الجمعة 29 محرم 1439 - 20 أكتوبر 2017

وفيات الأعيان عبد الله التل

الخميس 3 ذو القعدة 1438 - 27 يوليو 2017 131 كاتب الترجمة : الأستاذ أنور الجندي

 

لقد أفضى (1) (عبد الله التل) رحمه الله تعالى إلى ما قدَّم وعبر إلى الشاطئ الآخر بعد أن أدَّى حقَّ الله تعالى بالسيف والقلم، فكان نموذجاً كريماً من نماذج المجاهدين المسلمين في العصر الحديث، فقد شارك عبد الله التل محارباً وقائداً عسكرياً في معركة فلسطين عام 1948 وفتحت هذه المعركة الحاسمة التي انتهت بقيام إسرائيل ذهنه وقلبه إلى الخطر الصهيوني العالمي، ودفعته إلى دراسة واسعة عميقة لهذا التحدي الخطير الذي واجه العرب والمسلمين في العصر الحديث. وبذلك انتقل هذا المجاهد المسلم العربي من معركة إلى معركة، شأنه في هذا شأن اللواء محمود شيت خطاب الذي اشترك في نفس معركة فلسطين عام 1948 ومنها انطلق إلى دراساته الإسلاميَّة والسياسيَّة.

ولا ريب أنَّ هؤلاء المجاهدين قد أقاموا في العصر الحديث صورةً صحيحة لمفهوم الإسلام نفسه الجامع بين الجهاد باليد والجهاد بالقلم، ولقد كان كذلك عدد كبير من مفكري الإسلام ورجاله.

ويُعد عبد الله التل رحمه الله تعالى في مجاله العسكري حبة من عقد ظهر منه الشيخ القَسَّام، وعبد القادر الحسيني، وأحمد عبد العزيز. يقول: أكرمني الله تعالى وقدَّر أن أكون قائداً للقوات العربية التي خاضت معركة القدس واستطاعت أن تُطهِّر القدس القديمة من اليهود وتحفظ للمدينتين الإسلاميَّة والمسيحية مقدساتهما التاريخيَّة الخالدة، وانتصارنا في معركة القدس أبقى للعرب منطقة نابلس ومنطقة الخليل، لأنَّه لو قُدِّر لنا أن نخسر المعركة وننسحب من المدينة لما بقي بيد العرب شبر واحد في فلسطين، ذلك لأنَّ مدينة القدس هي الدعامة التي ترتكز عليها الميمنة (نابلس) والميسرة (الخليل) كما أنَّ بيت المقدس هو فلسطين ومن يمتلكه وما فيه من مقدسات خالدة يعدُّ مالكاً لفلسطين ومن يخسره يخسر فلسطين كلها.

وقد استطاع عبد الله التل رحمه الله تعالى عرض القضيَّة في دراساته المختلفة: وأولها (كارثة فلسطين)، الذي أصدره عام 1959 وكان قد هاجر إلى القاهرة في أكتوبر 1949 وبدأ يدرس هذه القضية دراسة مُتأنية واسعة شاملة، ثم أصدر كتابه الضخم (خطر اليهودية العالمية على الإسلام والمسيحيَّة) عام 1964، ثم أتيحت له فرصة أخرى لإعداد دراسة ضخمة قصد بها نيل الدكتوراه من جامعة الأزهر نشرها فيما بعد تحت اسم (جذور البلاء) عام 1971.

وفي كل هذه الدراسات التي استمرَّت أكثر من عشرين عاماً لم يَدَعْ (عبد الله التل) رحمه الله تعالى شاردةً ولا واردة حول هذه القضية في أفقها الواسع المتصل بالصهيونية العالمية وبالاستعمار وبتاريخ اليهود منذ ألوف السنين حتى اليوم، كل ذلك في أسلوب دقيق ومنطق علمي.

وكان (عبد الله التل) رحمه الله تعالى هو في مقدمة المفكرين والقادة الذين أعلنوا الحقيقة التي أوصلهم إليها علمهم وتجربتهم وهي: (أنَّ قضية فلسطين هي قضيَّة دينيَّة مُقدَّسة في المقام الأول، وإنَّ أية مُعالجة لها لا تكون على أساس ديني جهادي مكتوب عليها الإخفاق لا محالة).

يقول: (وإيماني هذا مبني على تجارب عسكرية عشتها وحقائق تاريخية لمستها ووعيتها).

ويشير في هذا إلى تجربة الجزائر التي قامت على هذا الفهم الواضح: (لم أنسَ بعد تجربة الثورة الجزائريَّة الكبرى التي هزمت الاستعمار الفرنسي وقضت على خُرافة فرنسة الجزائر يوم خُيِّل للاستعمار أنَّه استطاع القضاء على عروبة الجزائر فجاءت الثورة وسلاحها الأول: (جهاد ديني في سبيل الله) مخيِّبة لآمال الغرب ومؤكدة عظمة الطاقة الكامنة في الإسلام فتمت المعجزة، واستقلَّت الجزائر بعد استعمار فرنسي بشع، دام (130) عاماً كاد خلالها أن يهلك الحرث والنسل وأن يقضي على اللغة العربية، بيد أنَّه أخفق في القضاء على الإسلام).

وقد هاجم عبد الله التل رحمه الله تعالى منذ ذلك الوقت البعيد تلك الدعوات المنحرفة التي كانت تخرج معركة فلسطين من مضمونها الأصيل ومفهومها الصحيح يقول: (ويتناسى دعاة العلمانية الذين يُسقطون من حسابهم العامل الديني في قضية فلسطين: إنَّها القضية الوحيدة في العالم التي قامت منذ ثلاثين قرناً وما زالت تقوم على أسس دينيَّة روحيَّة، وأنه إن صحَّت مُعالجة أية مشكلة على أسس ماديَّة فإنَّ قضية فلسطين لا تعالج إلا على أسس دينيَّة بالدرجة الأولى، وأسس ماديَّة بالدرجة الثانية، ويتناسى قادة الأحزاب والحركات العربية العلمانية أنَّ جميع المعارك الحاسمة في تاريخ العروبة والإسلام من القادسية واليرموك وحطين وعين جالوت إلى بور سعيد والجزائر كانت صيحة الحرب فيها دينية مقدسة: الله أكبر).

ولقد صدق الله وعدَه فكانت معركة العاشر من رمضان على النحو الذي تمناه لها 

(عبد الله التل) ولعل روحه قد قرت ورضيت بأن تحول تيار الفكر الإسلامي العربي نحو هذه الحقيقة وأصبح موقناً بها.

كذلك أشار (عبد الله التل) رحمه الله تعالى في دراساته إلى القوى المادية في الوطن العربي مثل البترول وقال إنَّها أسلحة خطيرة لابدَّ من استخدامها لكسب المعركة وقد تحقق ذلك.

ولقد كان على قدر كبير من الوعي والإيمان حين قال: (أما إذا اقتصرنا على استخدام السلاح المادي في المعركة فإنَّ قوى الأعداء الماديَّة تفوق قوانا ولا يمكن التغلب عليه في مجال المادة وحدها فإذا ما ضممنا (القوة الروحية الكامنة في الإسلام) إلى قوانا المادية نتج عنها قوة عظيمة وطاقة جَبَّارة).

ولقد كان فهم عبد الله التل رحمه الله تعالى لهذه القضية الحاسمة فهماً عميقاً وحاسماً فلم يكن من أمثال الباحثين والمؤرخين الذين يقفون عند الأحداث وحدها، ولكنه كان قادراً على النفاذ إلى الأعماق وتحليل الأزمة على نحو لم يعرف إلا عند عدد قليل من المقتدرين فهو من ناحية يصل إلى أعماق الأيدلوجية التلمودية قديماً منذ خصومة اليهود للإسلام في المدينة، ويتحدث عن الدور الذي قام به اليهود في المنفى البابلي حين أعادوا كتابة التوراة على طريق المطامع والأهواء على النحو الذي كشفه القرآن الكريم، وقطع بالرأي في علاقتهم بسيدنا إبراهيم عليه السلام وكيف كانوا يخفون الجانب الإسماعيلي العربي من تاريخه ليقصروه على جانبهم الإسرائيلي وحدَه.. 

واستطرد إلى فهم اليهود للحياة وعبادتهم للذهب، واشتغالهم بالربا، وكيف كانت إقامتهم الأولى في فلسطين سوداء الصفحة، مفعمة بالقتل والذبح والنهب والسلب والبطش والإرهاب والغدر والأسر والسبي، وكيف أنَّ عمليات القتل الجماعي والفتك بالناس دون النظر إلى الجنس والتمييز بين الرجال والأطفال والشيوخ قد أوجدها اليهود أنفسهم ولم يسبقهم إليها شعب من شعوب الأرض ومن يقرأ سفر (أستير) في التوراة وهو سابق على عهد الرومان في فلسطين يجد كيف أنَّ اليهود قد ذبحوا 75 ألف نسمة في يوم واحد بإيعاز من هذه اليهودية الجميلة التي استغلَّت جمالها عند ملك الفرس، وهم يعتزون بهذا اليوم 14 مارس ويعتبرونه عيداً قومياً لهم (2).

ثم يتحدَّث الكولونيل عبد الله التل رحمه الله تعالى عن التلمود ويورد تاريخاً مطولاً للأحداث ويكشف موقف أوربا من اليهود وكيف استطاعوا السيطرة عليها بالثورة الفرنسية وكيف أمكنهم احتواء الفكر الغربي المسيحي ثم كيف قاومتهم أوربا وفتحت لهم الطريق إلى بلاد العرب والمسلمين تخلصاً منهم.

ثم يصل عبد الله التل رحمه الله تعالى إلى كشف جوانب خطيرة من التاريخ الحديث غابت عن كثير من شبابنا ومثقفينا، مما يختلف عما أوردته كتب التاريخ التي قرَّرها الاستعمار في مدارسنا العربيَّة والإسلاميَّة، وكيف نشأت الماسونية وجمعية بناي برث، ثم كيف ظهرت الصهيونية وحركة التنوير وكيف جرت الحركة من أجل إسقاط الدولة العثمانية والخلافة الإسلامية، وذلك كله مما لم يكشف الستار إلا عن جانب منه كان لعبد الله التل فضل أي فضل في الكشف عنه وخاصة في كتابه (جذور البلاء).

ولا ريب أنَّ المسلمين والعرب في حاجة كبرى إلى أن يعرفوا هذه الجوانب الخفيَّة وأن يصلوا إلى هذه الأبعاد الحقيقيَّة التي تكشف لهم أبعاد الموقف الخطير الذي يعيشون فيه والذي ليس قاصراً على وجود احتلال استيطاني يهودي في فلسطين، وإنما هناك محاصرة ضخمة للعالم الإسلامي ومخططات خطيرة في سبيل احتواء العالم الإسلامي، فكره وتراثه وثروته وكيانه كله. 

وإنَّ هذا العمل بدا من وقت بعيد واستهدف في أول الأمر احتواء الفكر الغربي المسيحي وقد تحقق ذلك، ثم مضى للسيطرة على الفكر الإسلامي بالحرب العالمية الأولى والثانية، وقد انكشف ذلك كله بتسرب بروتوكولات حكماء صهيون عام 1902 ميلادية، هذه البروتوكولات التي حُجِبت عن المسلمين والعرب أكثر من خمسين عاماً حتى يظلوا جاهلين ما يدبَّر لهم.

ويكشف عبد الله التل رحمه الله تعالى عن أنَّ اليهود هم الذين أضرموا نار الحربين العالميتين الأولى والثانية وتسبَّبوا في قتل أكثر من 40 مليون مسيحي.

ويصل عبد الله التل رحمه الله تعالى إلى إعلان حقيقة هامَّة حين يقول: (لقد كان سقوط الخلافة الإسلاميَّة هو العامل الأول في إنجاح خطة اليهودية العالمية لاغتصاب فلسطين، صحيح أنَّ الوعد (وعد بلفور) قد صدر في 2 نوفمبر 1917 قبل احتلال فلسطين وانهيار الخلافة، إلا أنَّ ذلك الوعد كان نظرياً ولم يترجم إلى حقيقة وعمل إلا بعد أن اقتحم الجنرال (اللنبي) مدينة القدس من باب الخليل، وقال عبارته المشهورة: (الآن انتهت الحروب الصليبية) هذا الجنرال (اللنبي) الذي ظنَّ أنه ينتقم لهزيمة حطين ويسترد سلطة الصليب على بيت المقدس كان جاهلاً لا يدري أنَّه آلة صغيرة في الجهاز الكبير الذي تسيره اليهودية العالمية لتحقيق أهدافها الجهنميَّة: إذ لم تكد تمضي بضعة أشهر على حكم الانتداب البريطاني على فلسطين حتى أصبح واضحاً أنَّ حكومة الانتداب مجنَّدة لخدمة اليهود وتسهيل عملية استيلائهم على مرافق فلسطين لتحويلها إلى دولة يهوديَّة لا مكان فيها لهلال ولا صليب.

ثم كيف نذكر انهيار الخلافة الإسلامية دون أن نشير إلى أنَّ اليهودية العالمية كانت عاملاً قوياً في ذلك الانهيار.

فاليهود لم ينسوا أنَّ السلطان قد ردَّ الصهيوني الأكبر (هرتسل) وأيقنوا أنَّه لا أمل لهم ولا فائدة في السلطان فقررت الحكومة اليهودية المستورة القضاء على الخلافة، وحينما نجح اليهود في تحطيم الخلافة لم يكتفوا بذلك وإنما رسموا لتركيا خُطط المستقبل قرَّروا أن تتخلى تركيا عن الخلافة وعن اللغة العربية، وأن تتخلى عن الإسلام ثمناً لتأييد دول الحلفاء لها في ثورتها التي قادها مصطفى كمال باشا، ولقد كان الوسيط الذي أشرف على تنظيم اتفاقية الحلفاء مع مصطفى كمال هو الحاخام (حايم نحوم) الذي كان في تركيا قبل انتقاله إلى مصر حاخاماً أكبر ليهودها (3).

وهكذا كشف عبد الله التل رحمه الله تعالى حقائق كثيرة وقدَّم في مجال الفكر والعقيدة جهداً بالغاً له أجر المجاهد الشهيد، فكان بالقلم محارباً كما كان من قبل بالسيف، وقد جمع الحسنيين، مُقاتلاً بالكلمة ومقاتلاً بالمدفع في سبيل القضاء على أكبر خطر يتهدَّد الإسلام والعالم الإسلامي في هذا العصر، فجزاه الله أجرَ العاملين وكتبه في الأبرار المجاهدين.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة الوعي الإسلامي، جمادى الآخرة 1394 - العدد 114).

-----------------

(1) توفي عبد الله التل رحمه الله تعالى في أواخر عام 1393هـ، ولم ينتشر خبر وفاته إلا بعد ذلك وقد قرأنا أول نعي له في مجلة (العرفان) التي تصدر في صيدا في عدد أخير وصلنا خلال شهر صفر 1394هـ.

(2) اقرأ ذلك بالتفصيل (ص36) من كتاب خطر اليهودية العالمية للكولونيل عبد الله التل رحمه الله تعالى.

(3) راجع ص 231 من كتاب عبد الله التل: خطر اليهودية العالمية.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا