الجمعة 29 محرم 1439 - 20 أكتوبر 2017

خطبة الدستور لفضيلة الشيخ عبدالله علوان رحمه الله تعالى

الخميس 19 جمادى الأولى 1438 - 16 فبراير 2017 715 الشيخ عبد الله علوان

 

كنا نشرنا هذا المقطع ونسبناه لأستاذنا الشيخ عبد الله علوان ، ثم تبين لنا أنه لفضيلة الشيخ محمد منير حداد رحمه الله تعالى 

ولهذا ننوه بذلك. 

مقتطفات من الخطبة :

قال الله تعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) إذا كانت هذه هي عقيدة المؤمن التي يقررها ويشرع بها القرآن فمعنى ذلك أن المؤمن بمقتضى عقيدته لا يجوز أن يلتفت إلى شريعة أخرى أو نظام آخر أو أي مدلول سواء كان يتصل بالأديان التي كانت سابقاً عليها في الأرض والتي نزلت من السماء أو كان يتصل بالأفكار والمبادئ التي يضعها الناس من عند أنفسهم . كل ذلك خروج عن الجادة وكل ذلك تنكر لدولة الإسلام ..

سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوماً وفي يده جريدة (صحيفة كبيرة) فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب: ما هذا الذي في يدك؟

قال عمر رضي الله عنه: هي جريدة بها وصايا مما جاء به لقمان، فغضب عليه السلام واحمر وجهه الشريف وعرف الغضب في وجهه وقال صلى الله عليه وسلم: لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو أن موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي، رغم أنها تعتبر من الأديان وهو اليهودية التي لها شريعتها ولها كتابها، والأنبياء الذين جاؤوا من بعد موسى عليه الصلاة والسلام كلهم أخذوا من شريعته ونسجوا من كتابه حتى سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام جاء مصدقًا لما بين يديه من التوراة، ومع ذلك فإن شريعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هي الدين الذي ارتضاه لنا وهو الدين الذي نسخ كل الأديان قبله.

أيها الأخوة المؤمنون: إذا كان هذا بالنسبة إلى الأديان التي نزلت من السماء فكيف بالنسبة للأديان التي اخترعها أهل الأرض والمبادئ التي نسجتها أيديهم وطرحتها أفكارهم وعقولهم؟!

فلا يجوز للمسلم أن يلتفت إليها أو يقرها أو يسمح لها أن تحكم في بلده ووطنه ..

الإسلام أيها الأخوة المؤمنون يعلم المسلم أن الطريق واحدة هي طريق الوحي فقط، وما زاد عن الوحي فهو من الأوهام وهو من الضلالات وهو من الهوى , (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى? مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى? وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى? إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى?) كان الله وكيله وحفظه من الهوى وإن الوحي لا دخل فيه لأي بشر ولا لعقل بشر إنما هو وحي من عند الله عز وجل يحفظه الله من كل ما يشوبه أو يدخل عليه من أفكار البشر وعقائدهم ومبادئهم ,هذه الآية الكريمة التي تحدثت عن الحكم حذرتنا من شيئين , حذرتنا من الهوى وحذرتنا من الفتنة (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ)

هناك قاعدة إيمانية في كل مجتمع ترتبط بالمبدأ الذي هو أساس تكوين المجتمع مبدئيًا وفكريًا وهناك إلى جانبهم أناس رعاع همج ليسوا على مستوى الفهم والعلم في أصل المبدأ والعقيدة هؤلاء يمكن أن تتسرب إليهم الأفكار والمبادئ ويمكن بجهلهم في دينهم وعقيدتهم أن يكون لهم في أنفسهم هوى فهم مع ذلك معرضون للفتنة من أعداء دينهم ومن أعداء عقيدتهم.

الإسلام يأمرنا بالتمسك بالوحي وحكم الله وينهانا عن الهوى ويحذرنا الفتنة.

أتدرون ما هي الفتنة؟ ليست الفتنة في إراقة الدماء، وليست الفتنة في التعدي على الحريات، وليست الفتنة في وجود المظالم، ذلك أمر عارض يزول، لكن الفتنة الأهم والأعظم والأعم أن تلتفت القلوب إلى ما سوى العقيدة والإيمان فتلتمس مبادئ أخرى بعيدة عن العقيدة والإيمان, (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ).

الشريعة كاملة بأحكامها ونظامها وإذا قامت فتنة فكرية لتلفت الناس عن حكم من أحكام الشريعة فذلك هو البلاء الأعظم الذي يهدد كيان الأمة ويدس الدسائس لعقيدتها وأفكارها (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) ولو عن حكم واحد من أحكام شريعتنا هذا التحذير يجب أن يكون قريباً من أذهاننا وعقولنا حتى نعرف مدى الخطر الذي يحيط بنا, القرآن أمر ونهى وحذر وأنذر, أمرنا بالتمسك بالوحي ونهانا عن الهوى وحذرنا الفتنة وأنذرنا البلاء الأعظم المطبق الذي ينزله الله عقاباً للأمة إذا هي انحرفت عن عقيدتها (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) هذا هو الأمر (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) نهيًا عن الهوى والانحراف والخروج عن العقيدة (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) تحذيراً عن التغاضي بأحكام الشريعة واستبدالها بأحكام أخرى وأمثلة أخرى... وأن الإنذار الذي نزله الله , الإنذار الذي رأينا كثيراً من نتائجه والأيام تكشف لنا أكثر من ذلك (فَإِن تَوَلَّوْا) إن تولت الأمة عن أحكام الله وعن شريعة الله (فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ).

ذنوبنا كثيرة وانحرافاتنا خطيرة في العادات والأخلاق حتى المبادئ فإذا كان التولي من الأمة عن الإسلام وأحكام الإسلام فإن إنذاراً من الله عز وجل يعدنا بمصيبة من السماء (فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم...) لا بكل ذنوبهم بل: (بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ).

أيها الأخوة المؤمنون: لا مجال لأن نقول يستطيع الإنسان أن يعيش بحرية في عقيدته، قد تتلاءم الأديان بطقوسها مع العادات التي يعيش بها أصحابها في أعيادهم ومجاملاتهم واحتفالاتهم وطقوسهم قد تتلاءم مع كل نوع من أنواع الحكم ..

أما الإسلام فلا ولن نسمح بحكم آخر ولا لمبدأ آخر في وطن إسلامي أهله مسلمون وهم الأكثرية الساحقة وبقعة أرضه هي البقعة التي نشأ فيها الإسلام ومنه انتشر طيلة القرون وطيلة الأزمان، كيف يعيش الإسلام في أرض كهذه الأرض والأحكام تغاير أحكام الإسلام والأفكار تغاير أفكار الإسلام والمبادئ بعيدة مستقاة من أعداء الإسلام؟ هذا لن يكون هذا نوع من الدجل ونوع من الكذب ونوع من التضليل أن يقال لكم في هذا الدستور المقترح أن الدولة تحترم الأديان بماذا تحترمهم يا كذابون؟ بماذا تحترم الأديان؟ ...

لسنا مسيحيين أصحاب طقوس، نحن أصحاب عقيدة حاكمة شاملة في كل حياتنا، وكل خروج عليها إنما هو على حساب حريتنا أولاً وعلى حساب عقيدتنا وعلى حساب وجودنا، ومع تقدم الأيام ومع الزمن يزداد احتكاك المواطن بالقانون، في لقمته، في الماء الذي يشربه، في البيت الذي يسكنه، في المدرسة التي يُدرس فيها أولاده ... في كل نواحي الحياة، يزداد احتكاك المواطن بالقانون يوماً فيوم وساعةً فساعة، فأي حرية في الأديان والطقوس والعبادات والشعائر وأي احترام للأديان؟ هذا كذب ودجل لا جدال فيه..

يقول الدستور المقترح إن الدولة تحترم الأديان.. ويقول هذا الدستور الذي صاغه الخائنون لعقيدتكم إنه يحترم الأديان، ويقول إن هذه الدولة اشتراكية ديمقراطية شعبية ولكن نبشركم: نبشركم بشارة السوء لا بشارة الخير عن قريب يستطيع كافر مسيحي كان أو يهودي أو أي عدو لعقيدتكم أن يعتلي مجلس الرئاسة وأن يكون رئيساً على هذه البلاد بمقتضى هذا الدستور الكافر.

يستطيع ميشيل عفلق أكبر أعداء الإسلام في هذا البلد أن يدخل إلى منصة الحكم بمقتضى الدستور الذي تجاهل دين رئيس الدولة ولم ينص على شيء من ذلك ..

يستطيع أعداء الإسلام أن يفعلوا ما يشاؤون بمقتضى الدستور الذي صاغوه، أتدرون أين هي الحرية التي يحترمها هذا الدستور؟ إن رئيس الدولة يستطيع أن يكون من أي دين كان، ولكنه بمقتضى الدستور لا يستطيع إلا أن يكون اشتراكياً، وإن دينه الاشتراكي ينص على ذلك فلا يستطيع أن يرشح نفسه ولا أن يرشحه الشعب وإنما تقترحه القيادة القطرية ويوافق عليه مجلس الشعب، ثم يقال لنا ما رأيكم بهذا الذي اقترحناه والذي رشحناه هل توافقون أم لا ..

من فوضكم على هذا الشعب حتى ترشحوا رئيسه ..من جعلكم أوصياء ..من أعطاكم الكلام وحدكم من أعطاكم التحديد وحدكم هذا حكم الجاهلية حكم الفئة القليلة على هذا الشعب كله (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)

تذكروا تاريخكم أيها الناس استيقظوا من نومكم وغفلتكم هذه عشر سنوات مضت على ثورة البعث ثلاثة أحكام مرت بها هذه الفترة: حُكم اليمين، ثم ذهب حُكم اليمين وذموه في إذاعتهم وقالوا عنه ما قالوا وقالوا عن العفلقية النتنه وقد شتموا بعضهم بها، ثم جاء حُكم اليسار، وحُكم اليسار وكأن الشعب لا وجود له، وذهب حُكم اليسار وجاء التصحيح عشر سنوات مضت ثلاثة أنواع من الحكم مرت على هذا البلد، يمين انحرف وزال، ويسار انحرف وزال، وتصحيح فرضتها القيادة القطرية على هذا الشعب كله ...

إنها أحكام جائرة إنها أحكام جاهلية .. تربي جيلاً علمي التفكير لا يؤمن إلا بالمادة ولا يؤمن بوجود الله لأن الله لا يُلمس ولا يُرى ولا يؤمن إلا بالعلم والتفكير، وأما تجربتنا نحن تجربة المؤمنين الملموسة التي لا زالت قائمة في هذه الفترة من الزمن فهي أننا إستقبلنا حكاماً مدوا أيديهم وقلوبهم إلى الاشتراكية والاشتراكية عدوة للإسلام كما الصهيونية عدوة للإسلام.

أين الإسلام في بخارى؟ أين الإسلام في طشقند؟ أين الإسلام في الجمهوريات الشيوعية؟ لقد محي محياً وسحق سحقاً ولم يبق للعقيدة صلة بالحياة حتى ذهب جيل من خمسين سنة مرت دون عقيدة ودون إسلام ودون إيمان، هذه هي الحرية التي يُمَنُّونا بها في حكم الاشتراكية، ومددنا أيدينا إلى الشيوعيين فكان من نتائج ذلك أن تخلينا عن العقيدة وتخلينا عن الأفكار وتخلفنا عن الفقه والإسلام وبما للتاريخ من صلة بحياتنا ووجودنا، بعنا كل ذلك لمن؟ للشيوعيين الذين اعترفوا بإسرائيل وإسرائيل هي من أتت بالاشتراكية ! نعم إسرائيل اشتراكية قبل أن يكون هؤلاء... إسرائيل تشكل الاشتراكية في مستعمراتها وفي قراها ويقف رئيس وزراء صهيون في هيئة الأمم ليثني عليها ليثبتوها وليقرروها في بلادنا وفي قلب بلادنا فالاشتراكيون أعداؤنا كالصهيونيين لا جدال في ذلك .

والتجربة التي نؤكد عليها في عام سبعة وستين يوم كتبت مجلة مجلس الشعب أن الله والأديان ليسوا إلا دمى في متاحف التاريخ وقلنا كلمتنا آنذاك قلنا إن عداوة الإسلام في قلوبهم وظهرت على ألسنتهم وحذرنا يوم ذاك حذرنا من تحذير الله ومن كتاب الله: (وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْك فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ).

وقد غرقنا بذنوبنا فذهبت القدس وذهبت الضفة الغربية وذهبت المرتفعات ولم يبق إلا دمشق وفي قلب هذه البقعة المباركة تذهب البلاد في ساعات لأننا تركنا الجادة وأعرضنا عن الإسلام، فهذا أكبر زعيم في هذه البلاد الذي تخرج من السوفييت وتتلمذ على أيديهم ولكن يوم حرب مصر ويوم كانت الحرب على أشدها جاء السفير السوفييتي إلى جمال عبدالناصر وقال له: إن الدولة السوفييتيه تنصحك بأن لا تدخل الحرب مع إسرائيل أي يجب أن تبقى مكتوف الأيدي حتى تحتلكم وحتى تذهب البلاد .

فهؤلاء هم السوفييت إنهم أعداؤنا قبل اليهود وهم مع اليهود، وقد انكشف كل خداعهم، فقد كانوا لا يبيعون لنا إلا السلاح الدفاعي ويحرموننا السلاح الهجومي، وكانوا مع ذلك لهم خداعهم ولهم كذبهم ولهم تضليلهم حتى اضطرت مصر أن تبين للناس جميعاً أنها طردت خبراءهم وطردت كوادرهم الذين يعملون في القاهرة ...

هذا كله أيها الأخوة المؤمنون لأننا تركنا الشريعة الإسلامية وتبعنا أعداء الإسلام، فأعداء الإسلام في صف واحد سواء كانوا في الشرق أو الغرب أو في الشمال أو الجنوب، العدو عدو فمن أسلم نفسه للعدو فلن يحصد إلا ضراراً ولن يحصد إلا ضياعاً وتشتتاً ولن يحصد إلا خسارةً في دينه ودنياه وآخرته.

أيها الأخوة المؤمنون: يقول الله إن كل دستور لا يستقي من الإسلام ولا يعود إلى الإسلام ولا يتلاقى مع الإسلام فهو خداع وكذب وتضليل ويجب أن نرفع أصواتنا بالنكران ونرفع أصواتنا بعدم الموافقة ونقول لا دستور لنا إلا إسلامنا ولا رئيس لنا إلا مسلم من عقيدتنا ويحكم بالإسلام لا بالأهواء ولا بالضلالات ولا باليمين واليسار ولا بالإنحراف والتصحيح بل بالإسلام الذي هو عقيدة الأمة.

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا