أصول الحرية الفردية الجنسانية (2)

أصول الحرية الفردية الجنسانية (2)

نروم هنا تحديد بعض الأصول الفكرية والفلسفية والأيديولوجية سواء المصرح بها أو المستبطنة في ثنايا كلامهم، حاولنا الكشف عنها، وبيان معالمها حتى يكون القراء على بينة مما يساق لهم في قوالب براقة وخادعة، لاسيما الشباب منهم، وإن كانت هذه الأصول تحمل تهافتها ابتداء، بأدنى شيء من التأمل، وهي:

الأصل الأول: ملكية الجسد لصاحبه.

ينطلق دعاة الحرية الفردية الجنسانية في تثبيت هذا الأصل من فلسفة مفادها أن الجسد ملك لصاحبه، لا يشاركه فيه أحد، وهذا ما عبر عنه غير واحد منهم، وينبني على هذا التصور أن للإنسان حقا في أن يفعل في جسمه ما يشاء، يهبه لمن يشاء، ويمنعه عمن يشاء، ولا يحق لأحد أن يمنعه من ذلك، ولا ينبغي أن يحول بينه وبين التصرف في جسده لا شريعة منزلة، ولا قانون مسطر، ولا عرف سائد، فكل ذلك غير معتبر عند هؤلاء البتة.

يقول المسمى نور الدين عيوش، وهو من أبرز دعاة الجنسانية في المغرب: "حرية الجسد مهمة جدا، حرية الجسد فيها كثير من الأشياء:..حرية الجسد هي إنسان رجل أو امرأة، رجل يريد أن يعيش مع رجل آخر، هذا من حرية الجسد، أو امرأة تريد أن تعيش مع امرأة أخرى، هذا حرية الجسد، حرية الجسد أيضا هي أن يقول ويفعل الإنسان ما يشاء بجسده، الجسد هو ملك أي إنسان، والدولة يجب أن لا تتدخل في هذا الشيء.

إذا كان إنسان على علاقة بسيدة يحبها، ولكن بلا زواج، وأراد أن يدخل معها فندق ليفعل ما يحلو له معها في هذا الفندق، لا يجب على الفندق أن يقول له –كما يوجد الآن- اعطني عقد الزواج بينك وبين هذه السيدة، هذا غلط، يجب على وزير العدل ويجب على الحكومة أن تغير هذه الأشياء، لأنه لم يعد يصح أن تبقى، لقد سبق أن تكلمنا عن حرية الجسد منذ سنين، وطالبنا بتغير القانون الحالي، وهذه القوانين المتأخرة (المتخلفة)، وتجعل الناس يروننا متأخرين (متخلفين)." ويذهب عيوش إلى أن "حرية الجسد تهم الإنسان" 

ومرجعية فلسفة هؤلاء في الجسد، ترجع أصلا إلى التصور المادي للجسم، أي بمعنى تفسير التحكم في الجسم وملكيته نابعة من تصور الفلسفة المادية الماركسية، ومن التصور اللاديني للجسم عموما، فهو عندهم مادة مجردة يملكها صاحبها، ويملك معها حق التصرف فيه.

وهنا يختلف التصور الشرعي الإسلامي عن الفلسفة المادية لمفهوم الإنسان وحرية التصرف في الجسد، فهو في تصورنا وعقيدتنا الإسلامية مخلوق لله تعالى، فهو مالكه وخالقه وبارؤه عز وجل، وهو الذي نفخ فيه من روحه تلك الروح العلوية القدسية، ثم كرمه وأسجد له ملائكته، وفي ذلك جاءت آيات كثيرة تجلي هذه الحقيقة، من ذلك:

• قوله عز وجل: "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين" [الحجر: 28،31]

• وقوله سبحانه: "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين" [ص: 71،72]

• وقوله تعالى: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ" [الفجر: 27-28] فنسبها إليه تشريفا وسموا.

• وقوله سبحانه وتعالى: "فإنا خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم، ونُقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى، ثم نخرجكم طفلا، ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى. ومنكم من يرد إلى أرذل العمر، لكي لا يعلم من بعد علم شيئا" [الحج: 4]

أبعد هذه الآيات وغيرها يقال إن "الجسد هو ملك أي إنسان" و"حرية الجسد تهم الإنسان"، مثل هذا لا يمكن أن يصدر عن إنسان فهم شريعة الله، وأدرك حيقيقتها ومغزاها ومقاصدها، وإنما يصدر ذلك عمن جعل الحياة كلها عبارة –كما قلت آنفا- عن مادة مجردة، يتعامل معها بشكل ميكانيكي. ونضيف شيئا آخر ردا على هذه المقولة الفاسدة، ويؤكد في الوقت ذاته على أن الجسد ليس ملكا لصاحبه، ما جاء من أحاديث نبوية تنهى عن قتل الإنسان نفسه، أو يصيب منها شيئا يفضي به إلى إتلافها، والقضاء عليها، من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا." (رواه مسلم)

وصفوة القول هنا أن التيار الجنساني يتكأ على القول بملكية الإنسان لنفسه، ويوهم الناس على أنه محق في ذلك، حتى يطلق القيود للحرية الجنسية، فهي بذلك تبع لملكية الجسد، ولا يخفى على الأرباء تهافت هذا الأصل الذي يتمسكون به. والأدهى والأمر أن هؤلاء لا تهمهم مبادئ الشريعة الإسلامية في تحقيق كرامة الإنسان وأنه ملك لله تعالى.

الأصل الثاني: التنكر للأخلاق ومناهضتها.

إذا تمعنا في "مقولات" الجنسانيين، محاولين أن نرجعها إلى أصولها الفلسفية، فلا جرم أنها تمتح من موقف الفلسفة المادية الجدلية التي لا تلتفت إلى الأخلاق، وإنما تعتبرها منتمية إلى الطبقة البرجوازية والوصايا الدينية الغيبية، لأجل ذلك تعتبر الجنس عملا بيولوجيا محضا، لا علاقة له بالأخلاق، يقول دركايم: "إن الأخلاقيين يتخذون واجبات المرء نحو نفسه أساسا للأخلاق، وكذا الأمر فيما يتعلق بالدين، فإن الناس يرونه وليد الخواطر التي تثيرها القوى الطبيعية الكبرى أو بعض الشخصيات الفذة (يعني الرسل) لدى الإنسان. ولكن ليس من الممكن تطبيق هذه الطريقة على الظواهر الاجتماعية اللهم إلا إذا أردنا تشويه الطبيعة." (قواعد المنهج في علم الاجتماع نقلا عن الإسلام والجنس لفتحي يكن 18)

ويقول فرويد: "إن الإنسان لا يحقق ذاته بغير الإشباع الجنسي..وكل قيد من دين أو أخلاق أو مجتمع أو تقاليد هو قيد باطل ومدمر لطاقة الإنسان وهو كبت غير مشروع." (نقلا عن الإسلام والجنس يكن 18)

ولهذا ليس من الغريب أن نجد دعاة الجنسانية يركزون فقط على الإشباع الجنسي، مع التغييب الكامل للمنظومة الأخلاقية والتربوية، وعدم الالتفات إلى المشاكل الحقيقية التي يتخبط فيها المجتمع، ورصد الأولويات، وعلى رأسها الوضع المعيشي، على اعتبار أنهم من دعاة التحليل الاقتصادي لكل الظواهر إن جاز لنا اليوم أن ننسبهم إلى هذا المنحى، ولكن همهم الوحيد هو إنشاء جيل مشوه ممسوخ بعيد عن مقومات المجتمع المغربي المسلم، همه فقط في ما بين رجليه، لا تشرئب نفسه وتتطلع إلى المعالى، ولا تسمو إلى الرقي الإنساني.

والغريب أن يغيب المبدأ الأخلاقي عند العلمانيين الحداثيين الجنسانيين، لا لشيء إلا لكونهم ولدوا في مجتمع مسلم، توارثت أجياله شيئا غير قليل من الأخلاق، وبالمقابل نجد من الغربيين من ينبه إلى خطر تبدل القيم الأخلاقية، التي أفضت إلى العلاقات الجنسية المحرمة، وهذا ما أكده الدكتور كلود سكوت نيكول، منذ زمن بقوله: "إن المشكلة التي تواجهنا اليوم هي تبدل قيمنا الأخلاقية التي شجعت وتشجع إقامة العلاقات الجنسية المحرمة. وهذه بدورها سببت ازديادا حادا في إصابات الأمراض الناتجة عن الإباحة الجنسية." (الإسلام والجنس فتحي يكن 43)، ولكن كل شيء يهون مع تضخم الأنا الإديولوجي، والانغماس الكامل في خدمة الأجندة الغربية الاستعمارية المدعومة.

الأصل الثالث: العداء للإسلام.

المتتبع لدعاة الجنسانية سيخلص إلى أن من أصولهم، العداء للإسلام، لأخلاقه وقيمه ومبادئه، وتشريعاته، فلا غرابة أن يصرح أحدهم بأنه ضد الدين، وطبعا هذا الموقف ينسجم مع القاعدة الماركسية "المبتكرة" (الدين أفيون الشعوب)، (ولا إله والحياة مادة). ولما كان الإسلام في نظر هؤلاء عقبة كأداء، تقف في وجه تحرير الجنس والتمرد على قيم المجتمع المسلم، كان لا بد أن ينصبوه العداء، وينال حظه من الازدراء، سواء بالقول أو بالتصريحات المغرضة، أو عن طريق رفع لافتات تزدري كل ما هو محرم، وتدعو إلى إباحته وممارسته، ورفع القيود عنه بإبطال وإلغاء فصول من القانون الجنائي.

والمتتبع لدراسة الأفكار وتطورها، سيجد أن الجنسانيين بنصبهم العداء للإسلام، وإباحة الجنس والترويج له، يلتقون مع المعتقدات والأفكار الماسونية، والتي من ضمنها "إباحة الجنس واستعمال المرأة كوسيلة للسيطرة" و"تهديم المبادئ الأخلاقية والفكرية والدينية، ونشر الفوضى والانحلال والإرهاب والإلحاد" وغيرها من الخطط الجهنمية لتدمير العالم كله بله الأمة الإسلامية. (انظر الثورة الجنسية أبو محمود سيف الإسلام 20).

هذه في نظري أبرز أصولهم، وما عداها فيدور في فلكها، ويسير على سبيلها، وإنما حبذنا الاختصار، على التطويل في ذكر باقي أصولهم. ومنها نخوض في بيان غايات ومقاصد دعوتهم.

الحلقة السابقة هـــنا