الاثنين 30 ربيع الأول 1439 - 18 ديسمبر 2017

الإمام الرباني الشيخ الدكتور محمد فوزي فيض الله

الثلاثاء 12 محرم 1439 - 3 أكتوبر 2017 182 كاتب الترجمة : الأستاذ أحمد زاهر سالم
الإمام الرباني الشيخ الدكتور محمد فوزي فيض الله

توفي صباح هذا اليوم شيخنا بل شيخ أشياخنا وأستاذ الأستاذين الإمام الرباني العلامة المعمر الفقيه المحقق والأصولي المدقق والأديب الأريب الشيخ الدكتور محمد فوزي فيض الله عن عمر ناهز المائة في مدينة اسبارطة بتركيا فرحمة الله عليه رحمة تتجدد ولا تنفد.

ولد الشيخ الجليل بحي البياضة العريق بمدينة حلب سنة ١٩٢١ -على ما صحح ابنه الدكتور أحمد البراء - وتعلم في الخسروية التي كانت حافلة بكبار العلماء وتتبع مجالس بعض العلماء فأخذ عن الشيوخ الأعلام كالشيخ محمدراغب الطباخ والشيخ أحمد الكردي (جد شيخنا د أحمدالحجي الكردي)والشيخ فيض الله الأيوبي الكردي والشيخ أحمدالشماع والشيخ محمدزين العابدين الكردي والشيخ أسعدالعبجي والشيخ محمدالناشد والشيخ عبد الله حمادة والشيخ عيسى البيانوني( وقد كتب فيه وفي آخر لقاء جمعه ورفيقَ الطلب الشيخَ عبدالفتاح أبو غدة مع الشيخ مقالة ماتعة) والشيخ جميل العقاد( وكتب فيه كلمة ماتعة في مقدمة ديوانه الذي جمعه الاستاذ عدنان كاتبي منذ بضعة عشر عاما) وغيرهم رحمهم الله رحمة واسعة.

تعلق قلب الشيخ بالأزهر الذي كان مهوى أفئدة طلبة العلم وكان شيخه العقاد أزهريا أقام زمنا طويلا حافلا في الأزهر فحث الشيخين فيض الله وابا غدة على الالتحاق بالجامع الأزهر ودلهم على بعض أصدقائه ليساعدهم في شؤون التسجيل فيسر الله ذلك ووأكب الشيخ فوزي على التحصيل فعرف عنه أنه لا يشبع من الدراسة كما يقول شيخنا العلامة نور الدين عتر حفظه الله فحضر على كبار علماء الأزهر وغيرهم فكان من أشياخه الأعلام الشيخ محمد أبوزهرة والشيخ علي الخفيف والشيخ محمود شلتوت والشيخ محمدزاهدالكوثري والشيخ عفيفي عثمان والشيخ محمودخليفة والشيخ محمودشبانة ودرس في كلية الآداب أيضا وكاد يسجل رسالة ماجستير يشرف عليه فيها طه حسين فلم يتم ذلك بسبب بره الكبير بأبيه الذي دعاه لحلب ولم يشجعه على ذلك.

عرف الشيخ بتمكنه العلمي ودقته وأسلوبه التدريسي الأخاذ ولطف معشره وحلاوة منطقه وحيائه وتواضعه وأناقته وجماله وبره الكبير بأبويه.

ومما يذكر في ذلك أن العادة جرت في علماء حلب أن يعتموا بعمائم بيضاء ولكن شيخنا فوزي خالفهم في ذلك فلم يعتم إلا إذا نزل حلب إرضاء لوالده الذي كان يتمنى أن يرى ابنه يلبس لباس العلماء وإدخالا للسرور على قلبه فلما توفي والده ترك لبسها.

ومما يذكر في مناقب شيخنا تواضعه وإكرامه ضيفانه فقد كان ينسل من بينهم فيرتب لهم أحذيتهم ونعالهم فيفاجؤون بذلك إذا انصرفوا.

ومما يذكر في ورعه ما قاله تلميذه الشيخ د محمود الطحان:

دخلت مرة على الدكتور محمد فوزي فيض الله في مكتبه بكلية الشريعة في جامعة دمشق، وانا طالب في الكلية آنذاك، فسألني السؤال التالي:أضطر أحياناً إلى كتابة رسالة وأنا في مكتبي، فأتناول ورقة أكتب عليها تلك الرسالة، وهي من أوراق الكلية، وربما فعلت ذلك مراراً، وكنت كل فترة أتصدق بعشر ليرات سورية للفقراء بدلاً عن ثمن الاوراق التي كنت أكتب عليها، فهل يجوز ذلك؟ أم ماذا أفعل؟

فتبسمت متعجبا من ورعه في ذلك الوقت الذي استحل فيه كثير من الموظفين أموال الدولة التي تحت يده. انتهى.

وذات يوم بايع شيخنا فوزي شيخه الرباني عيسى البيانوني على قيام الليل ووفى بما عاهد الله عليه.

يقول أخي الفاضل الشيخ أحمد كلزية: سمعت الشيخ فوزي يقول: بايعت شيخي الشيخ عيسى البيانوني على ثلاثة أمور: أن انام بعد صلاة العشاء مباشرة، وعلى قيام الليل، وعلى صلاة الضحى.

فسألناه: هل بقيت على العهد؟

فقال: لم أخرم خلال ستين عاما إلا أقل من أصابع اليد الواحدة.

فكان -رحمه الله- تقيا نقيا ورعا زكيا قواما لليل لا يدعه صيفا ولا شتاء يحفظ كتاب الله حفظا متقنا وكان يدعو في قيامه لأكثر من أربعين شخصا من أهله وأشياخه وأحبابه وطلابه بأسمائهم اسما اسما، فلله دره ما أزكى نفسه وما أعلى قدره.

وللشيخ كلمة ترن في أذني وتخيفني يوردها في سياق التحذير من الفتن والتعليق على افتتان بعض العلماء وانحرافهم عن جادة الحق على الرغم من كبر سنهم وقدرهم: ( رأينا من فتن في السبعين ورأينا من فتن في الثمانين!).

وقف الشيخ حياته للعلم فقام بالتدريس في الجامعات والمساجد وألف الكتب النفيسة المحررة الماتعة ككتاب فصول في الفقه الإسلامي والإلمام في أصول الإحكام ونظرية الضمان والزواج وموجباته وكتاب الطلاق ومذاهبه وكتاب المذاهب الفقهية وكتاب الاجتهاد في الشريعة الإسلامية( وقد أهدى والدي نسخة منه ووصفه في إهدائه بالفقيه المفقّه) وغيرها وكان عضو هيئة الفتوى بالكويت وخبير الموسوعة الفقهية وعضو لجنتها العلمية وعضو في لجان الفتوى لعدد من الهيئات الشرعية المالية كبيت التمويل الكويتي. 

وفي عام ١٩٧٩ طلب من الشيخ أن يمدح الخميني فأبى فتمت إقالته بقرار رئاسي من العمل بكلية الشريعة بدمشق وتحويله للعمل بوزارة الصحة براتب أقل عقوبة له فكان الشيخ يقول: اشتد الأمر علي حتى إني قلت لو اضطررت للعمل سائق سيارة أجرة ( تاكسي) لكان ذلك خيرا لي من أن أبيع ديني.

ثم انتقل للعمل بجامعات الكويت والامام بالسعودية والأوزاعي بلبنان وتخرج على يده أجيال عرفوا علمه وفضله.

ولما غزا صدام حسين الكويت بقي الشيخ فيها وقام على خدمة مسجد السكن الجامعي بالشويخ إمامة وخطابة حتى التنظيف كان يقوم به بنفسه.

واستقر بحلب منذ قرابة عشر أعوام فلما قامت الثورة صدع الشيخ بكلمة الحق في بيانات أصدرها بعض كبار علماء حلب وقع عليها ثم قصف بيته ومزرعته واستشهد حفيده فذهب إلى تركيا وأقام بمدينة اسبارطة فكان صديقي العزيز الشيخ الفاضل جنيد مخيبر يزوره فطلبت منه أن يستجيز لي من الشيخ الذي قرأت بعض كتبه وجلست إليه قبل ذلك مرات فيسر الله ذلك وأملى الشيخ قبل ثلاث سنوات على أخي الشيخ جنيد إجازة برواية مؤلفات الشيخ ومقروءاته على أشياخه التي عدد بعضها والحمد لله على فضله وتوفيقه.

رحم الله الحبر التقي بقية السلف وتذكار الربانيين الشيخ فوزي رحمة واسعة وعوض الأمة خيرا فقد ثلم في الإسلام ثلمة عظيمة.

هذا وقد كتب الشيخ العالم الفقيه التقي الشيخ محمدياسر القضماني كتابا ماتعا في ترجمة الشيخ طبع بدار القلم بدمشق منذ بضعة عشر عاما.

وكتب شيخنا العلامة نورالدين عتر حفظه الله صفحات نيرات في الشيخ فوزي انتشرت هذا اليوم انتشارا كبيرا وأوردها الشيخ العالم الفاضل مجد مكي على صفحته الفيسبوكية، ثم نشرت في الموقع الذي يشرف عليه جزاه الله خير الجزاء.

http://islamsyria.com/site/show_cvs/913

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا