الثلاثاء 4 صفر 1439 - 24 أكتوبر 2017

الإسلام رحمة وليس سلاحا بأيدي غاضبين

الثلاثاء 26 جمادى الأولى 1436 - 17 مارس 2015 691 جاسم سلطان

 

قال المفكر الإسلامي وصاحب مشروع النهضة الدكتور جاسم سلطان إنه من أجل نهضة كاملة لابد من إعادة بناء الفكر والتصور الإسلامي عن طريق رؤية الأنساق القرآنية من جديد وإحلالها كمسطرة كبرى يحاكم في ضوءها كل المنتوج البشري المنسوب للنص فما وافق الأنساق المختزنة في النص تم اعتباره وما خالفها تم التخلي عنه.

 

وأضاف جاسم في مقابلة مع إسلام أون لاين أن من نجاحات الربيع العربي كشفه عن عجز التنظيمات وعجز النخب وعجز منظومات الفكر عن الوفاء باستحقاقات المرحلة، مما سيفتح الطريق ـ حسب جاسم ـ لمراجعات كبرى على جميع المستويات لم يكن لها أن تحدث لولا الاصطدام بهذا الواقع، وهو الأمر المبشر بعصر جدي وحقيقي يقوم على تغير المنظور الشامل وليس تغير الحالة السياسية.

 

وأكد على أن تيارات العنف تسوق خطابها عبر منهجية شائعة في التبشير؛ هي طرح النصوص انتقائيا، والتي تشعر الشاب العادي أن الموضوع شرعي، وما هو بشرعي، ولكن غياب المنهج عند المتلقي يجعله فريسة لهذا النوع من الخطاب فهو يوجه للإنسان البسيط المتدين الذي لا يمتلك قاعدة معرفية بالنصوص وهذا سهل استقطابه لأي مجموعة دينية تلتقطه وليس فقط لمثل تيارات العنف.

 

وفي رده على سؤال عن مدى إمكانية تأثير إعادة الدفء للعلاقات المصرية القطرية على حدوث مصالحة مصرية داخلية، قال: لا أعتقد أن هناك رابطا بين المصالحة بين الشعب المصري وذاته وبين المصالحة بين الأشقاء في مصر وقطر، فقرار المصالحة المصرية المصرية هو مصري بحت بامتياز، ولكن وجود دول مثل قطر وغيرها حسنة الصلة بالطرفين قد يكون عنصر مساعد بعد القرار الداخلي .

 

 وفيما يلي النص الكامل للمقابلة:

 

- بم تعرِّفون العنف وهل هو مصطلح مرادف لمصطلح الإرهاب؟

 

- السياسة فيها ثلاثة أدوات يتفرع منها كل شئ، أولها قوة الإقناع والحجة، وتستخدم فيها الدبلوماسية والاتصالات والاعلام وتحشد لها المؤثرات، وثانيها قوة المال سواء بحزم المكافئات او حزم العقوبات، وثالثها القوة الصلبة او العنف بدرجاته المختلفة، والإرهاب هو شكل من أشكال استخدام القوة الصلبة، وبالتالي يخضع لذات الأسئلة التي توجه لشروط استخدام القوة الصلبة، وهي: من يمارسها وما هدفه السياسي وما مشروعية مطالبه وما ضوابط استخدامه للقوة الصلبة وهذا ما يفرق حركات التحرر عن كارتيلات المخدرات مثلا .

 

أما مصطلحات الإرهاب والعنف فهي مصطلحات اعلامية تستخدم للإدانة والتحريض أكثر من موضوعيتها العلمية، ولذلك يحرص من يستخدمها على عدم تحديد المصطلح حتى يمكن استخدامه إعلاميا بحرية.

 

- ألا ترون أن خطاب الحركات التي تتبنى العنف أكثر وضوحا في أدلته الشرعية والواقعية من خطاب المفكرين والعلماء الذين تصدوا للمسألة؟ وما سبب ذلك؟

 

- بطبيعة الحال الحركات التي تستخدم القوة الصلبة في تحقيق أهدافها متنوعة من حركات مقاومة مشروعة منضبطة لحركات لا ضابط حقيقيا لها وإن تمسكت بشكل من الاستدلال العشوائي.

 

وسأتكلم عن الحركات الأكثر راديكالية والتي فتحت حربا على العالم مثل تنظيم القاعدة وشكله الجديد وهو حركة الدولة الإسلامية (داعش)، وسأقسم الأمر إلى قسمين، الأول هو عن وضوح الأدلة، والثاني عن فكرة الواقعية.

 

أما وضوح الأدلة الشرعية فلا، فالأدلة الشرعية لا تسعف القوم، ولذلك هم لا يخضعون لأي فقيه معروف، بل لهم فقهاء يقومون بالجمع العشوائي من المصادر القديمة ويتبعون منهجية شائعة في التبشير؛ هي طرح النصوص انتقائيا، والتي تشعر الشاب العادي أن الموضوع شرعي، وما هو بشرعي، ولكن غياب المنهج عند المتلقي يجعله فريسة لهذا النوع من الخطاب فهو يوجه للإنسان البسيط المتدين الذي لا يمتلك قاعدة معرفية بالنصوص وهذا سهل استقطابه لأي مجموعة دينية تلتقطه وليس فقط لمثل تيارات العنف.

 

 المجتمعات التي تبتلى بمثل هذا الفكر هي التي تتدمر ويبقى الآخرون بخير وسلامة منتظرين قطف الثمار بعد أن يستنزف المجتمع طاقاته بالكامل ويصبح الحل الوحيد أمامه أن يستجدي العالم أن يعينه ويساعده في ترتيب ما تدمر والأمثلة على ذلك لا تحصى، وما الصومال عنا ببعيد.

 

أما فكرة الواقعية فهذا الخطاب أبعد ما يكون عن الواقعية، فالواقعية هي معرفة دقيقة بالعصر ومعرفة بالذات وإيجاد أفضل الوسائل للوصول للهدف، أما هؤلاء القوم فنظريتهم بسيطة (علي وعلى أعدائي)، ليذهب الجميع الى الدمار، وهو غير مدرك أن الجميع لن يذهب، ولكن فقط المجتمعات التي تبتلى بمثل هذا الفكر هي التي تتدمر ويبقى الآخرون بخير وسلامة منتظرين قطف الثمار بعد أن يستنزف المجتمع طاقاته بالكامل ويصبح الحل الوحيد أمامه أن يستجدي العالم أن يعينه ويساعده في ترتيب ما تدمر والأمثلة على ذلك لا تحصى، وما الصومال عنا ببعيد.

 

- الإسلام يأمر بإعداد القوة وينهى عن الاعتداء، هذه مقدمة واضحة نظريا، وهو ما سماه بعضهم بالعنف المذموم والقوة المشروعة، لكن الإشكال المطروح دائما هو في التطبيق المثالي لهذا المبدأ، حتى يتحول أحدهما إلى هوان مطلق والآخر إلى عنف مطلق، هل من توضيح؟

 

 – ما ذكرته من وضوح هذه القاعدة هو في حد ذاته مشكلة لأن القوم يقولون إن كل آيات الرحمة وكف اليد قد نسختها آية، وبالتالي ففكرة عدم الاعتداء أو فكرة لكم دينكم ولي ديني، أو فكرة وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، كلها عند القوم نسخت بآية السيف، وفكرة النسخ جاءت لهؤلاء القوم هدية كبرى، قاموا عن طريقها بضرب كل منظومة القرآن الكبرى ابتداء من القيم العميقة إلى قيم التساكن، إلى قيم الدعوة، إلى قيم الحرب ومنظومتها الضابطة، كل مفردة من هذه المفردات هي ركن كبير في بناء الاسلام،  ففي العمق توجد القيم العميقة والتي تقوم على ثلاثة مرتكزات،  أن البشر بطبيعة خلقهم مختلفون، وثانيها ان أكثر الناس لن يؤمنوا وثالثها أن مهمتهم مجتمعين كبشر برغم الاختلاف وعدم اتفاق المعتقد هي وقف سفك الدماء ووقف الفساد في الأرض وكذا إعمارها، وعليها تبنى الطبقة الثانية من القيم فكأن الأولى هي (بما أن) في الرياضيات والطبقة الثانية هي (إذن).

 

الحرب، والأصل كراهتها وأن الله يطفؤها عندما يشعلها الظالمون، وفيها أن الإنسان بفطرته يكرهها، وفيها أن أسبابها هي الجور والظلم وأنها تنتهي بانتهاء أسبابها، وأن جنوح الآخر للسلم مدعاة للعودة للأصل

 

والطبقة الثانية هي قيم التساكن السلمي، ولها ثلاثة مرتكزات هي:التعاقد الصحيح والعدل المطلق والبر، وعليها تتصرف قاعدة الدعوة بين المختلفين وتقوم على قاعدة التعارف وقاعدة الدعوة بالحسنى واستعمال الحكمة والتنزل في الحوار وحرية الاختيار العقدي، وبعدها تأتي حالة الاستثناء وهي الحرب، والأصل كراهتها وأن الله يطفؤها عندما يشعلها الظالمون، وفيها أن الإنسان بفطرته يكرهها، وفيها أن أسبابها هي الجور والظلم وأنها تنتهي بانتهاء أسبابها، وأن جنوح الآخر للسلم مدعاة للعودة للأصل وأن مباشرتها تحتاج لإعداد أقصى، وأن الإعداد الأقصى ضمانة لارهاب الخصم ووقف نشوب الحرب ابتداء، وأن الأرقام مهمة في تكافئ القوى، وأن النسبة في مختلف ميادين الفعل تكون مقبولة لو أحسن التدبير وهي نسبة 1:2، وإلا كان مردودها عكسيا وعلى ذلك عدد القرآن الخيارات أمام طالبي الحق من كف الأيدي إلى المهادنة، إلى الحرب المحدودة، إلى الحرب الشاملة، ليكافئ كل وضع بما هو أجدى في إنجاز الهدف وهو العودة للسلم وإقامة العدل.

 

- البعض يرى أن المؤسسات التعليمية في العالم العربي تسهم بشكل رئيسي في بناء عقلية قابلة لاستيعاب العنف، ما رأيكم؟

 

- المؤسسات التعليمية في المنطقة العربية في الغالب لا تمتلك استراتيجية واضحة خاصة عند التعامل مع مادة الدين، ففي الدول التي تتعرض لأكثر موجات العنف سنجد أن ذات المناهج تعطي كل مقدماته، فمدرسة العنف تعتمد على ما يتم تدريسه من تصور عن الاسلام في المناهج المدرسية وتبني عليه.

 

وأكثر من ذلك، فالخطاب الإعلامي العام والخطابة المنبرية في كثير من محطاتها هي جزء من صناعة المشهد وتحضيره لجماعات العنف.

 

إن الفارق في أحيان كثيرة يتم فقط لأن تيار العنف يذهب خطوة أبعد، فهو يقول بما أنكم قلتم كذا فالنتيجة المنطقية هي كذا، ولذلك ستجد الكثير ممن لا يمارسون العنف لا يجدون غرابة في مقولات أصحابه أو في مواقفهم وهم بدرجات مختلفة يتفقون معهم وإن لم يتفقوا في التفصيلات.

 

- في ظل الرفض الواضح من قبل الغرب والنخب العربية المتغربة لوصول الإسلاميين إلى السلطة عبر وسائل التداول السلمي ، ألا ترون أن هذا يبرر العنف القائم، ويرشح المنطقة لمزيد منه؟

 

- السؤال يحتوي على ذات الأزمة الفكرية التي تنظر للمشكلة في الخارج ولا تبحث عنها في منظومة (قل هو من عند أنفسكم)، فالتصورات الاسلامية التي تم نشرها خلال قرن ونيف من الزمان تحتوي على بذور نفيها، لأنها تتناقض حتى مع مقررات الدين التي تحدثنا عنها سابقا .

 

وعندي أن الحالة الإسلامية تحتاج إلى مراجعات كبرى لأنساقها المعرفية وأدبياتها وخطابها العام حتى يتسق ومنظومة الإسلام أولا، قبل أن يتسق مع منظومات البشر والخارج.

 

واليوم لن توجد فرص خالية من القيود، فالعالم واع بكل أفكار الحالة الإسلامية وتطوراتها وبالتالي فمحاولات المرور عبر عمليات التكيف الخارجي مع شروط الديمقراطية غالبا ما ستلقى نفس المصير.

 

ولذلك نحتاج لعملية كبرى من الاستبانة لخارطة الإسلام بدون عمليات البتر القائمة على فكرة النسخ؛ قبل أن نخاطب العالم ونتحرك فيه.

 

ولو استعيدت منظومة الإسلام التي تم اختطافها عبر عمليات التخريب الداخلي للأنساق بأفكار النسخ والقطيعة مع العقل التي شاعت وانتشرت لأمكن للإسلام أن يعبر لفضاء جديد باعتباره رحمة للعالمين وليس سلاحا بيد قوم غاضبين.

 

أما ذات السؤال فالإجابة عليه، نعم، أضافت عملية حرمان الإسلاميين من السلطة بالطريقة التي تمت بها حججا مضافة لتيار العنف وغذته بدل أن تضيق عليه.

 

ولكن أصل الموضوع باق وهو مجمل منظومات الأفكار التي تحتاج لعلاج جذري وليس التعامل مع نتائجها فقط.

 

- كيف تفسرون استقطاب خطاب داعش لفئات كثيرة من الشباب المسلم؟

 

 - تغذية الشعور بالمهانة الحضارية والتي تتكرر على مسامع الشباب في مجمل الخطاب الإسلامي هو ما يصنع الحساسية النفسية، والمناهج التي تدرس ونوعية الخطباء الذين يتصدرون تحتوي على ذات مفردات القطيعة مع العالم وأن الحل في العنف هو ما يصنع العقلية.

 

تفسير حالة الانهيار في المجتمعات العربية والإسلامية بأنها مؤامرة كبرى على الإسلام دون بيان العوامل الداخلية التي أنتجتها هو مايصنع الاستمرارية، كل ذلك حضر الأرضية لاستقبال هذا النوع من الخطاب الذي يبشر بحل سريع وناجز(تذكرة وقليل من المال وبندقية واستعداد للشهادة) ومكافئة عظيمة هي الجنة.

 

- ماهي استراتيجية الدول الإسلامية لاحتواء ظاهرة العنف المستشرية في المجتمعات؟

 

- في الواقع الظاهر على السطح هو ظاهرة التبسيط وهي تدور حول المعالجة الأمنية رغم كثرة الكلام عن الأوجه الأخرى، ولكن لا نرى على الأرض أي مظاهر حقيقية لمراجعة الإطار المعرفي الذي أنتج كل هذه الظاهرة.

 

- هل ترون أن لخطاب الربيع العربي التحرري دورا في تنامي هذه الظاهرة؟

 

 - خطاب الربيع العربي الذي أنجز الثورة في بواكيرها كان يدور حول نقيض الظاهرة، فالجماهير خرجت بمطالب (عيش وحرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية) وكانت مستعدة أن تعطي الجميع فرصة ما التزم بهذه المفردات، وإن لم ينجح في تحقيقها قد تختار النقيض كما هو في تونس مثلا.

 

لكن نتائج الربيع العربي وظاهرة عودة الحياة إلى نقطة الصفر في الظاهر قادت لنتائج خدمت الظاهرة عبر مقولة (ها أنتم جربتم وفشلتم، فليس هناك حل إلا العنف) وهم اعتمدوا على أن ذاكرة الشباب قصيرة، ففكرة العنف جربت أكثر من تجربة السلم، فهي كانت باستمرار حاضرة منذ بداية القرن المنصرم وبلغت ذروتها في الأربعينات والثمانينات ونتائجها حاضرة في كل بلد ابتلي بالظاهرة حتى اليوم .

 

- أين هو دور العلماء والمفكرين في السعي لمحاربة هذا المد الدموي القادم؟

 

 - العلماء والمفكرون يحتاجون هم بأنفسهم لمراجعات كبرى في منظوماتهم الفكرية التي قد تكون جزء من المشكلة اكثر من كونها جزء من الحل، فبدون نظرية واضحة عن الإسلام والإنسان والمجتمع والعالم لا يمكن تقديم علاج لحالة مرتبكة من الأفكار التي تعتقد أنها مقدسة بسبب انتشارها وانتسابها لمنظومة الكتاب الديني.

 

فاليوم هناك ثلاث مسارات كبرى :

 

ـ مراجعة التراث

 

ـ وفهم العالم

 

ـ والتصالح مع العقل والحكمة

 

وكلها قضايا تنتظر أبطالها.

 

- يتحدث الكثيرون الآن عن عن فشل الربيع العربي، هل توافقون على هذه الخلاصة؟

 

 – كلمة فشل كلمة مطلقة،  فبدون إضافة شيء يبين وجه الاعتبار في المقولة لا يمكن تصويبها أو تخطئتها، فلو كان وجه الاعتبار عند القائل هو النجاح في إصلاح المسار السياسي فالأمر واضح، هناك فشل ذريع في الأغلب الأعم، ولو كان وجه الاعتبار هو انكشاف درجة صلاح أفكارنا ومؤسساتنا للتعامل مع الواقع المعقد الذي نعيش فيه فأعتقد أن هناك نجاحا كبيرا في انكشاف عجز التنظيمات وعجز النخب وعجز منظومات الفكر عن الوفاء باستحقاقات المرحلة، وهذا سيفتح الطريق لمراجعات كبرى على جميع المستويات لم يكن لها أن تحدث لولا الاصطدام بهذا الواقع، وهو الأمر المبشر بعصر جدي وحقيقي يقوم على تغير المنظور الشامل وليس تغير الحالة السياسية.

 

التراث الفقهي بني على تصورات عن الدين وعن الإنسان والعالم وعن الحرب والسلم هي بنت العصور الوسطى وليست بنت النص القرآني، ومراجعة الفقه تعني بالضرورة رؤية الأنساق القرآنية من جديد وإحلالها كمسطرة كبرى يحاكم في ضوءها كل المنتوج البشري المنسوب للنص

 

- هل تتوقعون حصول مصالحة سياسية في مصر بعد التقارب القطري المصري؟

 

- لا أعتقد أن هناك رابطا بين المصالحة بين الشعب المصري وذاته وبين المصالحة بين الأشقاء في مصر وقطر، فقرار المصالحة المصرية المصرية هو مصري بحت بامتياز، ولكن وجود دول مثل قطر وغيرها حسنة الصلة بالطرفين قد يكون عنصر مساعد بعد القرار الداخلي .

 

- كيف يمكن أن يسهم نقد التراث الفقهي في محاربة التطرف؟

 

 – هذا هو بيت القصيد فالتراث الفقهي بني على تصورات عن الدين وعن الإنسان والعالم وعن الحرب والسلم هي بنت العصور الوسطى وليست بنت النص القرآني، ومراجعة الفقه تعني بالضرورة رؤية الأنساق القرآنية من جديد وإحلالها كمسطرة كبرى يحاكم في ضوءها كل المنتوج البشري المنسوب للنص فما وافق الأنساق المختزنة في النص تم اعتباره وما خالفها تم التخلي عنه، وبالتالي يُزال الدخن عن جوهر الإسلام الذي غاب تحت منتجات تلك العصور.

 

- أيهما ينبغي أن نبدأ به، الديقراطية أم التعليم؟

 

 – أولا نحتاج أن نبني منظومة القيم التي نريد أن نعيش بها ونحولها لوعي عام منتشر، فلا التعليم ولا الديمقراطية تنفع بدون التأسيس العميق لقيم المجتمع وتحولها لمبادئ تتخلل التعليم والإعلام والتشريعات، عندها تستقر أسس الحكم العادل وأسس التعليم الذي يقود إلى التقدم وبدونها فنحن نبني التعليم والحياة السياسية على قشرة من الرمال.

 

- تؤسس بعض الحركات الجهادية ما تقوم به على فكرة مركزية، هي أن مذهب السيف كان مذهب الصحابة وكبار التابعين، ويقول ابن حجر في فتح الباري: مذهب السيف مذهب للسلف قديم ولكن العامة على تركه، كيف تجيبون على هذه الإشكالية؟

 

 – كل هذا الكلام والاستدعاءات لا معنى لها بدون رؤية النسق القرآني الكامل الذي أشرنا إليه في سؤال سابق، ففكرة القيم العميقة وقيم التساكن وقيم الدعوة ومنظومة الحرب كلها يجب أن تكون حاضرة عند الحديث عن مذهب الصحابة، هذا إن كان هناك مذهب واحد وتصور واحد حكم الجميع، والحادثة التاريخية أو السلوك التاريخي لأي مجموعة يقاس بجدواه والحكمة منه، فهل كان رفع السلاح بين المسلمين في صفين وأشباهها دينا نحتاج أن نكرره أم نحتاج لمعرفة الطرق التي تقينا هذا المآل؟.

 

والتفكير في مثل قضايا الدماء لا يتم بهذه الصورة المبتورة التي يتم تناوله بها عند هؤلاء القوم، فلو أننا تاريخيا بنينا نظاما معرفيا يفسر الحرب والسلم ويقعد للقيم الكبرى ويحولها لإجراءات لما احتجنا اليوم لمثل هذه المقولات.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا