الجمعة 29 محرم 1439 - 20 أكتوبر 2017

الأرض والنَّسب لا يقدِّسان أحداً ولا يُدنِّسانه

الثلاثاء 9 جمادى الآخرة 1438 - 7 مارس 2017 506 الأستاذ أحمد عبد الملك عاشور

 

ما كان المنشور في هذه السطور الذي نشر بعنوان : "فضل اليمامة وبني تميم وخطر ذم بعض القبائل والبلدان"بمقالٍ، وما كاتبه ممن يستحق أن يكتب أو يقول فتنشر له كتابات ومقالات، ورحم الله امرؤاً عرف قدر نفسه. 

ولكنَّ فضيلة المشرف على هذا الموقع المفيد جزاه الله خيراً رأى كلماتٍ عفويةً حكاها كاتب هذه السطور بحضرته - في  بعض ما يتواصل الناس به الآن من وسائل - عن حوار قديم - قبل أكثر من عشر سنوات - في سياق خاص وبين قوم مخصوصين يتعلَّق بأنَّ الأرض والنَّسب لا يقدِّسان أحداً ولا يُدنِّسانه، وأنَّ ما ورد في الكتاب والسنة من ذَمٍّ لأرض يسكنها الإنسان أو لشخص ينتسب إليه لا يسري إليه بمجرد سكناه لتلك الأرض وانتسابه لذلك الشخص، هذا بعد صحة ذلك الذمِّ نقلاً ودلالة. 

وكان الحوار المحكي فيه ما أورده كاتب هذه الكلمات في سياقٍ متعلِّق بنجد وببني تميم، فكان كلامه في ذلك الحوار مناسباً لسياقه الخاصِّ ومتعلِّقاً به، المقصود به ما عُنونت به هذه السطور.

 وأما مضمونه فهو: أنَّ نجداً دخلها خلق من الصحابة، وفي الصحيح عن ابن عمر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعثه في سَرِيَّة قبل نجد.

ومن الأئمة الكبار الذين كانوا بها: يحيى بن أبي كثير، ورأيت في ترجمة الإمام الأوزاعي أنه أوَّل ما طلب العلم عليه ثمة وهي قصة طريفة راجعوها إن شئتم.

وأحسب أنني رأيت لبعض المعاصرين كتاباً في الرواة المتقدمين من النجديين أو اليماميين، فلعل بعض الإخوان يكون أذكر لذلك مني، [ كذا ذكرتُ في ذلك الحوار لعفويَّته، والكتاب المشار إليه هو «المحدِّثون من اليمامة إلى 250 هـ تقريباً للدكتور محمد مصطفى الأعظمي الديوبندي تخرُّجاً عافاه الله تعالى، وكانت رسالة الدكتوراة للشيخ محمد بن إبراهيم اللحيدان بعنوان «رواة الأحاديث من أهل اليمامة خلال القرون الإسلامية الثلاثة الأولى دراسة حديثية تحليلية»، وكذا كانت رسالة الدكتورة  للدكتور محمد بن سليمان الشارخ بعنوان «الحديث والمحدثون في اليمامة في عصر الصحابة والتابعين»، وكلا الرسالتين ذكر في الفهارس أنهما في 3 مجلدات].

 

والإسلام دخل نجداًَ وجاوزها إلى الأحساء زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولها أخبار كثيرة في السيرة والسنة.

 

وكفى اليمامة شرفاً أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم لما أُري دار هجرته ذات نخل ذهب وَهَله إلى أنها اليمامة [ والحديث مخرَّج في «الصحيحين» وغيرهما]، وهذا الالتفات من خاطره الشريف المسدَّد لم يضيعْه الله عزوجل.

وإن كان قد خرج بها مسيلمة فقد قارنه بالخروج في اليمنِ الأسْودُ [أي: العنسي]، وفضل اليمن لا يخفى.

 

ومن شرف أهلها: أنَّ كثيراً منهم من بني تميم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم أشد أمته على الدجال.

وقد صدَّق الله تعالى خبَره وأظهر بقدَره القاهر ومشيئته النافذة علَم نبوته بتحقيقه وله الحمد، فحرَّك فيمن اختاره من بني تميم طلب نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإن اقتضى ذلك مفارقة إلف النفس، وإلفاء الآباء، وما أقسى ذلك على النَّجدي الشديد التمسك بالعادات والتقاليد بالنسبة لغيره، فالحمد لله على ما ابتدأه من ذلك وهو المسؤول أن يُتمَّه بالخير، فو عزته وجلاله ليَتمَّنَّ كما أخبر نبيه صلى الله عليه وسلم.

ولكن على خيار بني تميم أن يتعرَّضوا لنفحات الله، ويتزودوا بخير الزاد [قال تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)]، وليعلموا أن نبيَّهم صلى الله عليه وسلم -المبشِّرَ بذلك- قال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»، والدِّين -كما علَّمنا في حديث جبريل- هو الإسلام والإيمان والإحسان، وأما بيان الثلاثة ففي الحديث المشار إليه، وهو بحمد الله مشهور معلوم، وقد أفاض العلماء قديماً وحديثاً في الكلام عليه وبيانه، فتحرَّوا رحمكم الله تعالى الأشبه بمراد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنيئاً لبني تميم بشرى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، مع كونهم بني عمِّه؛ بشهادته لهم أنهم من بني إسماعيل بن خليل الله إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

ثم هنيئاً لهم –ثالثةً- أنه -مع تلك البشارة وهذه الشهادة- أكرمهم بكرامة عظيمة فضمَّهم إلى نفسه بقوله وقد جاءته صدقاتهم: «هذه صدقات قومي»، فلا غرو أن قال أبوهريرة راوي ذلك عنه صلى الله عليه وسلم: لا أزال أحب بني تميم .

هذا وأبو هريرة رضي الله عنه دوسي يماني ليس بتميمي ولا مضري، ولا كاتب هذه الأسطر [أي: لا ينتسب إلى بني تميم، وحديث أبي هريرة المتضمن لهذه الفضائل الثلاثة لبني تميم مخرَّج في «الصحيحين» وغيرهما].

وقد أفرط الناس فيها [أعني: نجداً] وفي أهلها غُلوَّاً في الذَّم والمدح -كما لا يخفى-، وإن كان في الذامِّين من يُسرفون وخطر [ذلك] عليهم وعلى الجهال منهم أكبرُ لإلصاقهم ذلك بالشرع.

وقد أنصف الله تعالى عباده في كتابه بل لم يَحِف على عدوٍّ له قط مهما بلغت عداوته، (ولا يظلم ربك أحداً)، هذا مع أنَّه على كُلِّ شيء قدير، وبكل شيء عليم ولا تخفى عليه خافية، وقد ميَّز بين أحوال الناس وإن كانوا مشتركين في أوصاف وأنساب وأحوال، وفاوت بين أحكامهم بحسب ميزانه العادل، فإنه وضع الميزان وأنزله على رسله مع الكتاب وفيه، فلا غنى عن ميزان القرآن والسنة في النظر إلى الأمور والحكم عليها، ومن استهدى بالله هداه، ومن استعان به أعانه، (والله يعلم المفسد من المصلح).

وهو سبحانه قد حرَّم الظلم على نفسه وجعله بيننا محرماً كما في الحديث القدسي الصحيح من حديث أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتصل تسلسله بالشاميين إلى الآن.

وأبلغ من ذلك أنه نهى عباده المؤمنين به المجاهدين في سبيله عن الاعتداء على أعدائه بمجاوزة حد العدل فقال: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)، وقال: (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا، وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب).

وأمَر بالعدل بل بالإحسان أيضاً وهو العدل وزيادة فقال مؤكداً ومقرراً: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان).

وأخبر مراراً في كتابه أنه يحب المحسنين، فهنيئاً لهم، سلكنا الله تعالى فيهم برحمته، ولا وكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا إلى أحد سواه.

جمع الله أفئدة المسلمين على طاعته والتوالي فيه، ونبذ ما تفرقوا فيه فاشتغلوا به عن الاعتصام بحبله».    

هذه هي الكلمات التي حكاها كاتب هذه السطور عن حوار قديم ذكرها فيه في سياق اقتضاها- فرأى القائم على هذا الموقع - نفع الله بهما- نشرها فيه واختار لها العنوان الذي نُشِرت به أولاً بالنظر إلى مضمون شطر تلك الكلمات، ولم يشْعُر كاتب هذه السطور بها إلا منشورة في صورة مقال على هذا الموقع النافع بدلالة فضيلة مشرفه جزاه الله خيراً.

وأحسب أنَّ حسن الظن والرغبة في الخير والمسارعة إليه قد حمل شيخنا المشرِفَ إلى المبادرة لذلك حتى جعْل النشرِ مكان الاستشارة غيرَ منتظر لها، ثم حملته على عدم الموافقة على التماس كاتب السطور حذفَ المقال لأن مضمونه لم يكن في الأصل مقالاً ولم يُعَدَّ لذلك ولا للنشر العامِّ، لكنَّه من تمام إحسانه: أتاح المجال لإعادة النَّظر فيه وتعديله، فأبقيت تلك الكلمات المنشورات كما هي مع بعض تنسيق وإصلاح كتابة كُليمات، وزيادات طفيفة بين معقوفات لتخريج نص أو توضيح معنى، وقدَّمت لها بما يوضِّح أمرها ويمهِّد لها، وختمتها بهذه الخاتمة، رزقنا الله في كل أمر وفي نهاية العمر حسن الختام.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا