إشارة حمراء

1- سبحان مظهر الحسنات، وساتر السيئات:

من جمال نظر الله للعبد أن يُظهِر للناس حسناتِهِ القليلةَ، ويُخفي عنهم سيئاتِهِ الكثيرةَ، فتجده يصوم يومًا سرًا، فيعلم بصومه عشرة، وقد يقترف من الذنوب عشرة، ويغمره ستر ربه، ويبقى الأمر خفيًا، فانتبه:

إنها رسالة ربانية تستفزُّك لإحسان السريرة؛ خشيةَ أن يكون استدراجًا، وَمَنِ اغترَّ بستر الله هلك، فقد كان الصالحون لا يأمنون مَكْرَ الله، فإنه {لَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]..

ثم إن الله عزَّ وجلّ أنزل آدم من الجنة بأكل لقمة، وطرد إبليسَ بترك سجدة، وأردى قابيل بكفٍ من دم، ورَجَمَ الزناةَ بإيلاج قَدْرَ أُنملة، فلا تأمنَنَّ أن يطردك من الجنة بخطيئةٍ واحدة، والسعيد الموفق من فقه عن الله سُنَنَه، والسلام.. [مستفاد من كلام ابن القيم في الفوائد ص (63).]

2- إشارة حمراء لمن أسرَّ حسناتِهِ:

من العباد من يُحسِنُ عبادة السر، إلا أنه يَوَدُّ لو علم الناس بسريرته وخصوصيته، ويتمنى لو تيقظوا لأثر عبادته، وربما أظهر لهم أمارة العطش، والمعنى: إني صائم، أو أبدى علامة السهر، والمراد: الناس نيام وأنا قائم. [المدخل لابن الحاج (3/48)].

فهذا قد صعقه ابن عطاء السكندري ببرقِ واحدةٍ من حِكَمِهِ، فقال: استشرافك أن يعلم الخلقُ خصوصيَتك، دليلٌ على عدمِ صدقِك في عبوديتِك! [حكم ابن عطاء الله ص (244)].

3- إشارة حمراء لمن أخفى سيئاته دون حياء من الله:

من الناس من يسعى في تجويد العلن، ولو كان السر خبيثًا، وأستأذنكم في توجيه إشارة حمراء لأولئكم:

أخرج ابنُ ماجه في سننه من حديث ثوبانَ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي، يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا؛ فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عزَّ وجلّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا " سنن ابن ماجه، رقم الحديث: (4245).

رسالة الحديث:

سار قوم في ساحة الآخرة، وأعلنوا الفرحة الغامرة، فالحسنات بالصحائف عامرة، والقربات عديدة باهرة، فلما وُزِنَتْ أعمالهم كانت البلية، وأعظم الرزية، فقد طارت الأعمال، وانتشرت نشورًا، وظهرت في الأفق هباءً منثورًا، فإذا جاء من يستشفع لهم قيل له: إنهم قوم كانوا إذا خَلَوْا بمحارم الله انتهكوها، بل كانوا {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً} [ النساء 108]!

إخوتاه:

من عقل هذه الآية، وذاك الحديث، كفياه عمَّا سواهما، ومن لم يعقلْهما فلا أسفَ عليه في أَيِّ أودية الدنيا ضاع.. وقد أعذر من أنذر..