أن تكون سعيداً

أن تكون سعيداً

 

أكرم صالح

من فضل الله تعالى علينا أننا أصبحنا نعيش في زمن بات فيه من السهل قياس أغلب العلامات المهمة عند الإنسان، إن لم تكن جميعها، مثل قياس الضغط الشرياني أو نسبة السكر في الدم أو نسبة الدهون أو قياس درجة الحرارة أو أن نقوم بحساب مؤشر كتلة الجسم وغير ذلك من العلامات الكيميائية الحيوية المهمة بالنسبة للإنسان، لكن ماذا لو كان بالإمكان قياس نسبة السعادة لدى الإنسان؟ حينها سيكون الخبراء أكثر سعادة من أي وقت مضى، لو أنهم تمكنوا فعلا من إيجاد طريقة ما موثوقة وموضوعية بحيث يمكن من خلالها تحديد نسبة هذه السعادة بشكل دقيق.

لكن ورغم كل تلك المحاولات العلمية فإن الإجابة عن هذا السؤال ما زالت مبهمة حتى هذه اللحظة، ويبقى الأمر على الصعيد الشخصي فقط ليس إلا، بحيث كل شخص باستطاعته تحديد ما إذا كان هو الآن يشعر بالسعادة أو لا، ومقدار تلك السعادة التي يشعر بها.

مما لا يخفى على أحد أن السعادة كانت ولا تزال واحدة من أهم الغايات، بل إنها هي الغاية الأسمى التي يسعى إليها كل إنسان، منذ اللحظة الأولى التي أوجده الله تعالى على سطح هذه البسيطة؛ حيث، إنه لا طعم أبدا ولا معنى لهذه الحياة التي نعيشها من دون هذه السعادة، فهي للروح بمثابة الهواء للجسد الذي لا بقاء دونه البتة.

أنا أتبسم.. هل أنا سعيد؟ إذا كان كذلك فما مدى هذه السعادة التي أشعر بها؟ وما نوعها؟ يقول الباحثون: يمكن تقسيم السعادة التي يشعر بها الإنسان إلى نوعين رئيسين، سعادة قصيرة الأمد أو السعادة المؤقتة وتعرف أيضا بـ "الفرح الحاد"، وسعادة أخرى طويلة الأمد، وتختلف هذه الأخيرة باختلاف الخصائص والسلوكيات الفردية، وتلعب بعض الهرمونات الحيوية مثل الدوبامين والسيروتونين والأندروفين وغيرها من الهرمونات والناقلات العصبية دورا هاما، لا سيما في مثل هذا النوع من السعادة البشرية، كما تجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الدراسات والأبحاث العلمية التي تقول بوجود علاقة معينة بين هذه السعادة وبعض الجينات الوراثية.

قد يختلف تعريف السعادة والأسباب التي من شأنها أن تؤدي إليها من شخص إلى آخر، ومن مفهوم إلى آخر، ولكن يمكن القول إن السعادة باختصار هي حالة من الارتياح التام والشعور الداخلي بالطمأنينة والسرور والرضى والتفاؤل؛ والذي بدوره سوف يؤثر بشكل إيجابي على الحالة النفسية والجسدية بشكل عام، بعكس الحزن والتشاؤم.

لكن بغض النظر عن كل المفاهيم التي قد تحدثت عن السعادة، فإن السعادة الحقيقية هي السعادة التي أخبر عنها الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، بقوله تعالى {قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} (سورة طه 123-124) وبقوله سبحانه وتعالى أيضا {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} (سورة النحل 97).

نعم.. إن السعادة الحقيقية ليست سعادة الدنيا فحسب، بل هي سعادة الدنيا والآخرة، وهي السعادة التي أشار إليها ربنا الرحمن جل في علاه في كتابه العزيز، والتي لا تكون إلا بالعمل الصالح والإيمان؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق هذه السعادة، وهو الذي يؤتيها من يشاء بفضله ورحمته إنه هو الكريم المنان.

خلاصة القول، رغم أن هناك بعض الطرق التي يمكن بها معرفة بعض التغيرات التي قد تطرأ على خلايا الدماغ مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي FMRI، فإنه إلى الآن لا توجد طريقة مؤكدة يمكنها تحديد نسبة السعادة لدى الإنسان بشكل دقيق وموثوق، إلا أن هناك بعض الأمور التي من شأنها أن تزيد من نسبة هذه السعادة بإذن الله تبارك وتعالى، ولعل أغلبها أصبح اليوم معروفا لدى الجميع، وأهم هذه الأمور ما قد تمت الإشارة إليه آنفا وهو العمل الصالح والإيمان، وهذا وعد الله الملك الديان.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين