الجمعة 29 محرم 1439 - 20 أكتوبر 2017

واجبنا في خدمة الإسلام

الخميس 25 جمادى الآخرة 1438 - 23 مارس 2017 544 العلامة عبد الوهاب خلاف

 

كثيرون من شبابنا المثقفين لم تُهيَّأ لهم الفرصة في أية مرحلة من مراحل التعليم لدراسة الإسلام دراسة تفصيليَّة يتعرَّفون بها عقائده الحقَّة، وبراهينها الصادقة، ويقفون بها على مبادئه، ونظمه، وأحكامه، وحكم تشريعه، وروحه ومعقوله، ومقاصده وغاياته.

ومن أجل هذا نرى الكثيرين منهم يتأثَّرون بالشبهات التي يُثيرها من يحاربون الإسلام ويحاولون أن يُطفئوا نورَه، بل نرى الكثيرين منهم تُسيطر هذه الشبهات على عقولهم وترددها ألسنتهم، ولا يجدون من علمهم بحقيقة الإسلام وفهمهم لأصوله وغاياته ما يَدْحض شبههم ويثبِّت إيمانهم، على حين أنَّهم زينت لهم الشُبه، وفتحت لهم أبواب النقد.

من هؤلاء الشباب من يجاهرون بأنَّ الإسلام يُنافي العقل والعلم والبحث والنظر، ويحتجون على هذا بأنَّ نظريات الطبيعة والكيميا وجميع المخترعات من الأجهزة والآلات والاستكشافات، وكل ما سُخِّر للناس مما في الأرض والسماء هي وليدة عقول غير إسلامية، والمسلمون عالة على غيرهم في كل استكشاف واختراع، وفي الانتفاع بالخواصِّ التي أودعها الله تعالى في خلقه.

ومن هؤلاء الشباب من يجاهرون بأنَّ الإسلام ليس دينَ الحضارة والثراء، ويحتجون على هذا بأنَّ أكثر المسلمين فُقَراء، وحيث توجد البيئة الإسلاميَّة يُوجد الفقر والاستجداء والعطَلة والرضا بعيش الكَفَاف، وجميع المصارف والبيوت المالية الكبرى والحركات التجاريَّة الواسعة والشركات المالية الرابحة بأيدي غير المسلمين.

بل إنَّ من هؤلاء الشباب من يجاهرون بأنَّ سبب تأخُّر المسلمين حكوماتٍ وأفراداً هو الإسلام، لأنَّه لا يساير المصالح ولا التطورات، ولا يطلق الحريَّة للعقول والأيدي العاملة.

والحقيقة التي لا ريب فيها أنَّ هؤلاء الشباب واهمون، وأنَّهم ظلموا الإسلام واتهموه بما هو منه بريء، والذي أوقعهم في هذا الوهم أنَّهم لم يعرفوا حقيقة الإسلام، وتأثروا بما عليه المسلمون، فهم رأوا في أكثر المسلمين جموداً وجهلاً، وضعفاً وفقراً، فحسبوا منشأ هذا إسلامهم، والحق أنَّ منشأ هذا إما جهلهم بالإسلام، أو خروجهم عن حدوده. 

وليس يقدح في عدالة القانون أنَّ القاضي يُسيء فهمه أو يجور في تطبيقه، وليس يقدح في جودة البذر أنَّ الزارع يُهمله أو لا يحسن زرعه.

وليس يقدح في مبادئ الإسلام أنَّ المسلمين أهملوها أو جهلوها.

الإسلام كفيلٌ بكل سياسة عادلة، ويتقبل مصالح الناس، ولا يَضيق بحاجة من حاجاتهم، وأساس دعوته: العلم، والبحث، والنظر في ملكوت السموات والأرض، ومن أول ما دعا إليه السعي والعمل والجهاد في الحياة، والقوَّة والعزَّة.

ومن أول ما نهى عنه: القعود والتواكل والذلَّة، وقد قرَّر القرآن الكريم أنَّ العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، ودعائم العزَّة: العلم، والقوة، والثراء، والكفاح.

وكل من يتَّهم الإسلام بأنَّه عَقَبة في سبيل العلم أو الثراء أو القوة أو العزة فهو لا يعرف حقيقة الإسلام، ولا تاريخ المسلمين حقاً، وكل من يتهم الإسلام بأنه يُنافي العقل أو التطور أو المصالح فهو لا يَعرف حقيقة الإسلام ولا تاريخ المسلمين حقاً.

من أجل هذا أرى من الواجب علينا أن نتَّجه في خدمة الإسلام اتجاهاً يجلي حقيقته بيضاءَ ناصعة، ونقيم البراهين من مبادئه ومن نصوصه ومن أحكامه الكليَّة والجزئيَّة على أنَّه دين الحياتين الأولى والآخرة، وأنَّه كفل للمسلمين دعائم العزَّة الثلاث، وهي: العلم والقوة والثراء، ودحض بالبرهان شُبه الذين يتهمونه بأنَّه دين الجمود والخمول والزهد والفقر والرضا بالكفاف.

وإني أرشدُ في هذا المقال إلى خمسة مؤلفات اتجه فيها مؤلفوها في خدمة الإسلام هذا الاتجاه، وأرجو أن تكون لنا فيهم أسوة حسنة، وأن نخدم الإسلام الخدمة التي تقتضيها حال البيئة التي نعيش فيها، وتتفق وما يسود العالم من روح ومبادئ.

1 – (الإسلام والنصرانيَّة مع العلم والمدنيَّة) ألَّف هذا الكتاب الأستاذ الإمام محمد عبده رحمه الله تعالى ورضي عنه، رداً على الذين زعموا أنَّ الإسلام لا تنمو في بيئته الحركة العلميَّة الكونية، ولا يعلو فيها شأن العلوم الفلسفية، وأنَّ أمثال ابن سينا وابن رشد لو كانا في بيئة غير إسلامية لعلا شأنهما واتسعت دائرة بحوثهما.

أقام الأستاذ الإمام في هذا الكتاب عدة براهين ساطعة من نصوص الإسلام، ومن مبادئه وأحكامه، ومن وقائع التاريخ، وتاريخ الوقائع على أنَّ الإسلام حفَّز إلى العلم، ورفع شأن العلماء، فجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وبنى عقائده على العلم والنظر في ملكوت السموات والأرض، وفي كل آيات القرآن حثَّ للعقول على النظر والتفكير والتدبُّر في آيات الله تعالى في الأرض والسماء: أفلا يَنظرون، أفلا يَعقلون، أفلا يتدبَّرون.

ولو اتَّبع المسلمون سبيل القرآن لكانوا أسبق الناس إلى الوقوف على سنن الكون، وما أودع الله تعالى في الأجسام من خواصَّ.

وأقام رحمه الله تعالى في هذا الكتاب عِدَّة براهين ساطعة من نصوص الإسلام ومبادئه على أنَّه دين الحضارة والمدنية، ومسايرة المصالح والتطورات، وحسبه أنَّه قرَّر أنَّ الضرورات تبيح المحظورات، وأنَّ الحاجات تُنزَّل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات، وأنَّ الحرج مرفوع، وأن لا ضرر ولا ضرار. 

ومن يمعن النظر في هذا الكتاب يؤمن بأنَّ الذين يزعمون أنَّ الإسلام يُنافي العلم والمدنية يتجنَّون عليه، ويحكمون على الإسلام بجمود المسلمين.

2 – (سرائر القرآن، في تكوين وإفناء وإعادة الأكوان) ألَّف هذا الكتاب باللغة التركية الصدر الأعظم أحمد مختار الغازي باشا رحمه الله تعالى، وعرَّبه السيد محب الدين الخطيب.

جمع المؤلف في هذا الكتاب تسعين آية من آيات القرآن التي أشارت إلى سنن كونية ونظريات طبيعية، وبوصفه من كبار علماء الرياضة قرَّر النظريات الحديثة المتعلقة بالخلق وبدء الحياة والفلك والأجرام، وبعد أن يَشفي الغليل من تقرير النظرية وتبيين أحدث الآراء فيها يورد الآية ساطعة كالشمس لا تنافي العلم ولا تناقضه. 

وفي هذا الكتاب القيِّم أقوم البراهين على إعجاز القرآن، وعلى ردِّ افتراء الذين يَزعمون أنَّ الإسلام يُنافي العلم، وقد قال في مقدمته الأمير شكيب أرسلان: (هذا كتاب لم يُخدَم القرآن بمثله إلى اليوم)، وتأييداً لهذا أُقَرِّر أني في دراسة وجوه إعجاز القرآن بالجامعة ما شعرت بأنَّ وجهاً من وجوه الإعجاز كان له أثر في عقل الطلبة مثل هذا الوجه.

3 – (الدين والعلم) ألَّف هذا الكتاب باللغة التركية الصدر الأعظم المشير أحمد عزت باشا، وعرَّبه الأستاذان حمزة طاهر وعبد الوهاب عزام، وطبعه على نفقته صاحب المقام الرفيع عبد العزيز عِزَّت باشا.

ذكر المؤلف أنَّه بعد أن مارس كثيراً من الشؤون الإداريَّة والعسكريَّة والاقتصاديَّة، ودرس أحوال كثير من الشعوب الإسلاميَّة، وأنعم النظر في الإسلام ومقاصده، ألَّف هذا الكتاب لإثبات أمرين: 

(أولهما) أنَّ الدين لا يُنافي العقل والحكمة والعلم والمعرفة. 

(وثانيهما) أنَّ المسلمين الذين جمعتهم عقيدة واحدة، وقبلة واحدة، وقرآن واحد لا ينبغي أن يُفرِّقهم تشيع لبعض الأفراد، أو اختلاف في بعض الجزئيَّات.

ومما أخذه المؤلف على بعض المسلمين وقوفهم عند الألفاظ والحروف لبعض النصوص وإهمالهُم روح النصوص ومعقولها.

وقد ذكر في صفحة (161) من كتابه شاهداً على هذا فقال: 

(إنَّ القائمين على أموال الأيتام يحتالون للتخلُّص من حُرمة الربا بحيل غريبة؛ كنقل الأموال من يدٍ إلى يد بالإيجاب والقبول، وفي رأيي أنَّ مثل هذه الأفكار والأحكام الغريبة إنما هي لعب بالألفاظ، ولو بحث المراد والغاية والأسباب الغائيَّة التي جاءت لأجلها النصوص والأوامر ونفذت الأحكام الفقهيَّة بمقتضاها لما بقي مجال لهذه المعاملات الغريبة).

والكتاب يوسِّع أفق الباحث في الإسلام، ويلفت إلى بَراهين عقليَّة وعمليَّة في إثبات الإسلام وصلاحه أساساً لكل نظام عادل.

4 – (الدين في نظر العقل الصحيح) ألَّف هذا الكتاب الدكتور محمد توفيق صدقي رحمه الله تعالى، وأقام فيه أظهر البراهين على حدوث المادَّة ووحدة واجب الوجود، وأنَّ العقل والعلم مع الإيمان، وأنَّ الإسلام من حيث عقائده ومبادئه وتشريعه وما أحلَّه وما حَرَّمه هو الإصلاح الأكبر، وردَّ فيه شبهات كثيرين من المفترين، وبيَّن حكمة تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير طبياً، والكتاب سلاح مَاضٍ، وحقائق علميَّة ناطقة بأنَّ الإسلام والعلم والعقل أعوان لإصلاح الإنسان.

5 – (الإسلام والطبُّ الحديث) ألَّف هذا الكتاب الدكتور عبد العزيز إسماعيل باشا رحمه الله تعالى، وعُني فيه بالتوفيق بين ما دلَّت عليه بعض آيات القرآن الكريم وما قرَّره الطبُّ الحديث، وعُني فيه ببيان حِكَم التشريع للطهارة والعبادات، وتحريم بعض المحرَّمات على ضوء ما قرَّره الطب الحديث.

والكتاب يجلي ناحية من نواحي إعجاز القرآن، ويردُّ شُبه الذين يتجنَّون على الإسلام، ويَهدي الناشئين من الطريق التي يسهل أن يهتدوا بها.

هذه بعضُ المؤلَّفات التي أدَّت للقرآن والإسلام خدمة جليلة، وقد أردت بالإشارة إليها الوصول إلى غرضين:

الأول: أن ألفت نظر علماء الإسلام إلى أن يخدموه من هذه النواحي العلميَّة والعقليَّة والاقتصاديَّة، فإنَّ هذه هي الخدمة الحقَّة في عصرنا.

والثاني: أن ألفت نظر المشتغلين بالعلوم الكونيَّة إلى أن يحتذوا حذوَ هؤلاء المؤلفين ويضيفوا إلى مؤلفاتهم أمثالها.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. 

المصدر: (مجلة لواء الإسلام، العدد الثالث، المجلد الخامس، ذو القعدة 1370 أغسطس1951).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات