِ الْمَحَارِمِ الْمُغَلَّظَةِ حُدُودًا، كَمَا يُقَالُ: حَدُّ الزِّنَا، وَحَدُّ السَّرِقَةِ، وَحَدُّ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَمِنْهُ "قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُسَامَةَ: أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟" يَعْنِي: فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ. وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنَ اسْمِ الْحُدُودِ فِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ." (11) وهذا الإطلاق أصبح شائعا بين الفقهاء، وجرى به عرفهم، حيث يطلقون على العقوبة حدا، من ذلك قول الثَّوْرِيُّ: "وَضَرَبَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى امْرَأَةً حُدُودًا فِي مَجَالِسَ ثَلَاثَةَ حُدُودٍ أَوْ أَرْبَعَةً"(12) 

وصفوة القول مما سبق: أن لفظ الحدود أخذ معنى شمولي لكافَّة الأحكام الشرعية كما ورد بذلك معناه في القرآن الكريم، ثم ما لبث أن صار معناه مقصورا عند الفقهاء على العقوبات المقدرة شرعا، الخاصة ببعض المنهيات والمحارم. وينبني على هذا أن من لم يدقق النظر فيه، قد يفضي به القول إلى أن تطبيق الحدود أو الشريعة، هو تطبيق العقوبات الزجرية فقط، دون أن يلتفت إلى كافة أحكامها، وشرائعها، باعتبارها نظام حياة.

ونخلص مما سبق، في شأن الحدود من خلال الآيات والأحاديث، إلى ما يلي: 

أولها: عدم قربانها، (فلا تقربوها) وهذا متعلق بالمنهيات المحرمات، باقتحام حماها، والوقوع فيها، لذلك جاء في الحديث النبوي الشريف، "ألا وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه." (متفق عليه)

وثانيها: (فلا تعتدوها)، وهذا متعلق بالواجبات، وذلك بالتعدي عليها بالتغيير والتحريف، وقد يدخل في الاعتداء عليها، تضييعها، وهو ما نبه إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "وحد حدودا فلا تضيعوها"، وقد بسط هذا المعنى ابن الأثير بقوله في معنى الحدود: "وهي محارم الله، وعقوباته التي قرنها بالذنوب، وأصل الحد المنع، والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام: فمنها ما لا يقرب كالفواحش المحرمة، ومنه قوله تعالى: "تلك حدود الله فلا تقربوها." ومنها ما لا يتعدى كالمواريث المعينة، وتزويج الأربع، ومنه قوله تعالى: "تلك حدود الله فلا تعتدوها."(13)

ثم حكم على كل متعد لحدود الله بكون ظالم، قال تعالى: "ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون" قال ابن عاشور: "وَأَفَادَتْ جُمَلَةُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ حَصْرًا وَهُوَ حَصْرٌ حَقِيقِيٌّ، إِذْ مَا مِنْ ظَالِمٍ إِلَّا وَهُوَ مُتَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ، فَظَهَرَ حَصْرُ حَالِ الْمُتَعَدِّي حُدُودَ اللَّهِ فِي أَنَّهُ ظَالِمٌ، وَاسْمُ الْإِشَارَةِ مِنْ قَوْلِهِ: فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ مَقْصُودٌ مِنْهُ تَمْيِيزُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ، أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ، وَهُوَ مَنْ يَتَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ، اهْتِمَامًا بِإِيقَاعِ وَصْفِ الظَّالِمِينَ عَلَيْهِمْ.."(14)

وثالثا: أنه من خلال الآيات السابقة انقسمت الحدود الشرعية إلى قسمين: قسم متعلق بالأوامر، وهي تقتضي الامتثال، وقسم متعلق بالنواهي، وهي تقتضي الاجتناب.(15)

الحواشي:

1- لسان العرب 

2 - النهاية 3/833 

3 - نيل الأوطار 7/105. 

4- تفسير ابن كثير 1/520.

5- الجامع لأحكام القرآن 2/337.

6- تفسير الفخر الرازي المعروف بمفاتيح الغيب 5/277. 

7- التحرير والتنوير 2/420. 

8- التحرير والتنوير 2/186. 

9- نفس المرجع 2/413. 

10- انظر فهرس هذه المصنفات. 

11- جامع العلوم والحكم بتحقيق شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس 2/163. 

12- مصنف عبد الرزاق 

13- النهاية 

14- التحرير والتنوير 2/413 

15- انظر الجامع لأحكام القرآن