الاثنين 30 ربيع الأول 1439 - 18 ديسمبر 2017

هل انهزمت الثورة بسقوط حلب؟!

الأحد 18 ربيع الأول 1438 - 18 ديسمبر 2016 449 الأستاذ محمود درمش

 

كلما اشتد الحصار على منطقة واشتد فيها الكرب، تبدأ موجة من اليأس والوهن في الانتشار، بل بعضهم يبدأ في لوم وسب الثورة وتمني عدم قيامها، ولسان حاله أو مقاله: (كنا عايشين)!! وقد عاد هذا الصوت مع حصار #حلب ، وتآكل المناطق المحرّرة منه، وهنا نحتاج للتذكير ببعض المسلّمات التي نؤمن بها، لتجلية بعض الحقائق، وبث شيء من التثبيت بين الناس.

 

قصّ الله علينا في سورة البروج قصة أصحاب الأخدود، وهم فئة مؤمنة لم ترضخ لطاغية عصرهم وبلدهم، وأصروا على إيمانهم، حتى حفر لهم الحفر العميقة، وأضرم فيها النار، وصار يمتحنهم ويطلب منهم الرجوع عن إيمانهم، فأبوا فحرّقهم جميعاً، وأبرز أبطال هذه القصة ذلك الغلام المؤمن صغير السنّ الذي تسبب قتله في إيمان الجموع الغفيرة من أهالي تلك البلدة، وصمودهم في وجه الطاغية، كما رواها مسلم عن المصطفى صلى الله عليه وسلم.

 

وهنا لنا أن نتساءل: من الذي انتصر؟

هل هو الطاغية الذي قتل جميع معارضيه؟

أم الضعفاء الذين ثبتوا على إيمانهم وقيمهم .. وفضلوا الموت حرقاً على أن يتراجعوا عن دينهم؟

 

لا أظن أن عاقلاً يقول: إن المنتصر هو ذلك الطاغية، لأن قصة هؤلاء المؤمنين بقيت نبراساً يستنير به أصحاب القيم والمبادئ على مر العصور، يتذكرونها ويتثبتون بها، ويتسلون بها عن مصابهم تحت أي طاغية وفي وجه أي ظلم، والله سبحانه وتعالى سمى حال المؤمنين في هذه القصة (الفوز الكبير) البروج 11، بينما لا ينال هذا الطاغية عند سماع القصة إلا الشتيمة والكراهية، فضلاً عما ينتظره في الآخرة من عذاب الحريق.

 

ليس الخطأ في التطلع للنصر المادي إلى جانب النصر المعنوي، لكن الخطأ في الضعف واليأس الذي يرافق أدنى نكسة مادية، وفي استعجال النصر الذي لم تكتمل سننه، ولم تحضر دعائمه -في نفوسنا أولاً-.

روى البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه أنه قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون)، وفي رواية أخرى: فقلنَا: يا رسول الله، ادعُ الله لنا، واستنصره، قال: فاحمر لونه أو تغير ... الحديث.

 

لقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم من مجرّد طلب أصحابه الصابرين منه أن يدعو لهم ويستنصر الله لهم، وكأنه لمس فيهم ضعفاً أو استعجالاً لا يمكن معه الصبر حتى نهاية الطريق، فعلمهم درساً أن أصحاب المبادئ والقيم يثبتون عليها ولو أدى ذلك إلى موتهم وعدم رؤيتهم للنصر المادي الذي يحبونه، بل إن ثباتهم وحده انتصار وعلوّ لا يدركه أهل الباطل.

 

كون الثورة لم تنتصر حتى الآن، فهذا لا يعني أنها انهزمت، وسقوط بقعة جغرافية لا يعني أنها نهاية المطاف، ما دام فينا عرق ينبض، ولسان ينطق.

 

الانتصار الكبير الذي حققناه حتى اليوم ليس تحرير المناطق، ولا تشكيل الفصائل، ولا حيازة السلاح، بل أننا وقفنا بوجه للطاغية وجيوش الطغاة من خلفه، وأننا عرفنا حقنا وطالبنا به، وأن عتاده وسجونه لم تخفنا ولم تركعنا، ولم تبعث اليأس في نفوسنا، بل ازددنا إيمانا ويقينا بموعود ربنا، فلم يسر أحد في هذا الطريق إلا أوذي وعذب وقتل، ولسنا بأفضل حالاً من الأنبياء وعلى رأسهم نبينا (محمد صلى الله عليه وسلم)، فهو سيد ولد آدم ومع ذلك فقد حوصر في الشِّعب حتى أكل أوراق الشجر، ومكث يشاهد أصحابه يعذبون في مكة ثلاث عشرة سنة، وهم المؤمنون الخلّص، أفنستكثر على ربنا أن يمتحن إيماننا؟! معاذ الله إنا مؤمنون.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا