أثر الصوم في النفوس

الإسلام دين تربية للملكات والفضائل والكمالات ، وهو يعتبر المُسلم تلميذًا ملازمًا في مدرسة الحياة ، دائمًا فيها ، دائبًا عليها ؛ يتلقّى فيها ما تقتضيه طبيعته من نقص وكمال ، وما تقتضيه طبيعتها من خير وشرّ ، ومن ثُمّ فهو يأخذه أخذ المُربّي في مزيج من الرفق والقوّة ، بامتحانات دوريّة متكرّرة ، لا يخرج من امتحان منها إلاّ ليدخل في امتحان ؛

وفي هذه الامتحانات من الفوائد للمسلم ما لا يوجد عشره ولا معشاره في الامتحانات المَدرسيّة المَعروفة .

وامتحانات الإسلام متجلِّية في هذه الشعائر المَفروضة على المسلم ، وما فيها من تكاليف دقيقة ، يراها بعضهم أنواعًا من التعبّدات تتلقَّى بالتسليم ، ويراها المستبصر المُتدبّر ضروبًا من التربية شُرعت للتزكية والتعليم ؛ وما يريد الله ليضيِّق بها على المُسلم ، ولا ليجعل عليه في الدين حرجًا ؛ ولكن يريد ليطهِّره بها ، وينمّي ملكات الخير والرحمة فيه ، وليقوّي إرادته وعزيمته في الإقدام على الخير ، والإقلاع عن الشرّ ، ويروّضه على الفضائل الشاقّة ، كالصبر والثبات ، والحزم والعزم ، والنظام ، وليحرِّره من تعبُّد الشهوات له ، وملكها لعنانه ، وما زالت الشهوات الحيوانية مُوبقًا للآدميّ ، منذ أكل أبواه من الشجرة ، حكمة من الله في تعليق سعادة الإنسان وشقائه بكسبه ، ليحيا عن بيّنة ، أو يهلك عن بيّنة .

في كلّ فريضة من فرائض الإسلام امتحان لإيمان المُسلم ، ولعقله ، وإرادته ، ودع عنك الأركان الخمسة ، فالامتحان فيها واضح المَعنى بيّنُ الأثر ، وجاوِزْها إلى أمّهات الفضائل التي هي واجبات تكميلية ، لا يكمل إيمان المؤمن إلاّ بها ، كالأمر بالمَعروف ، والنهي عن المُنكر ، والصدق في القول والعمل ، والصبر في مواطنه ، والشجاعة في ميدانها ، والبذل في سبله ، فكلّ واحدة ، أو في كلّ واحدة منها امتحان تكميليّ للإيمان ، تعلو فيه قيم ، وتهبط قيم ، وفي التوحيد امتحان لليقين ، واليقين أساس السعادة ، وفي الصلاة امتحان للإرادة ، والإرادة أصل النجاح ، وفي الحجّ امتحان للهمم بالسير في الأرض ، وهو منبع العلم ، وفي الصوم امتحان للصبر ، والصبر رائد النصر ، ونحن نريد من الامتحان هنا معناه العصري الشائع .

غير أنّ الصوم أعسرها امتحانًا ، لأنّه مقاومة عنيفة لسلطان الشهوات الجسميّة ، ومقاومُ الشهوات في نفسه أو في غيره قلّما ينتصر ، فإن انتصر فقلّما يقف به الانتصار عند حدّ الاعتدال ، بل كثيرًا ما يجاوزه إلى أنواع من الشذوذ والتنطّع ، تأباها الفطرة والعقل ، وهذه الروح المقاومة في الصوم هي التي راعتها الأديان والنحل ، فجعلت الصوم إحدى عباداتها ، تروّض عليه النفوس المُطمئنة ، وتروّض به النفوس الجامحة ؛ ولكن الصوم في الإسلام يزيد عليها جميعًا في صوره ومدّته ، وفي تأثيره وشدّته ، فمدّته شهر قمريّ متتابع الأيام ، وصورتُه الكاملة فَطْم عن شهوات البطن والفرج واللسان والأذن ، وكلّ ما نقص من أجزاء ذلك الفطام فهو نقص في حقيقة الصوم ، كما جاءت بذلك الآثار الصحيحة عن صاحب الشريعة ، وكما تقتضيه الحكمة الجامعة من معنى الصوم .

فلا يتوهمنَّ المُسلم أنّ الصوم هو ما عليه العامّة اليوم من إمساك تقليديّ عن بعض الشهوات في النهار ، يعقبه انهماك في جميع الشهوات بالليل ، فإنّ الذي تشاهده من آثار هذا الصوم العرفيّ إجاعة البطن ، وإظماء الكبد ، وفتور الأعضاء ، وانقباض الأسارير ، وبذاءة اللسان ، وسرعة الانفعال ، واتّخاذ الصوم شفيعًا فيما لا يحبّ الله من الجهر بالسوء من القول ، وعذرًا فيما تبدر به البوادر من اللجاج والخصام ، والأيمان الفاجرة !! كلاّ ... إنّ الصوم لا يكمل ، ولا تتمّ حقيقته ، ولا تظهر حكمته ولا آثاره إلاّ بالفطام عن جميع الشهوات المُوزّعة على الجوارح ، وللأذن شهوات في الاستماع ، وللعين شهوات في امتداد النظر وتسريحه ، وللسان شهوات في الغيبة والنميمة ، ولذّات في الكذب واللغو والتزويق : وإن شهوات اللسان لتربو على شهوات الجوارح كلّها ، وإنّ له لضراوة بتلك الشهوات لا يستطيع حبسه عنها إلاّ الموفَّقون من أصحاب العزائم القويّة ...

صوم رمضان محكّ للإرادات النفسيّة ، وقمع للشهوات الجسمية ، ورمز للتعبّد في صورته العليا ، ورياضة شاقّة على هجر اللذائذ والطيّبات ، وتدريب منظّم على حمل المَكروه من جوع وعطش وسكوت ، ودرس مفيد في سياسة المَرء لنفسه ، وتحكّمه في أهوائها ، وضبطه بالجِدّ لنوازع الهزل واللغو والعبث فيها ، وتربية عمليّة لخلق الرحمة بالعاجز المُعدم ، فلولا الصوم لمَا ذاق الأغنياء الواجدون ألم الجوع ، ولمَا تصوّروا ما يفعله الجوع بالجائعين ، وفي الإدراكات النفسيّة جوانب لا يغني فيها السماع عن الوجدان ، ومنها هذا ؛ فلو أنّ جائعًا ظلّ وبات على الطوى خمسًا ، ووقف خمسًا أخرى يصوّر للأغنياء البِطان ما فعل الجوع بأمعائه وأعصابه ، وكان حالُه أبلغ في التعبير من مقاله ، لَما بلغ في التأثير فيهم ما تبلغه جوعة واحدة في نفس غنيّ مترف .

لذلك كان نبيّنا إمام الأنبياء ، وسيّد الحكماء ، أجود ما يكون في رمضان .

ورمضان نفحة إلهيّة تهُبّ على العالم الأرضيّ في كلّ عام قمريّ مرّة ، وصفحة سماوية تتجلّى على أهل هذه الأرض فتجلو لهم من صفات الله عطفه وبرّه ، ومن لطائف الإسلام وحكمته وسرّه ، فلينظر المسلمون أين حظّهم من تلك النفحة ، وأين مكانهم في تلك الصفحة .؟!

ورمضان "مستشفى" زمانيّ ، يجد فيه كلّ مريض دواءَ دائه ، يستشفي فيه مرضى البخل بالإحسان ، ومرضى البِطنة والنعيم بالجوع والعطش ، ومرضى الجوع والخصاصة بالشبع والكفاية .

ورمضان جبّار الشهور في الدهور ، مرهوب الصولة والدولة ، لا يقبل التساهل ولا التجاهل ، ومن غرائب شؤونه أنّ معظم صائميه من الأغفال ، وأنّ معظم جنده من الأطفال ، يستعجلون صومه وهم صغار ، ويستقصرون أيامه وهي طوال ، فإذا انتهك حرمته منتهك بثّوا حوله الأرصاد ، وكانوا له بالمرصاد، ورشقوه ونضحوه ، وفضحوه ، لا ينجو منهم مختفٍ في خان ، ولا مختبئ في حان ، ولا ماكر يغِشّ ، ولا آو إلى عشّ ، ولا متستّر بحُشّ (الحشّ: الكنيف) ، ولا من يغيّر الشكل لأجل الأكل ، ولا من يتنكّر بحجاب الوجه ، ولا بسفور الرأس ، ولا برطانة اللسان ، كأنما لكل شيء في خياشيمهم رائحة ، حتى الهيئات والكلمات .

ورمضان مع ذلك كلّه مجلى أوصاف للوُصاف : حرم أهل المُجون ممّا يرجون ، وحبس لهم من مطايا اللهو ما يُزجون ؛ فترِحوا لتجلّيه ، وفرحوا بتولّيه ، ونظموا ونثروا ، وقالوا فيه فأكثروا ... ولو لم يكن لآخرهم "شوقي" إلاّ : "رمضان ولَّى" ... لكفته ضلّة ، ودخنًا في اليقين وعلّة ، والرجل جديد ، وله في العروبة باع مديد ، وفي الإسلام رأي سديد ؛ وفي الدفاع عنه لسان حديد ؛ ونحن نعرفه ، فلا نَفْرقه ...

أمّا الوصف العبقريّ ، والوادي الذي طمّ على القَريّ ، فهو قول الحديث المُوحَى : «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» ، وحديث الصادق : «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» ، والحديث الصحيح : «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ» . وقول الكتاب المَكنون : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183] .

آثار الإمام محمّد البشير الإبراهيميّ (5/177) * نُشرت في العدد 43 من جريدة «البصائر»، 12 جويلية سنة 1948. باختصار يسير .