الجمعة 29 محرم 1439 - 20 أكتوبر 2017

الحلقة الثامنة من الحوار مع الشيخ أديب الصالح -

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1092
الحلقة الثامنة من الحوار مع الشيخ أديب الصالح -

نتابع الحوار في الحلقة الثامنة مع الدكتور محمد أديب الصالح حفظه الله تعالى وفيها يحدثنا عن لقائه بالإمام الشهيد حسن البنا، ويتابع ذكرياته عن دراسته في مصر في أيام الوحدة والانفصال ، ويتابع حديثه الممتع عن موضوع رسالة الدكتوراه ، وإعداده لها .

وهذا الحوار هو في الأصل ذكريات أملاها الشيخ ، وقامت بتسجيلها ابنته السيدة الفاضلة : فاطمة ( أم عبد الله) وتفضلت بتقديمها لقراء هذا الموقع الذين يتابعون مسيرة الشيخ العلمية وتوجيهاته التربوية وذكرياته التاريخية ، فإلى هذه الحلقة الجديدة من حوارنا مع فضيلة الدكتور محمد أديب الصالح حفظه الله تعالى .

اللقاء الأول بالشهيد البنا

* علمت أنكم التقيتم بالإمام الشهيد حسن البنا، فكيف تم هذا اللقاء؟

كنا نصلي المغرب في المسجد القريب من شقتنا في المعادي، بعد أن انتهينا من الفريضة، التفتّ قلت: هذا الإمام البنا(كما نعرفه في الصور) رأيته يصلي جانب سارية في رواق، فقلت لصديق يصلي معي: أليس هذا الشيخ حسن البنا؟، قال: ما الذي سيأتي بحسن البنا إلى هنا؟ قلت: هذا حسن البنا! كملنا صلاتنا وقلت لصديقي: أنا سأذهب إليه. فعلا كان جالساً وراء السارية يستغفر، جلست فسلَّمت عليه، قلت له: نحن نحبكم على البعد ونعرفكم في الصورة، ونحن ستة طلبة سوريون موفدون إلى الأزهر.. ، فمباشرة رحَّب بي وأشار إلى المستقبل الذي ينتظرنا، وأن ندرس الإسلام كما هو..

ثم رأيت منه من المؤانسة ما شجعني من أول لقاء أن أدعوَه أن يزورنا، فقلت له: شقتنا قريبة جداً فهل تزوروننا؟ عرفنا فيما بعد أنه كان قد أصدر جريدة( الإخوان المسلمون)، وكان لها ضجيج كبير، وكان في جولة ليمتّن شؤونها المالية... فصرف السائق أو اعتذر، وخرج معنا، وفوجئ إخواننا في الشقة بأن الإمام حسن البنا جاء يزورهم! كلهم يعرفونه بالصورة، لكن ناس أكثر من ناس( ناس أغلقوا الباب، ناس تركوه مفتوحاً شيئاً ما، على حسب السيرة والتربية) فلما رأى البعض بعمائم استشهد بالبيت:

سأطلبُ حقّي بالقَنا ومشايخٍ كأنّهمُ من طول ما التَثموا مُردُ

وكان حديثه حديثا شيقا جدا عن مهمة الطالب المسلم بعد أن يتخرّج، والواجب، والوضع في سورية، كأنه أعطانا منهجا كاملاً يعبر عن تصوره لخرّيج الأزهر كيف يؤدي الرسالة على الوجه الأكمل، كلام ما قرأناه ولا سمعناه..

شرب قهوته وانصرف، وكان لبعضنا لقاءات منتظمة معه فيما بعد.

من ذكريات مصر أيضاً( أيام الدراسة الجامعية):

* كانت دراستكم في مصر في فترة الوحدة والانفصال بين مصر وسورية، فماالذي تذكرونه بهذا الشأن؟

نحن حضرنا إعلان الوحدة وحضرنا الانفصال، في كليهما كنا في القاهرة.. وقت الوحدة قالوا: اليوم إعلان الوحدة ذهبنا نحن عدداً من السوريين إلى المجلس النيابي، وصلنا لا أحد في هذه الباحة كلها.. ثم أرسلت الدولة في سيارات بعض العمال يعني حضّروا جمهوراً، ثم أتى جمال وأعلن الوحدة وما أتى على ذكر شكري القوتلي أبداً..ولا بكلمة! ثم دخل وعاد، ذكَّروه يبدو فعاد وأثنى على القوتلي، وحبه للوحدة، وسمّوه حينها: المواطن الأول. وكنت في القاهرة أيضاً سبحان الله يوم خرج عبد الناصر يوم الانفصال، وصار يبكي..

والذي حدث: أنه في مرحلة ما بعد الدراسة المنظمة صادف أني كنت في قطنا، وكنت مهيئاً أشياء كثيرة أريدها من القاهرة، فصار أمر السفر لابد منه، سافرت إلى القاهرة، وبدأت أحقق ما جئت من أجله في بعض المخطوطات وبعض الكتب التي هي مظنة المقارنة التي أريدها أنا بين مناهج العلماء في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، باعتبار العنوان: " تفسير النصوص في الفقه الإسلامي" خلالها حصل الانفصال.

بعد بضعة أيام من الانفصال، وبعد أن صعدنا الطائرة المتجهة إلى دمشق، قالوا: السوريون ينزلون، ممنوعون من السفر، لكن والله عاملونا بأدب، بقينا ثلاثة أشهر.

وجاء أخوان كريمان إلى الشقة عندي، وقالا: هيا اجمع ما عندك من كتب وأثاث وتعال لتسكن الشقة عندنا، قلت: لم؟ قالا: يمكن أن تستغل هنا هذه الأخبار التي تحمل إلينا أن بعض السوريين يسيء إلى إخواننا المصريين في سورية، و يأتي واحد بلطجي يؤذيك! فذهبت وبقيت شهراً كاملاً مع الدكتور عبد الكريم عثمان في شقته، أمضينا رمضان معاً..

فقُسم لي أن أشهد الوحدة والانفصال في مصر.

ومن الطرائف في هذه الحقبة، أن الشيخ أبو زهرة كان يسألني مرة كيف أوضاعك كيف الأهل والأولاد هناك؟ لعلك بضائقة مالية تحتاج شيئاً بسبب الظروف السياسية، تريد أن ترسل لهم شيئاً.. ؟ قلت: أبدا نحن بخير، بل أنا معي قدر من النقود لا أستطيع تحويلها.. قال: ما رأيك تشتري بها موبيليا!؟ وساعدني في ذلك فعلاً عن طريق أصحاب له في دمياط، وشحن الأثاث في البحر..

ومما أذكره أنا لما ذهبنا إلى مرسى مطروح البلد الساحلي الذي تم منه الشحن إلى اللاذقية، رأيت هناك كيف أن الجنود السوريين لا يمتثلون لأمر الضابط المصري بعد الانفصال، نشعر أنه ينادي ويصيح ويصفر لا يسمعون، ثم يأتي جندي سوري فيستجيبون له، كان هنالك نوع من الاحتقان لأسباب معينة، فكل المناداة بالوحدة العربية باعتبار أنها غير قائمة على أسس سليمة رأيناها، يعني قضية الانفصال نموذج من النماذج التي يجب أن يستفيد منها السياسيون المخلصون، يعرفون أن أسس العمل في وحدة العرب أو وحدة المسلمين كما نقول يجب أن تكون أسساً سليمة، وقياساتها صحيحة مع قيمنا الحقيقية ومع القدرة على خطاب الإنسان الذي يحمل هذه القيم ويرى أن وجوده الذاتي منوط بها، أما إن كان يرى أن وجوده الذاتي منوط بشيء من المادة وكذا، والاتجاه يرى وجوده بالسلطان فهذه تنتج أمثال هذه المفارقات.

فجزى الله شيخنا أبو زهرة أضاف إلى كل إكرامه العلمي أنه اشترى لنا الأثاث، الذي وصل في غيابي قبل أن يؤذن لنا بالعودة، ولم أكن أتغيب أكثر من شهر عن الأهل، لكن هذه المرة امتدت ثلاثة أشهر..

الإعداد للدكتوراه:

* كنتم حدثتمونا عن مرحلة الدكتوراه والإعداد لها، ونريد أن نتابع الحديث عن هذه المرحلة الخصبة في حياتكم العلمية.

لا شك أن حقبة الدكتوراه تقسم إلى قسمين: القسم الذي كانت فيه الدراسة تقليدية مدة سنتين، مع رسالة صغيرة كنت قدمتها بعنوان الإجماع عند الشافعي. بعد أن انتهينا من هذين العامين، كل واحد يتصرف حسب ظروفه العائلية، فأنا في المرحلة الأولى كانت أم الأولاد معي حقبة من الزمن، ثم فيما بعد رجعت إلى دمشق، وخلالها توفي والدها الشيخ إبراهيم الغلاييني رحمه الله تعالى سنة58، وحاولنا السفر إلى دمشق لم نجد سوى مقعد واحد على الطائرة، فتركت كبرى بناتنا(فاطمة) معي في القاهرة، وبهذه المناسبة الحقيقة تحملت جزاها الله خيراً مع الوالدة والواعين من الأولاد؛ تحمل الجميع أعباء كبيرة خلال الدراسة والتنقل بين دمشق والقاهرة، ودائماً أي عمل من هذه الأعمال التي فيها هذا النوع من المصاعب والمتاعب، إذا لم يحصل فيها تعاون تزداد المتاعب، فالحمد لله أكرمني الله تعالى بأن البيت كان معي في هذه الحقبة، فكان هنالك تقدير وتعاون من الوالدة رحمها الله تعالى ومن أم محمد إقبال جزاها الله كل خير.

إذن: بعد الدراسة التنظيمية التي فيها نجاح ورسوب جاءت مرحلة الإعداد للرسالة، وتبدأ باختيار الموضوع، وكنت أشرت إلى أني قرأت كثيراً وفيما بعد استقر الأمر مع الشيخ أبو زهرة على العنوان المعروف.

طبعاً سبق ذلك تفرغ، لكن أنا في المرحلة الأخيرة بعد أن أخرني كتاب "تخريج الفروع على الأصول" صرت أحب أن أدرّس في الحقيقة، درّست عاماً كاملاً والرسالة كانت تطبع، فكنت أحضّر للطلاب وأصحح ملازم التجربة الأولى والثانية والثالثة، ومطبعة دمشق كانت مطبعة رائعة جدا تُعَدُّ في مقدمة المطابع في البلد عندنا، فيها صبغة علمية وتحترم الكلمة، والقضية ليست تجارية، وأكثر مطبوعاتها علمية، كتب جامعية وكذا، فكانت جيدة الحقيقة، طبعنا الرسالة في مجلد واحد كبير.

* هل لكم أن تحدثونا عن الأستاذ محمود شاكر، وطبيعة علاقتكم به في تلك المرحلة؟

نعم بمناسبة الحديث عن الإعداد للرسالة، أود أن أقول: سواء في الحقبة الزمنية الأولى أو الثانية لابد من الإشارة إلى علاقتنا ببيت الأستاذ محمود شاكر رحمه الله تعالى أبي فهر، فكنا نلتقي أنا والأستاذ راتب النفاخ رحمه الله تعالى، كان يحضر يومذاك للماجستير بالأدب العربي، فهو الذي عرَّفنا بالأستاذ محمود شاكر، وبيت الأستاذ محمود شاكر ما شاء الله كأنه مرة يكون مجمعاً علمياً، مرة صورة مكتبة عامة، مرة صورة مكتبات متخصصة، يعني يجد الإنسان في هذا البيت كل شيء ما شاء الله، والرجل كان كريماً عنده بعض ملحوظات على بعض الجهات، كان يتحرز من التحدث أمامنا بها، لكن شهادة إنصاف كان الرجل كريماً معنا كل الكرم، وكان بيته مكتبة لي في كثير من الأحيان فهي ما شاء الله مكتبة عامرة بكل التخصصات.

أذكر أنه يكون عنده ضيوف أحياناً..وأنا مستغرق ساعة أو ساعتين في مؤتمر مع مصادر أصولية تأخذ مني وآخذ منها، وتعطيني وأعطيها..بيته كله مكتبة، الصالة وغرفة السفرة والنوم.. جدران الشقة كلها كتب، ويوماً بعد يوم تجد أن هنالك خزائن جديدة. فللإنصاف كان الرجل يعاملنا بخلق واستفدنا من مكتبته كثيراً، وبلغني أنه لما قرأ الرسالة سرَّ بها كثيراً، وسرَّ بكتاب تخريج الفروع على الأصول.

كانت المناقشات بيننا على قلة، إذا كانت قضية عويصة أصولياً مع العربية، أحياناً تجري المدارسة لا على أساس أخذ رأيه ليحكم، لأن الرجل كان إلى الأدب والنقد أقرب، وكان يحترم رأي الآخرين في غير تخصصه، فأكثر الفائدة كانت من المكتبة.

كنا نتردد إلى بيته، وكان يقبل دعوتنا أيضاً وهو رجل أنيس، في الحقبة الأولى كان غير متزوج، ثم فيما بعد سنة مناقشة الرسالة تزوج من السيدة التي كانت تقوم بشؤون البيت عنده، امرأة فاضلة اسمها نعيمة وهي كريمة النفس ومؤدبة.

رسالة الدكتوراه وحديث عن الشيخ أبو زهرة:

* ما موضوع رسالة الدكتوراه وكيف تم اختياره ؟ وكيف جرت المناقشة؟

تم اختيار العنوان مع الشيخ أبو زهرة رحمه الله تعالى، وكان العنوان" تفسير النصوص في الفقه الإسلامي" وحقيقته دراسة مقارنة لمذاهب العلماء في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، ولعل العمل على كتاب" تخريج الفروع على الأصول" كان له تأثيره على تأخير الرسالة.

كانت هنالك سنتان بين طباعة تخريج الفروع وبين الرسالة. المناقشة كانت عام64، لكن بقدر الله لم نصل إلى المناقشة إلا بعد لأي، وكانت سنة كاملة منهما بتعويق من المشرف محمد سلام مدكور رحمه الله تعالى.

وأشير باختصار إلى أن من أسباب تأخيره لي وعدم تعاونه معي أنه كانت له تجربة مع زميل لنا سلك معه سبلاً في الخداع للإسراع بمناقشة رسالته، إلى درجة أنه خطب ابنته..فكان لا يستطيع الفصل بيني وبينه باعتبارنا كلينا من سورية..إضافة إلى أسباب أخرى..

والذي أود أن أقوله أيضاً باختصار: أن علاقته بعملي اقتصرت على الشكل أكثر من المضمون، طبعاً أنا أفدت منه في الترتيب لا شك جزاه الله خيرا، فكثير من أهل العناية بالتأليف اليوم يرون تميزاً في الرسالة من حيث تنظيمُ الأقسام والأبواب، وتسلسل القضية من الباب للفصل للبحث للفرع أحياناً، هذا شيء الحمد لله كان طيباً، والآن أدعو له بالمغفرة والرحمة ذهب إلى ربه وكلنا ذاهبون.

أعود إلى الرسالة فأقول أنه بعد تأخير سنة فاجأني المشرف بقوله: الموضوع ليس من اختصاصي، ويجب أن تقرأه على واحد من المشايخ المختصين، ونحن بحمد الله تربينا على الأدب مع العلماء رغم أنه كان من حقي أن أعترض وأن أرفع الأمر إلى الكلية: كيف يبقى مشرفاً سنوات ثم يقول: ما هو تخصصي .. الذي علمته أنه كان يريد أن يقترح أن نصل إلى شيخ من مشايخ الأزهر لهم منهج جديد في المقارنة غير ما اتبعته في رسالتي، يعني تطبيق منهج الرسالة في ظل كلية الحقوق غير تطبيقه في ظل طريقة الدراسة الأزهرية، الطريقة الأزهرية مختلفة، قد يكون هنالك العناية أكثر بالألفاظ والنصوص لكن الفهم والمعالجة والإفادة من المعالجات القانونية وغيرها تختلف، فأنا طالب في كلية الحقوق يجب أن يكون منهجي متسقاً مع وضع كلية الحقوق في جامعة القاهرة، لكن ألهمني الله أن طرحت له اسم الشيخ الزفزاف، وكان درسنا أصول الفقه، فقال: لا مانع اقرأ معه، ذهبت إلى الشيخ الزفزاف، هذا مسكين رجل هزيل جدا وجسمه تعبان، وكانت زوجته متوفاة حديثاً، أظن أن أولاده كانوا موجودين أو عنده بنت، الحقيقة كان على حال شديدة من التعب، مع ذلك لما عرضت عليه الأمر رحب ترحيباً شديداً وكان رمضان، كنت أفطر وأصلي ثم آتي إليه، أو قبل الإفطار مثلاً، وكانت طبيعة المعلومات المطلوبة في المنهج أوائل الرسالة؛ تكاد تكون مباحثها أصعب مما بعد بالنسبة للمناقشة وكثرة الجزئيات فيها، فكان يصبر علي ويسمع بفهم وصبر، وكان دائماً يدعو لي ونحن نقرأ، ومرة سألني المشرف ما أخبارك مع الشيخ الزفزاف قلت: الحمد لله، قال: حذار أن يسمع منك أنه يمكن أن يكون عضواً في المناقشة، قلت له: ما علاقتي أنا بالموضوع سيدي، أنتم تقررون في مجلس الكلية، قال: لا، أنا أقول حذار من هذا.

وللحقيقة والواقع، وأنا جالس بعد أن قال هذا الكلام اتصل به، والله وأنا جالس، وهذا دليل على أن الظلَمة دائماً الإنسانُ معدوم عندهم، ملغى، يعني سواء كان الظالم من أهل الرسائل أو كان من أهل الحكم.. كلُّهم سواء، قال له: السلام عليكم كيف حالكم، كيف تجد أديب..والله نحن نستفيد أيضاً مع ما يستفيد..ثم قال وهذا هو الظلم: يا سيدي كنت أتمنى أن تكون معنا في المناقشة، لكن اللجنة قررت وانتهى الأمر!

يحذرني ثم يقول له أنه يتمنى وجوده في المناقشة! ولذلك أنا يوم المناقشة في آخر الكلام أثنيت على الشيخ الزفزاف وشكرته، فقال لي فيما بعد وهو متأثر: أنه بلغني أنك في المناقشة ذكرتني بخير، وكنت أتمنى ألا تفعل! قلت: لم؟ قال: لأني كنت أخشى أن يؤثر هذا في الدرجة عليك، لأنهم لا يحبونني في الجامعة، قلت: والله يا سيدي أنا مصمم أن أقول هذا الكلام وليكن ما يكون، وأراه من أول الواجبات. الحقيقة قالها وهو متأثر جدا تكاد الدمعة تفرّ من عينه.. هو يعرفهم كلهم، ويعرف جو الجامعة، وهو مغضوب عليه في الجامعة، لأنه كان وكيل كلية دار العلوم أو عميدها، وقرروا الاختلاط بين الطلاب والطالبات مثل الجامعة، كانت دار العلوم أشبه بأزهر مطعَّم على الجامعة تدرّس تقريباً كل التخصصات، دراستها اللغوية قوية، والشرعية قوية وتدرس الفلسفة والعقيدة والقانون وكذا، فهو عندما أصرّوا على الاختلاط عارض ثم استقال..

لقد كان هؤلاء الأساتذة الذين كانوا يدرسوننا في الدراسات العليا في كلية الحقوق أيضاً من خيرة الأساتذة، الشيخ أبو زهرة، الشيخ الزفزاف، الشيخ علي الخفيف، والشيخ فرج السنهوري، كانوا كثراً، ومن خيرة الناس وعندما نزورهم ننتفع بأخلاقهم كما ننتفع بعلمهم.

بعد هذا أذن المشرف بالطبع جزاه الله خيراً ورجعت إلى سورية، حيث طبعت الرسالة طباعة رسمية: هذا قانون كلية الحقوق في القاهرة لابد أن تطبع الرسالة طباعة رسمية ويودَع من هذه النسخ تسع وتسعون نسخة.. ليست مائة.. أودعنا تسعاً وتسعين نسخة في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، طبعت في مجلد واحد، وكانت ضخمة كثيراً، وشكلت اللجنة ووزعت الرسالة على اللجنة، وكان رئيسها شيخنا العلامة أبو زهرة، وعضواها الأستاذ المشرف د. سلام مدكور ود. زكريا البرديسي.

ولابد من الإشارة هنا إلى واقعة وثيقة الصلة بمناقشة الرسالة، فإلى جانب التأخير الذي أخرنيه المشرف؛ كان يمكن أن يكون تأخيرٌ أكثر، وتفصيل ذلك أن الوقت ضاق علينا كثيراً، وكنت أريد أن أعود إلى الجامعة لأدرّس وكذا، فالوضع بيننا وبين شيخنا أبو زهرة يحتمل أن أسأله عن وقت المناقشة، الأستاذ ما يُسأل عادة، لكنه فتح لنا صدره وبيته ومكتبته جزاه الله خيرا.. فاتصلت به، قلت له: يا سيدي الأولاد في سورية ينتظروننا، أحفادكم، والجامعة تستعجلنا من أجل التدريس فيا ترى هل قرب وقت المناقشة إن شاء الله؟ فقال لي مباشرة بلهجة حاسمة: اسمع يا أديب، أنا رأيتك في رسالتك تتكلم على مشايخي، فكأنك أخذت هذا عن هذا ال(.....) المشرف، هو يتكلم على مشايخي، وأنت تتكلم على مشايخي.

المشكلة أن أبو زهرة كان يفحص أيضاً إنتاج المشرف من أجل ترقية، فربط بين الأمرين، إذ كان في رسالتي فعلاً مناقشة لبعض المشايخ أولئك لكن بأدب: يعني ما خالفت واحداً في الرأي إلا اعتذرت له في الحاشية أيضاً..

قلت له: يا سيدي أنا ما أعني كذا..وأنهيت المكالمة بمنتهى الأدب لأنه كان غاضباً.. وتذكرت د. أحمد كمال أبو المجد وكان عميداً سابقاً فذهبت إليه، وقلت له: القضية كيت وكيت.. قال: علمت بالموضوع كله والشيخ متأثر جدا، لكنه يحبك كثيرا ويقدرك، ويعتبرك من النوابغ عنده إلخ.. قلت له: ما الحل ..صدقني ليس من أجل الدرجة، لكن الشيخ يكرمنا إكرام الأب لأولاده بعلمه وفضله، وإذا احتجنا كتاباً يعيرنا ونزوره في بيته ويسأل عنا ويتفقد أحوالنا، المهم أنا يصعب علي أن أغادر القاهرة والشيخ في نفسه شيء، نحن لم نتربَّ على هذا وليس من الخلق أن نودّعه هذا الوداع.

قال: القضية سهلة إن شاء الله وأنا عندي حلّ. قلت له: تفضل. قال: أولاً في المناقشة عندما يتكلم الشيخ اعمل(صمٌّ بكمٌ) لا تعرف شيئاً ولا تحاول أن تدافع لأن الشيخ غضبان، ولا تقل: كيف لا أدافع أمام الجمهور وأبدو أني مخطئ؟ قلت: طيب.

قال: أهم من هذا إذا استطعت أن تقدم تلخيص الرسالة ارتجالاً فهذا يسرُّ الشيخ كثيراً، لأن الشيخ دائماً يتحدث بألم أن هؤلاء الطلبة يأتي الواحد منهم يقرأ الفهرس: ما يدريني أنه هو على فقه برسالته وأنه هو من كتبها بحق؟ الطالب الذي أعتبره فاهماً رسالته هو الذي يستطيع أن يقدم تلخيصاً لرسالته بارتجال عن كل ما كتب.. سبحان الله يومذاك قلت له: والله هذا أحبُّ إلي وأسهل عليّ من الاستعانة بالفهرس والأوراق المكتوبة سلفاً.

* * *

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا